” الكلاب شاردة” والخطر مستمر

تعرّض طفلان، أحدهما سوري الجنسية، إلى جانب رجل خمسيني في بلدة برّ الياس اللبنانية في البقاع الأوسط، شرقي البلاد، لهجوم كلبَين شارديَن، نُقلوا على أثره إلى المستشفى، فيما عمد أهالي البلدة إلى الإجهاز على الكلبَين ببندقية صيد، وفق ما أفادت مصادر بلدية لـ”العربي الجديد”.

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي الخبر مع صور وتسجيلات فيديو قاسية، تبيّن في وقت لاحق أنّها من بلد آخر وليست من لبنان.

وسرعان ما علت الصرخات المندّدة بحالة التسيّب وتزايد الكلاب الشاردة في أكثر من منطقة لبنانية، الأمر الذي يشكّل خطراً كبيراً على الأهالي، لا سيّما الأطفال.

وقد استنكر بعض المحتجين الدفاع الدائم عن حقوق الحيوان وتجاهل حقوق الإنسان، في حين أعرب ناشطون آخرون عن استيائهم من “الفعل الإجرامي بحقّ الكلبَين” لا سيّما أنّ ذلك تكرّر في لبنان في الآونة الأخيرة. ولفت أشخاص إلى أنّ أحد هذَين الكلبَين له أصحاب وهو بالتالي من الحيوانات الاليفة وليس شارداً.

وبعد أخبار عن وفاة أحد الطفلَين المصابَين، نفى الأمر عضو بلدية برّ الياس مصطفى طراد، وأوضح لـ”العربي الجديد”، أنّ “إصابات الطفلَين، وهما في العاشرة والحادية عشرة، قد عُولجت، قبل أن يُنقلا اليوم إلى العاصمة بيروت من أجل تلقّي لقاح الكزاز (أو الخناق) ومتابعة وضعَيهما الصحيَّين، لا سيّما أنّ وجهَيهما أصيبا في الهجوم. وقد أتت إصابة أحدهما طفيفة، في حين تضرّر الآخر بشكل أكبر. أمّا الرجل الخمسيني، فقد عضّه الكلب بيده، محدثاً فقط خدوشاً خارجية، وهو اليوم بحالة جيّدة”.

وإذ أفاد طراد بأنّ “أهالي البلدة أجهزوا على الكلبَين بواسطة بندقية صيدٍ خوفاً من أن يستشرسا أكثر”، شدّد على رفضهم كبلديّة “هذا التصرّف. لكنّه ليس في إمكاننا ردع الناس العالقين وأطفالهم في منازلهم منذ وقوع الحادثة (الثلاثاء)”. ولفت طراد إلى أنّ “الكلاب الشاردة تكثر في بلدتنا منذ عامَين، وما زلنا عاجزين عن إيجاد حلّ لهذه المسألة. لذلك نناشد الجمعيات والمؤسّسات المعنيّة بالرفق بالحيوان التدخل، وإلا سوف نكون أمام وضع كارثيّ، وسوف نسمع يومياً بحالات إجهاز على كلاب”، أضاف أنّ “ثمّة خوفاً من أن يكون الجوع هو الدافع خلف هجوم الكلاب على سكان البلدة، خصوصاً أنّها كانت تجد ما تأكله يومياً بكميّات كبيرة أمام الملاحم، غير أنّ الوضع تبدّل كثيراً اليوم في ظلّ الأزمة الاقتصادية”

وكان أحد موظّفي البلدية قد كشف لـ”العربي الجديد”، مفضّلاً عدم ذكر اسمه، أنّهم “تواصلوا مع طبيب القضاء الذي شدّد على ضرورة مراقبة الكلبَين للتأكّد مما إذا كانا مسعورين أم لا، وليس الإجهاز عليهما”.

من جهته، ربط الطبيب البيطري فؤاد الحاج “تزايد الكلاب الشاردة بالأزمة الاقتصادية في البلاد”، لافتاً في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أنّ “أرخص كيس طعام للكلاب (20 كيلوغراماً) يبلغ ثمنه 25 دولاراً أميركياً، أي نحو 725 ألف ليرة لبنانية (بحسب سعر صرف السوق الموازية)، وهو مبلغ يتخطّى رواتب موظّفين كثيرين. لذلك، يلجأ عدد كبير من أصحاب الكلاب إلى رميها في الشارع”.

وأشار الحاج إلى أنّ “جمعيات الرفق بالحيوان لم تعد قادرة على استيعاب مزيد من الكلاب، لا سيّما أنّها لا تلقى الدعم الكافي، وكذلك حال مراكز الإيواء والرعاية الخاصة التي تعتمد على التبرّعات والمساعدات الخارجية. وهنا تقع المسؤولية على البلديات المدعوّة إلى توحيد جهودها، وعلى الدولة الملزمة اليوم بجمع هذه الكلاب في مناطق محدّدة، شريطة إخصائها، مثلما يحدث في البلدان الأوروبيّة. عندها، من الممكن إعادتها إلى الشارع، إذ تصير أقلّ خطراً، علماً أنّ حياة الكلب تمتدّ عادة ما بين 10 أعوام و13 عاماً”.

بالنسبة إلى الحاج، فإنّ “سبب هجوم الكلب لا ينمّ عن جوع فقط، إنّما عن خوفه من التعرّض للأذى أو لدى التعدّي على طعامه، حينها يستشرس للدفاع عن نفسه”، منبّهاً من “انتشار داء الكلب في حال استمرّ الوضع على ما هو عليه. وهذه أزمة بحدّ ذاتها، لا سيّما أنّ حقن الكزاز كانت مفقودة في البلاد قبل فترة ليست بعيدة”.

في سياق متصل، قالت العضو الفخري والمتطوّعة في جمعية “بيروت للمعاملة الأخلاقية للحيوانات – بيتا” رانيا دبغي لـ”العربي الجديد”، إنّ “99 في المائة من الكلاب ليست شرسة، والكلاب الشاردة تخاف في المجمل وتختبئ ولا تهجم بسبب الجوع. لكنّ الإنسان يقف في معظم الأوقات خلف وحشيّة الكلاب، من خلال استفزازها والاعتداء عليها وإساءة معاملتها. وقد تكون الكلاب شرسة بطبعها أو أنّها كانت محتجزة طيلة حياتها أو سبق أن درّبها أصحابها على الهجوم قبل رميها في الشارع، بالتالي يلحق الأذى بالأهالي والكلاب على حدّ سواء”.

وأوضحت دبغي أنّ “السبب خلف تنامي ظاهرة الكلاب الشاردة في لبنان هو التخلّي عنها بحجّة السفر أو الهجرة وليس بحجّة العجز عن إطعامها. واليوم نرى عدداً كبيراً من هذه الكلاب، نظراً إلى انتشار ظاهرة تربية الكلاب في السنوات الأخيرة”. وتابعت دبغي: “أمّا الأزمة الاقتصاديّة في البلاد، فقد انعكست على تجّار الحيوانات الذين باتوا يرمونها كي لا يتكبّدون كلفة إطعامها. وهنا، على الدولة منع استيراد الحيوانات، وعلى البلديات أن تدرك أنّ الحلّ ليس بتسميم الكلاب وإطلاق النار عليها، إنّما بإخصائها”.

وقد عبّر موقع إلكترونيّ متخصّص في أخبار بلدة برّ الياس، في منشور، عن صدمته أمام “الحادثة الأليمة”، متمنّياً الشفاء العاجل للمصابين، ولفت إلى أنّ “إحدى الجمعيات تمنّت علينا الاحتفاظ بجيفة الكلب حتّى نتأكد مما إذا كان مصاباً بداء الكلب، كي يلقى المصابون العلاج المناسب. ونشير إلى أنّ الكلاب التي تعيش في مجموعات لا تُصاب بهذا المرض. ولهذا نتمنّى عدم التعرّض لها، إذ إنّ القتل مرفوض أخلاقيّاً ودينيّاً. كما نتمنّى عدم قتل أرواح بريئة لا علاقة لها بما حصل، وإن كانت بهائم”. وأمل الموقع بـ”تعاون المجتمع المحلي والبلديات لحلّ أزمة الكلاب الشاردة بطريقة حضارية، وذلك بإنشاء مراكز إيواء للكلاب الشاردة وإجراء عمليّات تعقيم للتقليل من الأعداد، وهذا ما ستباشر به بلدية عنجر (البقاع) ضمن نطاقها”.

أمّا بلدية بعلبك فقد ناشدت، في بيان، “وزارات الداخلية والبلديات والزراعة والبيئة، وجمعيات الرفق بالحيوان، مساعدتها بالسرعة الممكنة لمعالجة موضوع الكلاب الشاردة التي تكاثرت بشكل كبير، وتعجّ بها الأحياء السكنية والساحات والمتنزهات وأسواق المدينة، والتي أصبحت مجموعاتها تشكّل خطراً حقيقياً على الناس عموماً والأطفال بصورة خاصة”، وأهابت بـ”الأهالي الانتباه في أثناء تنقّلاتهم حتى إيجاد حلّ مناسب للمشكلة”.

/ العربي الجديد /

اترك رد إلغاء الرد