من هم عجائز نيسابور! وكيف يُضرب بهم المثل؟

خاص الرائد نيوز


“أموت على عقيدة نيسابور”
عبارة قالها أبو المعالي الجوينيّ قبل رحيله، فما سرّ (عجائز نيسابور) وانتمائها إلى قاموس فراش الموت؟

الجواب عند الكاتب محمد عبدالله الهويمل الذي يجهد في إعطاء القارئ المفاتيح القادرة على تلقي النص وقراءته. من زاوية عالِمٍ في فنون الشريعة، وقد فك الكاتب مروياته وفلسفته الدينية والروحية واختلافها مع المذاهب الأخرى، كعقيدة السلف والصوفية وغيرها بين دفتي كتابه الذي وسمه ب ” عجائز نيسابور ; قوة الضعف وجمالياته، والكتاب يرصد السيرة العلمية للفقيه والمفكر أبو المعالي الجوينيّ في شتى المعارف الشرعية والكلامية والفلسفية. وهو الفقيه الذي عُرف عنه أنه من نخبة الأشاعرة المتكلمين الذين ترسموا لمذهبهم خطوطًا عريضة، ونظروا لأدوات الوعي والتأويل لإدراك الحقائق الغيبية، ذات الصلة بدين الله وكنهه، ومحددات صفاته….

يتألف الكتاب من عدد من الوحدات السردية التي جاءت تحت العناوين الآتية: “اللحظة العذراء”، “الاحتضار يبدع لغته”، “العجائز والغيب”، (عجائز نيسابور)، مكان يعاقب الزمان، “فُجاءةُ الجونين بين العلم والقلب”، “الخوف قوةً وجمالاً، الضعف قوةً وجمالاً”، “رفاهية التعويض”، “شعب نيسابور”.

في هذا الإطار نظرية “عجائز نيسابور”، تحل إشكالية العصر في تناول الكثير من الأفكار التي تتصادم باسم الدين البريء من النتائج السلبية لهذا الصدام حتى وصل بالبعض إلى تصعيده مرتبة صدام أو “صراع الحضارات” وبالأخص بين الإسلام والحضارات الأخرى. ومن هنا يجب أن نزيل اللبس بين الحضاري والشخصي؛ لأن الأول ملك للعالم أجمع، أما الثاني فهو مما يجب أن يدفن مع صاحبه دون أن يصيب ضرره إنساناً آخر.

اليقين بين “إيمان العجائز” وإيمان العارفين

في القصة المشهورة عن إيمان “عجائز نيسابور” يُقال: إن فخر الدين الرازي مر ذات يوم في موكب له مع طلابه بامرأة من عجائز نيسابور، فسألت: من هذا؟ قالوا لها: إنه الإمام الجليل الفخر الرازي؛ الذي وضع ألف دليل على وجود الله، فقالت: سبحان الله! أو يحتاج الله للأدلة على وجوده؟ لولا عنده ألف شكٍّ، لَما وضع ألف دليل، فعندما بلغ الإمام الرازي مقولتها، قال: اللهم إيمانًا كإيمان عجائز نيسابور!

فراح الناس – بعد ذلك – يتناقلون هذه القصة، ويذكرونها في مقام الاستشهاد على قوة الإيمان التي تأتي بالفطرة، دون تكبد مشاق التعلم والتبصر والاستهداء.
والمعنى الدلالي المقصود بـ”إيمان العجائز” هو الدين الصافي الذي يكون بالتصديق والتسليم، والخالي من المشوشات الفكرية والأسئلة الفلسفية؛ فالبسطاء غالبًا ما يصدقون كل ما يقال لهم دون استدلالات.

بين اليقين الفطري والمكتسب

من الناحية النظرية قد يُستشهد بمثل هذه القصص والنكت في مقام نقد الفلاسفة الذين اشتطَّ بهمُ الهوى الفلسفي لآفاق غير محدودة، ولا منضبطة بالشرع وأحكامه، أو على الأقل تُذكر في مقام الثناء على قوة الإيمان واليقين الذي يوجد مع أساس الفطرة، لكن من الناحية العملية لنا أن نسأل: هل هذا اليقين الفطري الذي يريده الشارع منا في عصر انتشار الثقافة والعلم والمعارف، وتقهقر عصور الجهل والأمية؟!


إيمان العارفين وإيمان العجائز

جُبِل الإنسان على حب السؤال والمعرفة، وزُرع فيه شغف الفضول للبحث والتقصي؛ فهو بفطرته يسعى للوصول إلى الحقائق، وأهم حقيقة قد تشغله هي حقيقة مصيره ومآله بعد الموت، فلا ينفك عن السؤال: لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ ومن؟ وأين؟ فهذه الأسئلة ليست متكلفة، بل هي أساس في تكوينه العقلي تلح عليه بالبحث عن إجابة، تريد الوصول به لليقين الذي ينجيه ويعليه في مراتب الترقي الإيماني.



فالبحث عن إجابات مقنعة للأسئلة المنقدحة في ذهنه هو المفتاح الرئيس الذي سيفتح له أبوابًا كثيرة، تضمن له النجاة من مهالك قد تنتظره، فهو يسأل حتى يتقوى يقينه، بل هو مأمور بالتعلم والبحث والمعرفة قدر طاقاته وقدراته؛ حتى يدفع عنه براثن الجهل، ويرفع عن نفسه إقامة الحجة عليه، فضلًا عن أنه بالتعلم وحده يصل لمعرفة عظمة الله وقدرته.


إذًا، نستطيع القول بأننا بالعلم نصل لمراتب اليقين الراسخ والمتين الذي يكون عن علم وبصيرة، ودراية، وكثرة مطالعة، وصبر على طلب العلم لمن استطاع خوض هذا الطريق، أما “إيمان العجائز”، فيصح الاستشهاد به في مقام الحث على العودة للفطر السليمة التي بدأت تنحرف عن مسارها الصحيح في هذه الأيام، فالفطرة السليمة هي التي لا تقبل بفكرة الانحرافات الأخلاقية والسلوكية، ولا ترضى بالتخلي عن القيم والمبادئ.



ويبقى التنويه على مسألة مهمة هي أن الإنسان بالعلم وحده لن يصل لمراتب اليقين والعبودية الحقيقية والكاملة لله، دون الاستهداء والدعاء للنفس والرجاء بالقبول، فطلب الهداية مسألة مهمة جدًّا في إعادة التوازن النفسي له، فلا بد أن يستشعر الذل والمسكنة، والانكسار والتواضع، والافتقار لله بعد بلوغ مراتب عليا في مقامات العلم، الذي قد يكسبه شيئًا من العجب بالذات والتكبر، والرفعة على البشر؛ فالاستهداء وطلب القبول أمران لا يقلان أهمية عن طلب العلم للوصول إلى مراتب إيمان العارفين.

اترك ردإلغاء الرد