الجامعة اللبنانية بين جمر المطالب ورماد الرابطة

/بوابة التربية _ زاهر عبد الخالق/ تركت الأزمات الحادة التي عصفت وتعصف بالوطن بصماتها الآثمة على القطاع العام ومؤسساته. ولم تسلم الجامعة اللبنانية من مخاطر الانهيار اللبناني العسير والمستمر، فتقلصت موازنتها، وتدنت رواتب جميع العاملين فيها من أساتذة وموظفين ومدربين. وزادَ الطِّين بَلَّة إهمال ملفاتها الحيويّة (إقرار ملف التفرغ، إحالة من بلغ السن القانوني إلى التقاعد من دفعة 2014، تعيين العمداء، ملف المدربين). وأصابت هذه الأزمات المتلاحقة الجسم النقابي لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية المكوّن من الهیئة العامة في الجامعة اللبنانیّة، الجمعیات العامة في كل فرع او وحدة جامعیة لیس لها فروع، مجلس المندوبین (159 عضواً) والهیئة التنفیذیة للرابطة (15 عضواً).

لم تفلح رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية خلال العامين المنصرمين في إيصال أي ملف الى خواتيمه السعيدة وبالتالي تحقيق اي انجاز يُذكر رغم الجهود الحثيثة التي بُذلت لرفع الملفات الى جلسات مجلس الوزراء المتتالية، حيث لم يُقر أياً منها. وحتى الاتفاق الذي توصلت اليه “الهيئة” مع وزارة التربية والذي قضى بإعطاء الأساتذة مبلغًا متواضعًا كحوافز شهرية لم يدم سوى أربعة أشهر، نتيجة تعثر حصول الجامعة على حقوقها من المشاريع الخارجية، أو ما بات يعرف بقضية ال PCR.

عوامل عدة أدت إلى إضعاف رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية تتلخص بولادة قناعة راسخة لدى منتسبيها بأن العمل النقابي هو “مضيعة للوقت”، فهم لم يتجاوزوا لغايته “صدمة” اضراب 2019، الذي فرض شروطه على السلطة في حينه وأدى إلى تعهد بإقرار “البنود السبعة” لصالح الجامعة اللبنانية وأهلها، منها ثلاث درجات، تفرغ وإدخال إلى الملاك، وبعد فك الاضراب تنصلت الدولة من كامل التزاماتها.

ومن جهة أخرى، ارتكبت الهيئة التنفيذية اخطاءً استراتيجية قللت من قدرتها التمثيلية. فهي لم تقف بالشكل الكافي إلى جانب الاساتذة المتعاقدين حين أعلنوا اضرابهم، والذي انبثق عنهم “اللجنة التمثيلية للأساتذة المتعاقدين بالساعة في الجامعة اللبنانية” (ايلول 2021 – أيار 2022) والتي كانت لسان حال عدد ثلاث اضعاف الاساتذة المتفرغين تقريباً. كما انها لم تدعم تحركاتهم واضرابهم بالشكل الفعلي، بل على العكس تمّ متابعة التدريس وتسيير الامتحانات وكأن شيئاً لم يكن.

ومما أضعف العمل النقابي أيضاً حالة الإنكار التي يعيشها بعض أهل الجامعة، رغم صعوبات تأمين الضروريات اللوجستية لكلياتهم. وفروعهم، ومن الغريب بأنهم عملوا بكل ما “بقي” لهم من عزم وقوة على ضرب “التوقف القسري” عن التعليم الذي أعلنته الهيئة التنفيذية، وأوصت به الهيئة العامة بتاريخ 14 تموز 2022، نظراً للأوضاع الاقتصادية الرديئة الذي آلت إليه الأمور.

وأخيراً، هناك من يتهم “الهيئة” بعدم استقلاليتها وتماهيها مع أهل الحل والربط على حساب المطالب والحقوق، وينتقد تكريسها أعرافًا طائفية في هيكليتها ومناصبها، وانعكست هذه المواقف في مقاطعة العديد منهم لاجتماعاتها والتحركات التي تدعو اليها، أو في عدم الرغبة بتسديد رسم اشتراك الانتساب.

وللأمانة، هناك مواقف ايجابية يجب ذكرها تجلت بتضحيات بعض الزملاء المندوبين وأعضاء الهيئة التنفيذية، والتفاعل الإيجابي والبناء الذي حصل مع رئيس الجامعة دكتور بسام بدران ووزير التربية والتعليم العالي دكتور عباس الحلبي، كلها عناصر ساهمت بتحريك الملفات رغم عدم التوصل إلى النتائج المرجوّة في جلسات مجلس الوزراء، وساهم بالزيادة الطفيفة في ميزانية الجامعة، وحصول أهل الجامعة على “فتات” المساعدات التي حصل عليها سائر القطاع العام دون منة من أحد.

ان العمل النقابي في الجامعة اللبنانية بحاجة اليوم الى سبل أكثر جدية وشفافية وحتى جرأة بالتواصل مع قادة الصف الأول بخصوص التعليم العالي الوطني، وتحميلهم مسؤولية تأمين مقوماته واستمراره. فرغم الاعتصامات المتكررة والمؤتمرات الصحفيّة وحتى اعلان الاضراب المفتوح وزيارة من تكرّم باستقبال الهيئة التنفيذية، يبدو بأن صوت أساتذة الجامعة اللبنانية ظلّ خافتاً ومطالبهم مهملة.

والعمل النقابي في الجامعة اللبنانية بحاجة أيضاً إلى رؤية جديدة، وخارطة طريق مختلفة، فالقول ان الاضراب هو المدخل الوحيد لحل جميع مشاكل الجامعة بات فرضية غير محسوبة النتائج والعواقب. فالإضرابات المتكررة سببت بعض التسرب الجامعي، وخلقت حالة اضطراب عند الطلاب الحاليين والمحتملين وسط الأجواء العامة الهشة. وعلى الزميلات والزملاء الأساتذة التمييز بين مستوى اداء نقابي لولاية معيّنة، حاول أو تعثر بسبب ظروف عامة او محددة، وبين أداة نقابيّة، عمرها “نصف قرن من النضال”، غايتها الأساسية الذود عن الجامعة اللبنانية وأهلها، “رابطة” يجب المحافظة على وجودها.

وسط الآمال المفقودة نتيجة الظروف الراهنة، والآمال المنشودة بانتخاب “مجلس مندوبين” و”هيئة تنفيذية” في الأيام القليلة القادمة، عسى ان ينبعث العمل النقابي من رماده.

اترك رد إلغاء الرد