الشارع… مرآة الإيمان والمواطنة

/د. رنا حطيط- الرائد للأخبار/

بين طهارة البيوت وفوضى الشوارع… أين ضاع معنى الإيمان؟

ليس السؤال الحقيقي اليوم: لماذا تتسخ شوارعنا؟
بل: كيف قبلنا أن نفصل بين نظافة البيت وفوضى الوطن؟

هناك سؤال يلاحقني كلّما سرت في أحد شوارعنا: كيف يستطيع الإنسان أن يغسل عتبة منزله كلّ صباح، ثم يعبر فوق رصيف احتلّه بنفسه، أو يرمي نفاياته في الطريق، أو يقود دراجته النارية بين الناس وكأنّ حياتهم لا تعنيه؟

الأغرب أنّنا مجتمع يتحدث كثيرًا عن الأخلاق، ويعتزّ بانتمائه الديني، ويردّد أنّ «النظافة من الإيمان»، لكنّه في كثير من الأحيان يتعامل مع الشارع وكأنّه مساحة بلا مسؤوليّة، وكأنّ القيم تتوقف عند باب المنزل.
فالشارع ليس مجرد إسفلت، والرصيف ليس مساحةً فائضة يمكن الاستيلاء عليها، وإشارة المرور ليست اقتراحًا، والدراجة الناريّة ليست امتيازًا يمنح صاحبها حق تجاوز القانون أو إرباك حياة الآخرين.
وحين يتحوّل التعدي على الأرصفة، وسوء تنظيم السير، والاصطفاف العشوائي للسيارات ووسائل النقل في أي مكان، إلى أمر اعتيادي، والمخالفة إلى ذكاء، والفوضى إلى أسلوب حياة، لا يعود السؤال: لماذا اتّسخت شوارعنا؟ بل يصبح: متى فقدنا احترامنا للمجال العام؟

الأرصفة… حين يُنتزع حقّ الضعفاء بصمت

الأرصفة الّتي وُجدت لحماية المشاة تحولت في كثير من المناطق إلى فضاءات مستباحة: سيارات متوقفة، مركبات مصطفّة بشكل عشوائي، بضائع معروضة، ومقاهٍ ممتدة بلا حدود.
وفي هذه الفوضى، يُدفع المشاة—خصوصًا كبار السن وذوي الإعاقة والأطفال—إلى السير في قلب الطريق، في مشهد يلخص اختلال العدالة في استخدام الفضاء العام.
لم يعد الرصيف مساحة عامة آمنة، بل مساحة يُنتزع حق استخدامها بصمت، ويُترك الأقوى ليفرض حضوره.

الدراجات النارية ووسائل النقل… حرية بلا ضوابط

أما الدراجات النارية ووسائل النقل عمومًا، فقد تحولت من أدوات حركة إلى مصدر يومي للفوضى.
المشكلة ليست فقط في من يسير بعكس الاتجاه، بل أيضًا في سوء تنظيم السير والاصطفاف العشوائي في أي مكان، وفي من يسير مع الاتجاه دون التزام: تجاوزات خطرة، اقتحام للتقاطعات، تنقل عشوائي بين المركبات، واستخدام الأرصفة عند الازدحام وكأنها امتداد طبيعي للطريق.
هذا ليس مهارة في القيادة، بل استهتار بحياة الآخرين.
والمعضلة أن هذا السلوك لم يعد استثناءً، بل أصبح مألوفًا، وكأن القانون موجود نظريًا فقط.

أين الدولة؟ وأين البلديات واللامركزية؟
لكن من الظلم أن نحمل المواطن وحده مسؤولية هذا الانفلات.

أين البلديات من هذا المشهد اليومي؟

وأين شرطة البلديات التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن الرصيف والنظام العام وتنظيم السير والاصطفاف؟

وأين اللامركزية الإدارية التي يُفترض أن تمنح السلطات المحلية القدرة على إدارة شؤونها اليومية بفعالية، من تنظيم الأرصفة إلى ضبط المخالفات، ومن تنظيم حركة السير ووسائل النقل إلى حماية الأملاك العامة وتطبيق القوانين داخل نطاقها؟

إن اللامركزية ليست شعارًا إداريًا، بل أداة حكم محلي قادرة على جعل القانون أقرب إلى الناس وأكثر حضورًا في حياتهم اليومية. لكن حين تبقى هذه الصلاحيات ضعيفة أو غير مفعّلة، يصبح الشارع مكشوفًا أمام الفوضى.

البلديّة ليست جهة لتجميل الساحات أو زراعة الأشجار فقط، بل هي خط الدفاع الأول عن النظام العام، وعن حق المواطن في السير بأمان، وحق الطفل في رصيف آمن، وحق الجميع في مدينة تحترم الإنسان.

وحين تغيب هذه الوظيفة أو تضعف، لا تعود المشكلة سلوكيّة فقط، بل تتحوّل إلى خلل بنيوي:
المخالفة بلا كلفة، والفوضى بلا رادع، والقانون بلا أثر.

ليست قضية دين… بل قضية وعي وإدارة

ما نعيشه ليس قضية دين أو طائفة أو منطقة، بل قضية سلوك، وإدارة، ومحاسبة.

فالمجتمع الذي يحترم حق الآخر في الطريق، وينظم حركة السير، ويمنع الاصطفاف العشوائي، ويحافظ على نظافة الرصيف، ويلتزم بإشارة المرور، هو مجتمع يترجم القيم إلى حياة يومية، لا يختزلها في شعارات.

أمّا الاكتفاء بالخطاب الأخلاقي دون تطبيق، فيخلق فجوة خطيرة بين ما نقوله وما نعيشه.

خاتمة: من الرصيف تبدأ الحضارة

نحن لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات عن الإيمان والأخلاق، بل إلى أن تتحول هذه القيم إلى ممارسة يومية، وإلى مؤسسات قادرة على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
فالوطن يبدأ من الرصيف…
ويبدأ من إشارة مرور تُحترم…
ويبدأ من بلدية حاضرة لا غائبة…
ويبدأ من مواطن يدرك أنّ الشارع ليس أقل قداسة من بيته.
وحين نحترم المجال العام، نكون قد احترمنا الإنسان… وعندها فقط يصبح الحديث عن الإيمان حديثًا عن واقع، لا عن كلمات.

اترك ردإلغاء الرد