مُذكّرات كوشنر (4): ميركل وماكرون “ضدّ صفقة القرن”

كانَ كبير مُستشاري الرّئيس الأميركيّ السّابق وصهره جاريد كوشنر من أكثر الشّخصيّات تأثيراً داخل أروقة البيت الأبيض خلال ولاية دونالد ترامب بين 2016 و2020. لعِبَ كوشنر دوراً كبيراً في إعادة الزّخم للعلاقات العربيّة – الأميركيّة، بعد توتّرها في عهد الدّيمقراطيّ باراك أوباما على إثر توقيع الاتفاق النّوويّ مع إيران في 2015.

وكان له الدّور الأبرز في تطبيع علاقات إسرائيل مع دُول عربيّة عدّة، أبرزها دولة الإمارات ومملكة البحريْن والمملكة المغربيّة والسّودان، نظراً إلى انتمائه لطائفة اليهود الأرثوذكس.

قرّرَ كوشنر أخيراً توثيق هذه الفترة من حياته في كتابٍ تحت عنوان”Breaking History: A White House Memoir” ، كشف فيه عن لحظات حاسمة وخفايا قرارات اتُّخِذَت في البيت الأبيض.

يبدأ كوشنر الفصل الذي حمَل عنوان “Eureka”، أي لحظة الإدراك، بالقول إنّه في شهر شباط من سنة 2019، كان مبدأ السّلام في الشّرق الأوسط أبعد من أيّ وقتٍ مضى. كانَ رئيس الوزراء الإسرائيلي يومها بنيامين نتانياهو غارقاً في الاستعداد لانتخابات الكنيست في شهر نيسان. أمّا الجانب الفلسطيني فكان ما يزال غاضباً من قرار الرئيس دونالد ترامب نقل السّفارة الأميركيّة لدى إسرائيل إلى القُدس. يقول صهر ترامب: “على الرّغم من ضبابيّة المشهد، واصل فريقي المُصغّر العمل”.

عَمِلَ كبير مُستشاري ترامب وفريقه خلال الأشهر الـ6 السابقة على ذلك التاريخ، على خطّة “السّلام مُقابل الازدهار” (ما يُعرف في الشّرق الأوسط بـ”صفقة القرن”)، التي تنصّ على استثمار 50 مليار دولار في الضّفّة الغربيّة وقطاع غزّة ودُول الجوار الفلسطينيّ في حال قبل الفلسطينيّون بالخطّة.

اعتبَر كوشنر يومذاك أنّ الوقتَ حان لطرح الخطّة على الدّول الأوروبيّة، وذلك بعدَ المُشاركة في مؤتمر حول ردع إيران في العاصمة البولنديّة وارسو، الذي نظّمه مبعوث ترامب إلى إيران براين هوك بمُشاركة 60 دولة.

كان المؤتمر أوّل مُناسبة مُعلَنة يُشاركُ فيها رئيس الوزراء الإسرائيليّ إلى جانب وزيريْ خارجيّة دولة الإمارات ومملكة البحريْن.

بعدَ وارسو توجّه كوشنر والوفد المُرافق إلى مدينة ميونخ الألمانيّة للمشاركة في مؤتمر الأمن الذي يُعقد هناك سنويّاً. ومن المدينة الألمانيّة، كانَ كبير مُستشاري ترامب قد خطّط لزيارة 6 دول عربية في 5 أيّام.

ميركل وماكرون: لا توافق

بعد وصول كوشنر إلى ميونخ، كان كوشنر يطمح إلى أن ينال دعماً أوروبيّاً لـ”خطّته للسّلام”. كان يأمَل أن ينال دعمَ المُستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل. يقول كوشنر إنّ سبب تعليق آماله على نيل دعم ألمانيا يعود إلى أنّ تلك البلاد تقوم بعمل “جبّار” في إطار “معالجة جراح الهولوكوست” ضدّ اليهود.

التقى “جاريد” بميركل على هامش المؤتمر، وشرح لها الجهود التي يبذلها للسّلام في الشّرق الأوسط. يقول كوشنر إنّ ميركل “أثنَت على جهودِه، لكنّها لم تُقدّم التزاماً بدعم بلادها لـ”صفقة القرن”.

طلبَت المُستشارة الألمانيّة من صهر ترامب أن يُنسّق مع أحد مُساعديها المُقرّبين. وقد كشف أنّ سفير بلاده في برلين ريتشارد غرينل أخبره أنّ مُساعد ميركل هذا هو أحد المُحترفين في “دفن الملفّات”. اعتبر كوشنر أنّ تصرّف ميركل هذا يُعبّر عن عدم استعدادها لإعادة التفكير في سياسة ألمانيا في الشّرق الأوسط.

لم يكن ماكرون أحسن حالٍ من ميركل. يقول كوشنر: “تناقشت مع ماكرون، لكنّه اعترَف بصعوبةٍ أنّ كُلّ محاولات الماضي للسّلام في المنطقة باءَت بالفشل”. يصف مُستشار الرّئيس الأميركيّ السّابق أنّ كلام الرّئيس الفرنسيّ نابعٌ من تمسّكه بالسّياسة الخارجيّة التقليديّة لبلاده، وأنّ فرنسا لن تدعم إطلاقاً أيّ خطّة للسّلام ما لم يكُن الفلسطينيّون داعمين لها.

خابَ ظنّ كوشنر من القادة الأوروبيين: “أظهر أقوى زعيميْن في أوروبا أنّهما غير مهتمَّيْن بترك السّياسات الفاشلة والبحث عن طريق جديد نحو السّلام”.

المحطّة العربيّة الأولى: عُمان

في 23 شباط 2019، توجّه كوشنر وفريقه إلى سلطنة عُمان، التي يرى أنّ لها موقعاً استراتيجيّاً بمُجاورتها للسّعوديّة والإمارات واليمن، وبكونها مدخل مياه الخليج، وبعيدة 20 ميلاً عن مضيق هرمز والأراضي الإيرانيّة.

بعد وصوله وفريقه إلى الفندق، تلقّى كوشنر اتصالاً من قصر الرّاحل السّلطان قابوس بن سعيد يُخبرهم بأنّ السّلطان ينتظرهم على مأدبة عشاء.

يذكُر كوشنر كم كان مُهتمّاً بلقاء السّلطان قابوس الذي كان قد استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قبل فترة قصيرة: لقاء قابوس ونتانياهو كان “خبراً كبيراً”، ومُجمّع الاستخبارات في الولايات المُتّحدة صُدِمَ باللقاء، يقول، واعتبرَنا زيارة نتانياهو لسلطنة عُمان مؤشّراً إلى نجاح واشنطن في تغيير نظرة الدّول العربيّة إلى إسرائيل.

وصلَ الوفد الأميركيّ إلى القصر السّلطانيّ في مسقط، حيث كان في استقبالهم 3 من كبار مسؤولي الدّولة، لم يُسمِّهم كوشنر. انتظر الوفدُ لقاء السّلطان قابوس لساعتيْن من الزّمن: “كُنّا نُحاول أن نخفي شعورنا بالجوع، ربّما كان علينا إخبارهم بذلك، فهم لم يُخبرونا متى سنلتقي السّلطان قابوس”.

في الحلقة الخامسة غداً:

السّلطان قابوس “يصدُم” كوشنر: ما هي المفاجأة؟

/أساس ميديا/

اترك رد إلغاء الرد