الفيلسوفة التي غيرت نظرة العالم إلى الـ”توتاليتارية”

من الحاكم الشمولي يبدأ كل شيء وإليه ينتهي كل ما يمس حياة المواطنين


حتى السنوات القليلة التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت كلمة “توتاليتارية” أو شمولية تعني بشكل خاص الحكم الإرهابي الذي سيطر به هتلر وحزبه النازي على أوروبا، وانطلاقاً منه عرف العالم تلك المذابح والحروب والانحطاط الفكري وغياب القيم وتأليه الزعامة الذي حتى وإن كان لا يمارس إلا بشكل فردي، إلا أنه كان يستند إلى جماهير واسعة غسلت أدمغتها وارتدت مسوح الكراهية والعنصرية.

باختصار كان تعبير الـ “توتاليتارية” أو الحكم الشمولي يربط ما بين الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة وبين آفة القرن الـ 20 التي تمثلت في النازية، ومع ذلك كان رهط كبير من المفكرين الأوروبيين وغير الأوروبيين يعلمون أن ثمة في العالم “توتاليتارية” أخرى لا تقل خطورة عن تلك، وتتمثل هنا في الستالينية التي كان أخطر ما فعلته في رأي القسم الأعظم من أولئك المفكرين أنها خلقت في الجانب اليساري من الفكر والقيم العالمية شمولية من نوع آخر.

ستار حديدي

صحيح أن السياسي البريطاني ونستون تشرشل تحدث عن الشمولية السوفياتية ما إن انتهت الحرب، وفي خطاب ألقاه في الولايات المتحدة قال فيه إن ثمة ستاراً حديدياً أقامه السوفيات حول الدول التي هيمنوا عليها في شرق أوروبا، لكن كلام الزعيم البريطاني بدا مفتقراً إلى الصدقية بخاصة وأن الأميركيين كانوا يعلمون أنه هو الذي ألح على ساستهم ورئيسهم كي يسلحوا ستالين ويدعموه خلال الحرب في وجه الجيوش الألمانية التي كانت تحاصر موسكو وغيرها من المدن الروسية الكبرى، ومن هنا ظل العالم في انتظار صوت كبير يطلع ليخبرهم أن الـ “توتاليتارية” الآن “توتاليريتان”، ولقد كان ذاك الصوت صوت الفيلسوفة الألمانية حنة آرندت التي كانت قد أضحت أميركية وقتذاك، وذلك حين قدمت تعريفاً بدا على الفور جديداً من نوعه لمفهوم الشمولية في كتابها “جذور التوتاليتارية” (1951).



حنة آرندت الفيلسوفة التي غيرت نظرة العالم إلى الـ”توتاليتارية”
من الحاكم الشمولي يبدأ كل شيء وإليه ينتهي كل ما يمس حياة المواطنين وموتهم

إبراهيم العريس باحث وكاتب الأحد 6 نوفمبر 2022 15:59


الشمولية كما وصفتها حنة آرندت ليست نظاماً سياسياً بقدر ما هي ديناميكية ذاتية التدمير (أ ف ب)

حتى السنوات القليلة التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت كلمة “توتاليتارية” أو شمولية تعني بشكل خاص الحكم الإرهابي الذي سيطر به هتلر وحزبه النازي على أوروبا، وانطلاقاً منه عرف العالم تلك المذابح والحروب والانحطاط الفكري وغياب القيم وتأليه الزعامة الذي حتى وإن كان لا يمارس إلا بشكل فردي، إلا أنه كان يستند إلى جماهير واسعة غسلت أدمغتها وارتدت مسوح الكراهية والعنصرية.

باختصار كان تعبير الـ “توتاليتارية” أو الحكم الشمولي يربط ما بين الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة وبين آفة القرن الـ 20 التي تمثلت في النازية، ومع ذلك كان رهط كبير من المفكرين الأوروبيين وغير الأوروبيين يعلمون أن ثمة في العالم “توتاليتارية” أخرى لا تقل خطورة عن تلك، وتتمثل هنا في الستالينية التي كان أخطر ما فعلته في رأي القسم الأعظم من أولئك المفكرين أنها خلقت في الجانب اليساري من الفكر والقيم العالمية شمولية من نوع آخر.

ستار حديدي

صحيح أن السياسي البريطاني ونستون تشرشل تحدث عن الشمولية السوفياتية ما إن انتهت الحرب، وفي خطاب ألقاه في الولايات المتحدة قال فيه إن ثمة ستاراً حديدياً أقامه السوفيات حول الدول التي هيمنوا عليها في شرق أوروبا، لكن كلام الزعيم البريطاني بدا مفتقراً إلى الصدقية بخاصة وأن الأميركيين كانوا يعلمون أنه هو الذي ألح على ساستهم ورئيسهم كي يسلحوا ستالين ويدعموه خلال الحرب في وجه الجيوش الألمانية التي كانت تحاصر موسكو وغيرها من المدن الروسية الكبرى، ومن هنا ظل العالم في انتظار صوت كبير يطلع ليخبرهم أن الـ “توتاليتارية” الآن “توتاليريتان”، ولقد كان ذاك الصوت صوت الفيلسوفة الألمانية حنة آرندت التي كانت قد أضحت أميركية وقتذاك، وذلك حين قدمت تعريفاً بدا على الفور جديداً من نوعه لمفهوم الشمولية في كتابها “جذور التوتاليتارية” (1951).

ولعل النقطة الأساس التي تناولتها آرندت في جوهر هذا الكتاب تكمن في أن ثمة الآن أمتين في العالم عانتا وتعانيان الشمولية الحقيقية، ألمانيا في ظل النازية والاتحاد السوفياتي تحت حكم ستالين، وتؤكد قائلة إن الأهم في شمولية كل منهما هو أنهما لا تقبلان سوى حكم الحزب الواحد الذي يسيطر على الدولة التي تسعى هي نفسها إلى السيطرة على المجتمع، محيطة بشكل عام بجميع الأفراد في جميع جوانب حياتهم.

على أية حال ما تقوله لنا آرندت منذ مفتتح الكتاب، معتبرة أن ما يميز أساليب الحكم في الدولة الشمولية هو الدور الذي تلعبه تلك المؤسسات ذات الولاء المطلق للحزب الحاكم الذي هو في نهاية الأمر تنظيم يصب في خدمة الزعيم وتأليهه، وهنا تتوقف الكاتبة بشكل ما عند حالين لا تبتعدان كثيراً من تلك الـ “توتاليتارية” المشخصنة لتستشهد على وجه الخصوص بالدور الذي لعبته المكارثية أوائل سنوات الـ 50 من القرن الـ 20 في الولايات المتحدة من ناحية، ومن ناحية أخرى بالدور الذي لعبته المعسكرات الإدارية الفرنسية، إذ كان اللاجئون من الحرب الإسبانية محصورين وغير قادرين على الحركة.

من النظام إلى الديناميكية

مهما يكن من أمر فإن الشمولية كما وصفتها حنة آرندت ليست نظاماً سياسياً بقدر ما هي ديناميكية ذاتية التدمير تقوم على تفكك الهياكل الاجتماعية، ومن هذا المنظور يتم بالتالي تخريب أسس الهياكل الاجتماعية عمداً أو تدميرها، فقد أسهمت معسكرات الشباب، على سبيل المثال، في تخريب مؤسسة الأسرة من خلال زرع الخوف من الوشاية والإدانة داخل المنازل نفسها، وبين أفراد الأسرة الواحدة، أما الدين فمحظور وفي أحسن الأحوال يتم استبداله بأساطير جديدة اخترعت من خلال إعادة الاعتبار إلى الأساطير القديمة وتكوينها من جديد، ومع ذلك فإن الثقافة تبدو بدورها هدفاً مميزاً كما تفيدنا مسرحية “عندما أسمع كلمة ثقافة أمتشق مسدسي”، التي كتبها هانز جوهست استعارة من عبارة غوبلز الشهيرة التي كان يرددها كذلك بدوره زعيم الشبيبة الهتلرية فون شيراش.

في النظام الشمولي، كما تقول آرندت، تفتح الهوية الاجتماعية للأفراد الطريق نحو الشعور بالانتماء إلى كتلة هلامية عديمة الشكل ولا قيمة لها في نظر السلطة الحزبية، فهنا يصبح الإخلاص للزعيم ولأمة الزعيم السبب الوحيد لوجود يتجاوز الشكل الفردي ليعبر عما يتراوح بين التعصب الذهاني والوهن العصابي، وبفضل هذين العاملين تتحقق الهيمنة الكاملة، إذ يقوم الأعداء الموضوعيون الذين تعتقلهم دوريات البوليس السياسي بنقد أنفسهم وتخوين ذواتهم أثناء محاكماتهم، ويقبلون الحكم الذي يصدر في حقهم حتى ولو كان حكماً بالإعدام ولسان حالهم يقول “إذا كان الحزب اعتقلني وأراد مني اعترافاً فلديه سبب وجيه للقيام بذلك”.

كما تشير آرندت إلى أن أي عميل تم اعتقاله لا يحدث له أبداً أن يبادر إلى الكشف عن أي سر من أسرار للدولة، ويظل دائماً موالياً لسيد السلطة القائمة حتى عندما يتم التأكد من وفاته.

وعود من الفردوس

تتميز المجتمعات الشمولية في رأي آرندت بإيمان أفرادها بالوعود الفردوسية ونهاية التاريخ أو نقاء العرق، على سبيل المثال، وهي وعود تمكنها من أن توحد الجماهير ضد عدو موضوعي خارجي بقدر ما هو داخلي، تبعاً لمنطق سيكون عرضة للتغيير ووفقاً لإعادة تفسير قوانين التاريخ (الصراع الطبقي) أو الطبيعة (الصراع العرقي) السائدة في لحظة معينة، وبذلك تخلق المجتمعات الاستبدادية حركة دائمة ومصابة بجنون العظمة للمراقبة والإدانة والعكس، وتتكاثر الشرطة والوحدات الخاصة وتتنافس في إحداث أكبر ارتباك بين الناس، ومع ذلك وعلى عكس الديكتاتوريات التقليدية العسكرية أو غير ذلك، فإن الشمولية لا تستخدم الإرهاب فقط لسحق المعارضة، فالإرهاب الاستبدادي يتواصل لديها عادة حتى بعد سحق كل معارضة، وحتى لو تم القضاء على المجموعة التي اعتبرت عدواً (على سبيل المثال التروتسكيين في الاتحاد السوفياتي)، فستستمر السلطة في تحديد دولة أخرى أو مجموعة أخرى من البشر على أساس أن المارقين أعداء الداخل يعملون لمصلحتها وبالتالي يجب التخلص منهم.

وهكذا، كما تشرح لنا حنة آرندت بالتوثيق التاريخي والتحليل العلمي، كان هذا الأسلوب الذي خطط به هتلر والنازيون لإبادة الشعوب الأوكرانية والبولندية والروسية بمجرد القضاء على اليهود، أو حتى في سياق القضاء على اليهود وسط حملات منظمة ومن طريق التحشيد في معسكرات الاعتقال، والقضاء على كثر منهم بواسطة القتل والتعريض للغازات وما إلى ذلك.

وصولاً إلى إيخمان

تتوقف الكاتبة هنا لتشرح كيف أن عمليات التطهير الجماعي المنتظمة التي أمر بها رئيس الدولة، وهي النقطة الثابتة الوحيدة، هي التي تحدد وتيرة المجتمع الذي يقضي على سكانه بالملايين ويتغذون على جسده بطريقة ما، وتتمايز الأنظمة الشمولية عن الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية من خلال استخدامها الدائم للإرهاب ضد السكان بأسرهم، بما في ذلك “الأبرياء” في نظر الأيديولوجيا السارية، وليس فقط ضد المعارضين الحقيقيين كما يحدث في الحالات الاستبدادية الكلاسيكية، ومن هنا تخبرنا الكاتبة كيف أن الاستخدام الدائم للإرهاب يكون نتيجة طبيعية لاستشراء الدعاية المنتشرة في كل مكان في دولة شمولية.

لا مكاسب للمجرمين الصغار

علاوة على ذلك لا تخضع الشمولية في كثير من الأحيان لأي مبدأ منفعة، فالهياكل الإدارية تتضاعف من دون تداخل، وتقسيمات الإقليم متعددة ولا تتداخل، والبيروقراطية هي جزء لا يتجزأ من الشمولية، وكل هذا له تأثير على قمع أي تسلسل هرمي وسيط بين القائد والجماهير، وضمان السيطرة على مجمل مقدرات البلد من دون أن يقاسم الحاكم الشمولي مساعدية أية غنائم أو مكاسب، فهؤلاء مهما بلغت قذارة المهمات التي يقومون بها لا يعملون انطلاقاً من أية مكاسب مادية أو معنوية يمكنهم الحصول عليها أو يجدون أن في إمكانهم توقعها، بل فقط انطلاقاً من الخوف الذي يزرع فيهم.

ولعل هذه الفكرة بالذات هي التي طورتها حنة آرندت خلال المحاكمة التي ستشهدها بعد عقد ونيف من صدور “جذور التوتاليتارية” للإرهابي النازي إيخمان الذي بعد أن تنشر تحقيقاً مطولاً عن محاكمته تحت شعار “عادية الشر”، ستصدر عام 1965 كتابها الأشهر “إيخمان في القدس” الذي يبحث أساساً عن مسؤولية المرؤوس عن الجرائم التي يؤمر باقترافها في الدولة الشمولية، مؤكدة أن هذا المرؤوس إنما يطيع ما يعرف أنه ينال رضى الرئيس من دون أن يطرح على نفسه أية أسئلة تتعلق بوازع الضمير.

/انديبندنت العربية /

اترك رد إلغاء الرد