مُذكّرات كوشنر (5): السّلطان قابوس يفاجئ الوفد الأميركيّ..

كانَ كبير مُستشاري الرّئيس الأميركيّ السّابق وصهره جاريد كوشنر من أكثر الشّخصيّات تأثيراً داخل أروقة البيت الأبيض خلال ولاية دونالد ترامب بين 2016 و2020. لعِبَ كوشنر دوراً كبيراً في إعادة الزّخم للعلاقات العربيّة – الأميركيّة، بعد توتّرها في عهد الدّيمقراطيّ باراك أوباما على إثر توقيع الاتفاق النّوويّ مع إيران في 2015.

وكان له الدّور الأبرز في تطبيع علاقات إسرائيل مع دُول عربيّة عديدة، أبرزها دولة الإمارات ومملكة البحريْن والمملكة المغربيّة والسّودان، نظراً إلى انتمائه لطائفة اليهود الأرثوذكس.

قرّرَ كوشنر أخيراً توثيق هذه الفترة من حياته في كتابٍ تحت عنوان“Breaking History: A White House Memoir” ، كشف فيه عن لحظات حاسمة وخفايا قرارات اتُّخِذَت في البيت الأبيض.

ينشرُ “أساس” سلسلة حلقاتٍ من كتاب كبير مُستشاري ترامب. تتحدّث الحلقة الخامسة عن لقاء كوشنر وسُلطان عُمان السّابق قابوس بن سعيد في إطار جولة قامَ بها صهر ترامب للترويج لتسويق خطّة “صفقة القرن”.

كُنّا قد نقلنا في الحلقة السّابقة أنّ جاريد كوشنر ووفد من مُساعديه وصلَ في شباط 2019 إلى العاصمة العُمانيّة مسقط للقاء السّلطان قابوس.

في تمام السّاعة العاشرة من مساء 23 شباط، كان سُلطان عُمان يستقبل الوفد الأميركيّ. يقول كوشنر عن لحظة اللقاء: “كان السّلطان ذو البنيةٍ المُعتدلة، واللحية المُشذّبة بعناية، يستقبلنا بحرارة. يفتخر السّلطان بحكمه المُستقرّ على مدى 5 عقودٍ في المنطقة الأكثر تعقيداً في العالم”.

فوجئ كوشنر بمدى هدوء ورصانة السّلطان: “حدّثنا بهدوء عن أحدِ جيرانه الذي حاوَل قتله في شبابه، وكيفَ حلّ المُشكلة معه بهدوء ولم يكنّ أحدهما الضّغينة للآخر”.

يعتبر صهر ترامب أنّ إحدى أهمّ ركائز حُكم قابوس هي “انتقاؤه عاركه والتحكّم بطريقته الخاصّة. كان يعلم نقاط قوّته ويركّز على لعبة طويلة المدى”.

الصّدمة

حين تطرّق السّلطان والوفد الأميركيّ للملفّ الفلسطينيّ، شرحَ قابوس وجهةَ نظرٍ قريبة لكلّ الزّعماء العرب الذين التقاهم كوشنر في المنطقة، لكنّه في الوقت عينه تطرّق إلى لبّ المُشكلة بوضوح، وقال: “النّقطة الأكثر تعقيداً في الصّراع العربيّ – الإسرائيليّ هي مسألة دخول المسجد الأقصى. أشعر بخيبة أمل من الإعلام العربيّ الذي يُسوّق لشائعة تفيد أنّ الإسرائيليين يريدون هدم المسجد، ولاقت هذه “الكذبة” رواجاً لدى الرأي العامّ العربيّ”.

أظهر السّلطان تعاطفاً مع الرّئيس الفلسطيني محمود عبّاس، وشرحَ أنّ الزّعماء العرب تعمّدوا تأجيج الصّراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين لترسيخ حُكمهم وصرف الانتباه عن مشاكلهم الدّاخليّة والحفاظ على تأييدهم الشّعبيّ.

بحسب ما يروي كوشنر في كتابه، فإنّ سُلطان عُمان “صارحه” بأنّ الزّعماء العرب دائماً ما كانوا يُمارسون الضّغط على الفلسطينيين ليقفوا في وجه إسرائيل كي لا يُوصَف الزّعماء بـ”الخونة”.

انصدمَ كوشنر لمّا قال له السّلطان قابوس إنّ ما كانَ يصدر من مواقفٍ عربيّة لدعم الفلسطينيين ضدّ الإسرائيليين كان يُخالف “ما يقولونه في السّرّ” عن أنّ “إسرائيل جاءَت بالكثير من الإيجابيّات إلى المنطقة”، وقال: “سينتهي النّزاع بمجرّد أن يُحوّل العرب كلامهم السّريّ إلى علنيّ”.

في سياق الحديث، لام سُلطان عُمان السّابق الرّئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس لـ”عجزه عن إيجاد حلٍّ للصّراع”، وقال: “علينا أن نتعلّم من الماضي، لا أن نعيش فيه”.

يقول كوشنر: “كنت أنصدم ممّا أسمع. هذا صاحب أطول فترة حكمٍ بين الزّعماء العرب. أعطاني كلام السّلطان قابوس آمالاً أنّه قد يدعم خطّة السّلام (صفقة القرن)، أو أن يقيم علاقات دبلوماسيّة مع إسرائيل. لقد قال لي كم استمتع بالعشاء مع “بي بي” (بنيامين نتانياهو)، وكم وجدَ من فرصٍ مهمّة لعُمان وجيرانها للتعاون مع إسرائيل”.

صفقة القرن

يقول كوشنر: “لمّا ناقشنا خطّة السّلام مع السّلطان، سألته إن كانت فُرص السّلام ممكنة بين إسرائيل وفلسطين”، فأجابني: “إن لم نبدأ فلن نُغيّر شيئاً. يتقيّد محمود عبّاس ببعض الاعتبارات، لكنّ “قلبه” في المكان الصّحيح”.

تغيّر وجه السّلطان هنا وقال: “أشعر بالأسى تجاه الشّعب الفلسطيني، يحملون على أكتافهم أعباء العالم الإسلاميّ”.

نسيَ كوشنر “الجّوع” الذي كان يشعر به قبل اللقاء الذي دام ساعتيْن، وكان مُرافقاه يُحاولان مُصارعة النّعاس الذي كادَ أن يغلبهما من شدّة التّعب. مع انتهاء اللقاء، قال السّلطان لكوشنر ومرافقَيْه: “هل يُمكننا تناول العشاء؟”. كانت السّاعة الـ12 عند منتصف الليل، وعلى كوشنر ومرافقَيْه أن يُغادرا السّاعة 8 صباحاً إلى العاصمة البحرينيّة المنامة.

فتَح فريق السّلطان الأبواب نحو “قاعة خياليّة” ممتلئة بالأعمدة والقناطر، تتوسّطها طاولة رخاميّة مطليّة بالذّهب الخالص، يقف خلفَ كلّ كرسيّ منها موظّفٌ باللباس الرّسميّ: “كان سلطان عُمان يهتمّ بالبروتوكول وأصول الضّيافة الرّسميّة أكثر من القصر الملكي البريطانيّ في باكنغهام”.

اترك رد إلغاء الرد