“الحوثي” يسوق الأطفال الى جبهات الموت
ب”أساور مرقمة” حول الساقِ واليد



/سامية الأغبري – درج/




يجري لف معصم أو كاحل كل طفل يساق إلى الحرب بسوار مرقم. أي أن الطفل منذ تلك اللحظة يصبح بلا اسم ولا لقب أو هوية – و يُعرّف بالرقم الذي يلتف حول معصمه أو كاحله.
بعد مسار من عمليات تحشيد عقائدي ديني سياسي، تعكف ميليشا “الحوثي” منذ سنوات على فرض سيطرتها وسوق أطفال إلى جبهات القتال.

يجري لف معصم أو كاحل كل طفل يساق إلى الحرب بسوار مرقم. أي أن الطفل منذ تلك اللحظة يصبح بلا اسم ولا لقب أو هوية – و يُعرّف بالرقم الذي يلتف حول معصمه أو كاحله.

“اشتي أمي”

يجهش محمد بالبكاء ويقول وهو يطأطئ رأسه: “أشتي أمي” ويشتم الحوثيين بكلمات نابية، يرفع رأسه ويقول “هم أخذوني”.

محمد (13 سنة)، الذي وقع في العام 2020 أسيراً لدى قوات الحكومة (المعترف بها دولياً) سرد للمركز الإعلامي التابع لها الذي نشر فيديو يروي شهادته، كيف تم اختطافه وتجنيده: “كنت أمام البيت وهاتفي في يدي، جاؤوا وأخذوا الهاتف وفتشوه، وجدوا أربعة من زوامل الشرعية (أحد الفنون الشعرية الشعبية يلحن أو ينشد شعراً)، أخذوني بملابس عسكرية، واقتادوني إلى مدينة الصالح في تعز لأتلقى هناك ولمدة شهر دورات “ثقافية”، عبارة عن ملازم ومحاضرات حسين الحوثي (مؤسس الجماعة)”.

يواصل باكياً: “أعادوني بعد انتهاء الدورة إلى صنعاء وأعطوني سلاحاً وهذه البدلة العسكرية (يشير إلى الزي العسكري الذي يرتديه) ثم أخذوني إلى الجبهة”.


ابن خالتي
لكن في حكاية لمحمد آخر كانت النهاية أكثر مأساوية. أعني حكاية الفتى محمد ابن خالتي.

محمد إبن خالتي كان إبّان ثورة شباط يشارك في التظاهرات والفعاليات الاحتجاجية، ويسأل باهتمام وهو يشاهد صور تشي غيفارا في ساحة التغيير بصنعاء عمن يكون الذي نرفع صوره. اختصرت قائلاً، “إنه ثائر وبطل كان يدافع عن الناس المظلومين والفقراء”.

قال بعزيمة: “إذاً أنا سأكون كغيفارا”.

في قصة “الأطفال يشيبون عند الفجر” للروائي اليمني محمد عبد الولي، رأيت محمد وآلافاً مثله يذهبون قسراً إلى الجبهات؛ ومثل أبطال القصة مع اختلاف بعض التفاصيل، قتل منذ خمس سنوات وهو في الخامسة عشرة، بضربة جوية للتحالف العربي؛ بعد يومين فقط من انتزاعه من حضن أمه عبر”عاقل حارتهم” في صنعاء والذي يعمل سمساراً لتجنيد الأطفال.

قتل، وقالوا لأمه: لم نتعرف إلى جثته!

كبقية الصغار الذين اقتيدوا إلى جبهات الموت، تحوّل محمد وغيره من الأطفال بغمضة عين إلى أشلاء، لم يتم التعرف إلى هويات أصحابها، ولا حتى بالأرقام الملتفة حول معاصمهم؛ وما زال شقيقه إلى اليوم يبحث عن جثته أو أشلائه.

محمد في سن المراهقة، يتيم الأب- مات والده عندما كان رضيعاً- عاش حياة غير مستقرة في أسرة مفكّكة، أمضى عمره الصغير متنقلاً بين بيتنا وبيت أمه، رفض إكمال تعليمه، كان يتناول القات بشراهة، ويدخّن؛ كان أيضاً مولعاً بالسلاح الذي لم يحمله قط!

عيناه تلمعان فرحاً إن رأى أطفالاً في مثل سنه يقفون في النقاط العسكرية يحملون السلاح؛ في ثقافة المجتمع اليمني حين يحمل الصغار سلاحاً يصبحون رجالاً، أراد أن يصبح رجلاً مثلهم!


مجندون لا يعرف عددهم الحقيقي!
لا إحصاءات دقيقة حول عدد الأطفال المجندين، وتختلف الأرقام من منظمة إلى أخرى بما فيها منظمات الأمم المتحدة. مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة عبدالله السعدي ذكر في خطاب ألقاه أمام الدورة الأولى للمجلس التنفيذي لليونيسيف 2020،”أن الحوثيين جندوا في صفوفهم ما يزيد عن ثلاثين ألف طفل”.

أمين المشولي مدير عام التخطيط والمتابعة في وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان والمنسق المدني السابق للجنة الفنية المشتركة لمنع تجنيد الأطفال في حكومة الشرعية يفصّل ما رصدته ووثقته الوزارة قائلاً: “خلال الفترة من تموز 2014 حتى حزيران 2022 وبحسب البلاغات التي تلقيناها، بلغ إجمالي الأطفال المجندين من قبل مليشيات الحوثي 8243 طفلاً، وتم التحقق من 6287 حالة تجنيد أطفال؛ توزعت بحسب حالة الطفل المجند ومصيره، حيث تشير الإحصاءات المرصودة إلى أن الأطفال الذين لا يزالون في الجبهات خلال فترة إعداد التقرير عددهم 4584، تم التحقق من 3132 طفلاً مجنداً، وبلغ عدد الذين قضوا وهم يقاتلون في صفوف مليشيات الحوثي 4236 طفلاً، تحققت الوزارة ووثقت عدد 1676 طفلاً، وبلغ عدد المصابين في الجبهات 1532، تحققت الوزارة من 510 أطفال مصابين.

وبحسب المشولي، خلال فترة إعداد التقرير عاد 308 إلى ديارهم، بينما ما زال مصير 432 طفلاً مجهولاً. وأسر 151 طفلاً أثناء القتال في الجبهات.


وعن أعمار الأطفال المجندين يجيب: “70 في المئة ما بين 12 إلى 15 سنة، و10 في المئة تتراوح أعمارهم بين 10 و12 سنة، أما الأطفال بين 16 و18 سنة فيشكلون 20 في المئة”.

ويلفت إلى أن “محافظة عمران تعد الأولى من حيث عدد الأطفال المجندين تليها محافظة ذمار، ثم صنعاء ، فصعدة ، فحجة، ثم محافظة المحويت فالحديدة وأخيراً أمانة العاصمة”.

ويشير تقرير للوزارة صدر خلال الأشهر الستة الأولى من العام الماضي إلى تراجع عدد الأطفال المجندين من مدينة صعدة، مقارنة بإحصاءات 2020، بحيث كانت صعدة بحسب التقرير تحتل المرتبة الرابعة في عدد الأطفال الضحايا (489 طفلاً عام 2020).

ومن خروقات جماعة الحوثي للهدنة خلال أيلول 2021 إلى 1 تموز 2022 كما جاء في التقرير، 205 حالات تجنيد أطفال. ويتهم التقرير 121 قيادياً حوثياً بالتورط في تجنيد الأطفال،على رأسهم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

الأمم المتحدة أفادت بأنها تحققت من تجنيد 1476 طفلاً بين 26 آذار 2015 و31 كانون الثاني 2017، وأردفت ” قد يكون العدد أكبر”.

وفي العام نفسه، وجهت “منظمة العفو الدولية” في بيان لها اتهاماً لجماعة الحوثي بـ”تجنيد صِبيَة لا تزيد أعمار بعضهم عن 15 عاماً على خطوط القتال الأمامية”.

تعرّف الأمم المتحدة الطفل الجندي: ” أي شخص دون الثامنة عشرة من العمر كان مجنّداً أو مُستخدَماً بواسطة قوة عسكرية، ولا يزال، أو جماعة عسكرية في أي صفة، بما في ذلك على سبيل المثال وليس الحصر الأطفال والغلمان والفتيات الذين يتم استخدامهم كمحاربين، أو طهاة، أو حمّالين، أو جواسيس، أو لأغراض جنسية”.

وتحظر الاتفاقيات والتشريعات والاتفاقيات الدولية والقوانين اليمنية تجنيد الأطفال.

تقول المحامية والناشطة الحقوقية هدى الصراري: “القانون اليمني واضح وصريح في ما يخص الالتحاق بالتجنيد في الدفاع والأمن لمن تجاوزوا الثامنة عشرة، واتفقت التشريعات اليمنية مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل في تحديد سن الالتحاق بالتجنيد ولا خلاف قانونياً في ذلك”.
وتؤكد المادة (149) من قانون حقوق الطفل، بحسب الصراري، على احترام اليمن قواعد القانون الدولي المنطبق عليها في المنازعات المسلحة ذات الصلة بالطفل وحمايته، من خلال “حظر حمل السلاح على الأطفال وعدم إشراكهم مباشرة في الحرب وعدم تجنيد أي شخص لم يتجاوز الثامنة عشرة”.

صغار في مهمات كبيرة
تُوكل إلى الجنود الأطفال عدد من المهّمات، منها أعمال قتالية مباشرة وأخرى لوجستية.

بحسب وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في حكومة الشرعية فإن الكثير من المهمات أوكلت إلى الأطفال المجندين لدى مليشيا الحوثي، مثل: القتال المباشر ونقل الإمدادات، وزرع الألغام، وجمع المعلومات، وإعداد الطعام ونقله للمقاتلين، وحراسة القيادات الحوثية؛ بالإضافة إلى مهمات التصوير للإعلام الحربي التابع للجماعة، وقتل خلال العام 2021 13 طفلاً من المصورين تتراوح أعمارهم بين 14 و17 سنة.

فريق الخبراء الدوليين المعني باليمن (انتهت ولايته في تشرين الأول 2021) قال في تقريره لعام 2020، إنه وجد في أحد المخيمات أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم السابعة، يتعلمون تنظيف الأسلحة، وتفادي الصواريخ، وأضاف “استخدم الحوثيون الأطفال لجلب الإمدادات للمقاتلين وبعضهم اشترك في الأعمال القتالية”.

حرب وقودها أبناء الفقراء
أغلقت الأبواب في وجوه الفقراء، وفتحت لهم أبواب الجبهات؛ وجدت الأسر الفقيرة نفسها بين خيارين: التهديد بمنع المساعدات الغذائية والموت جوعاً، أو دفع المال والمساعدات مقابل تجنيد أبنائها. تقرير فريق الخبراء لعام 2020 وثّق “9 حالات قدم فيها الحوثيون أو منعوا مساعدات إنسانية إلى عائلات، فقط على أساس ما إذا كان أطفالها يشاركون في القتال أم لا”.

وورد في تقرير وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان (2020) أن “جماعة الحوثي تستغل المساعدات الإنسانية لإجبار الأسر الفقيرة على الدفع بأطفالها للقتال في صفوفهم”.

“الفقر السبب الأول والرئيسي لانخراط الأطفال كجنود في صفوف الجماعات المسلحة ” يؤكد أستاذ علم الاجتماع المساعد في جامعة تعز الدكتور ياسر الصلوي ويضيف: “مع تدني المرتبات وأجور المعيشة في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة الشرعية ،وفقدانها في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، ومع اتساع دائرة الفقر وتحول غالبية اليمنيين إلى فقراء، في ظل هذه الظروف لا شك في أن حاجة الأسر والأطفال للحصول على الأموال التي تساعدهم على العيش والإيفاء بالحد الأدنى من متطلبات الحياة تدفع أسر هؤلاء الأطفال مكرهة إلى التجنيد”.

“اليوم تصل نسبة الفقر في المجتمع اليمني إلى 80 في المئة” يعقّب الصلوي: “الأمية هي سبب رئيسي آخر في انخراط الأطفال مع الجماعات المسلحة سواء كانت أمية الأسرة أو الأطفال أنفسهم، الأمية تؤدي إلى انخفاض مستوى الوعي لدى الأسر والأطفال، وفي إدراك المخاطر الناجمة عن التجنيد، فكلما تدنى مستوى الوعي بسبب الأمية، كان ذلك مدعى إلى عدم إدراك الأسر للمخاطر التي تترتب على تجنيد أطفالهم.

ونبّه إلى أن الأطفال الذين يعيشون في أسر مفككة، ويفتقدون للأسرة التي تحتويهم وتحتضنهم، وتلبي احتياجاتهم، وتوفر لهم متطلبات العيش الكريم، يصبحون ضائعين ومشتتين ما يسهّل على الجماعات استقطابهم وإشراكهم في الأعمال القتالية”.






معسكرات غسيل الأدمغة، من التحشيد إلى الجبهة
قبل سنوات سئل طفل أسير: لماذا أتيت للقتال في مأرب؟ أجاب: جئت أقاتل إسرائيل.

في معسكرات الحشد والتدريب؛ يردد الحوثيون على مسامع الصغار صبحاً ومساء: “لستم صغاراً، بل أنتم رجال شجعان، تقاتلون أعداء الله، وأميركا وإسرائيل، والدواعش، والعدوان السعودي”.

في بث مباشر لقناة المسيرة التابعة لجماعة الحوثي أثناء تشييع أحد قتلاهم ظهر طفل يبدو في السابعة من عمره، يحمل سلاحاً على كتفه، كان يردد مقولة الإمام الشيعي علي بن الحسين(زين العابدين) “أبالموت تهددني يا ابن الطلقاء، إن الموت لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة”!

وفي مقطع فيديو آخر يظهر أطفال داخل أحد الفصول الدراسية، يقف في مقدمة الصف اثنان يرتديان زياً موحداً يرددان (قسم الولاية) ويلوحان بقبضتيهما، يكملان جملة “هيهات منا الذلة”، ثم يقف كل التلاميذ في الخلف، يلوحون بقبضات أيديهم مرددين معهما شعار (الصرخة).

عملية غسيل الأدمغة وتفخيخ عقول الصغار تبدأ من المدرسة، من المناهج الدراسية التي عمدت الجماعة على تغييرها بما يتوافق مع أهدافها ومشاريعها الطائفية، ومن المساجد، ثم المعسكرات الصيفية التي يبدأ منها إعداد المقاتلين الصغار.

تملك جماعة الحوثي 11 معسكراً رئيسياً في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرتها، يتم فيها حشد المقاتلين من الأطفال وتدريبهم؛ منها مراكز استقبال وتدريب، وتنظيم دورات ثقافية عقائدية وقتالية، ومراكز مهمتها توزيعهم على الجبهات؛ وأخرى للمقاتلين الاحتياط ويتم توزيعهم منها حسب الطلب واحتياج الجبهات لمقاتلين.

المراكز هي عبارة عن مدارس، وملاعب رياضية، وجامعات، ومزارع ومحميات طبيعية وبعضها مؤسسات عسكرية كالفرقة الأولى- مدرع في صنعاء.

من المهم ذكر أن بعض هذه المعسكرات تستخدم أيضاً مخازن أسلحة ومراكز لجمع المعلومات.

رصد تقرير لوزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان (أساليب جماعة الحوثي في تجنيد النساء والأطفال خلال الفترة من 1 كانون الثاني 2021 إلى حزيران 2021، 80 مركزاً صيفياً في المدن الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي (مدارس ومراكز ومؤسسات دينية وطائفية) منها 22 مركزاً صيفياً في صنعاء.

ووثق التقرير قيام الحوثيين باستغلال المساعدات الإنسانية، كما يقدمون إغراءات مالية، إلى منح علامات عالية في الثانوية للطلاب بدون حاجتهم إلى دخولهم قاعات الاختبارات (بحسب توجيهات رئيس اللجان الثورية محمد علي الحوثي).

كما يتم التحشيد عبر وسائل الإعلام، علماً بأن هناك أكثر من 20 إذاعة محلية تخاطب الأسر والمراهقين.

ووفقا للتقرير فقد منح الحوثيون رتباً عسكرية لـ155 طفلاً، خلال النصف الأول من 2021 (2 رتبة عقيد، و10 رتبة مقدم، و11 طفلاً منحوا رتبة رائد، و24 غيرهم رتبة نقيب، و48 طفلاً حصلوا على رتبة ملازم أول، و120 طفلاً رتبة ملازم ثانٍ، و39 رتبة مساعد).

وأضاف: “تجنيد مليشيا الحوثي عشرات الآلاف من الأطفال للقتال تحت عناوين تحرير القدس، والدفاع عن الوطن من الغزو الأميركي- الإسرائيلي- البريطاني، وأيضا القتال بنزعات طائفية ومذهبية وعنصرية”.

وأشار إلى عدد من المؤسسات التي تقوم بتجنيدهم منها وزارات، ومؤسسات وجمعيات خيرية و مصلحة شؤون القبائل؛ متهماً الحوثيين باستخدام المخدرات، وتوزيعها على الطلاب حتى يدمنون عليها.

على الرغم من التزام الحوثيين وتوقيعهم خطة مع الأمم المتحدة في نيسان الماضي، بتخليص صفوفهم من آلاف الجنود الأطفال، وإنهاء ومنع تجنيدهم؛ إلا أنهم استمروا وبشكل كبير في تجنيد وحشد الأطفال إلى الجبهات (خصوصا جبهة مأرب).

وكالة “أسوشييتد برس” أكدت الأمر في تقرير نشر في حزيران قالت فيه، “لايزال المتمردون الحوثيون في اليمن يجندون الأطفال في صفوفهم العسكرية للقتال في الحرب الأهلية الطاحنة في البلاد، على الرغم من الاتفاق مع الأمم المتحدة في أبريل لوقف هذه الممارسات”.

وأضافت: “قال مسؤولان حوثيان للوكالة إن المتمردين جندوا مئات من الأطفال، بينهم من لا تتجاوز أعمارهم 10 سنوات خلال الشهرين الماضيين. وقال المسؤولان، وهما من المتشددين داخل حركة الحوثي أن لا خطأ في تجنيد الصغار بحجة أن الأولاد من 10 إلى 12 يعتبرون رجالاً. هؤلاء ليسوا أطفالاً، (إنهم رجال حقيقيون يجب أن يدافعوا عن أمتهم ضد العدوان السعودي الأميركي وأن يدافعوا عن الأمة الإسلامية)”.

تجدر الإشارة إلى أن جماعة الحوثي لا تزال على اللائحة السوداء للدول والجماعات المنتهكة لحقوق الأطفال.

يقول الدكتور الصلوي، إن الدورات الثقافية واحدة من الأدوات الناعمة، عملية غسيل أدمغة تستخدمها هذه الجماعات بغرض استبعاد القيم التي تربى عليها الطفل واستبدالها بغرس قيم جديدة تتناسب مع توجهات هذه الجماعة، وعقائدها، وأهدافها. هذه الجماعات لديها أفكارها وثقافتها وقيمها الخاصة وتريد تنشئة الأطفال بما يتناسب مع طبيعتها ومصالحها وتوجهاتها الثقافية والسياسية.

لماذا هذه الفئة العمرية؟
يجيب الصلوي: “لأن الأطفال في هذه السن يكونون غير محصنين فكرياً وثقافياً، وغير قادرين على تحليل الأفكار التي يتم تلقينهم بها، وبالتالي يسهل إقناعهم والسيطرة عليهم، فيسلمون بهذه الأفكار ويعتقدون بصحتها، ومن ثم يعودون من معسكرات التدريب وقد تغيرت كثير من الأفكار لديهم، وهم على قناعة بالأفكار الجديدة، ويحاولون نقل هذه الثقافة إلى الأسرة والمجتمع وبالتالي تتسع دائرة تأثير هذه الجماعات”.

ويردف، “جميع الجماعات المسلحة العقائدية تستخدم هذا الأسلوب وينطبق هذا على الحوثيين أو غيرهم حتى من الجماعات السلفية”، وتابع: الجماعات الدينية تحرص على نشر ثقافتها وتوجهاتها وقيمها عبر هؤلاء الشباب؛ ورأينا عبر التاريخ اليمني هذه الجماعات تحاول السيطرة إما عبر معسكرات التدريب والدورات الثقافية أو حتى عبر المناهج التعليمية”.

فقراء للدفاع عن حدود السعودية
تم استقطاب وإغراء أبناء الفقراء من عدد من المحافظات اليمنية ومنها تعز وقراها إلى البقع في محافظة صعدة قرب الحدود السعودية، عبر جنود وضباط محسوبين على الجيش.

هذا ما أفاد به مصدر عسكري في مدينة تعز (طلب عدم ذكر اسمه): “تجنيد الأطفال من تعز لحماية الحدود السعودية في البقع ليس عملاً منظماً، وليس توجه الحكومة والمؤسسة العسكرية، لكنه تم عبر بعض قيادات وجنود الجيش في تعز الذين قبضوا ثمن كل مراهق تم تجنيده”، يقول المصدر، واصفاً إيّاهم بـ”السماسرة”.

هناك أطفال ومراهقون نقلوا إلى البقع بخديعة (أُوهموا بوجود فرص عمل مدني في السعودية ومنفذ حر) غير أنهم وجدوا أنفسهم جنوداً مقاتلين في البقع دون إرادتهم.

حتى إن بعض الجثث دفنت هناك، وما زالت بعض الأسر تبحث عن أبنائها المفقودين.

فريق الخبراء الدوليين في تقريره لعام 2020، وجه اتهامات لحكومة الشرعية بتجنيد الأطفال وأشار إلى قيام قوات الأمن الخاصة في شبوة بتجنيد الأطفال، واستخدامهم للأعمال القتالية في أبين بين أيار وحزيران 2020، غير أن حكومة الشرعية نفت تلك الاتهامات.

الفريق قال إنه تحقق من حالات تجنيد الفتيان من قبل ألوية ووحدات بزعم انخراط بعض من أعضائها مع التحالف/ والحكومة من محافظتي لحج وتعز ثم ينقلون إلى السعودية للتدريب.

فتى في الخامسة عشرة، يتيم الأب، اختفى عام 2018 في مدينة تعز لمدة أسبوعين، ظلت أمه خلالهما تبحث عنه في كل مكان، وتسأل أصدقاءه لكنها لم تجد له أثراً.

بعد أسبوعين من اختفائه اتصل بها “آسف يا أمي ذهبت دون أن أخبرك، أنا في البقع وسأعود قريباً”. مرت أسابيع ثقيلة عليها تنتظره، إلا أنه لم يعد.

كان الوقت منتصف الليل والناس نيام ،وهدوء يلف المدينة إلا من أصوات الكلاب، استيقظ سكان الحي على صراخ إمرأة، وعويل نساء.

جاءها اتصال من البقع: “عظم الله أجرك يا خالة إبنك قتل!”.

يشار الى أن الأمم المتحدة أزالت في هذا العام اسم القوات المسلحة اليمنية التابعة لحكومة الشرعية من قائمة الأطراف الضالعة في انتهاكات جسيمة بحق الأطفال في حالات النزاع المسلح.


قتل واغتصاب وعاهات دائمة وصدمات نفسية
يتعرض الأطفال المجندون لمخاطر نفسية وبدنية كبيرة في الجبهات، وفي مراكز التدريب والتحشيد، منها الاغتصاب، والقتل والضرب. وقد وثق فريق الخبراء الدوليين حالة أرتكب فيها عنف جنسي ضد طفل خضع لتدريب عسكري من قبل جماعة الحوثي.

وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان أكدت في تقرير لها تعرض الأطفال المجندين لمخاطر كبيرة، منها القتل، والاغتصاب والتحرش الجنسي، والإصابة بعاهات دائمة، والتطرف الديني والمذهبي؛ إضافة إلى الصدمات النفسية.

يحذر عمر بامير وهو مختص إكلينيكي في مركز الدعم النفسي والاجتماعي في الشحر وأستاذ مشارك علم النفس الطبي بكلية الطب جامعة حضرموت: “تجربة الطفل المجند صادمة وتؤثر على نفسيته بقدر الصدمة وشدتها ومدتها وتأثيرها عليه، فقدان الطفل لاحتياجاته الضرورية والأمن الأسري، ودفعه للمشاركة في الأعمال القتالية يؤدي إلى تدهور حالته النفسية، وإصابته بنوبات هلع، كما تظهر عليه علامات القلق، واضطرابات النوم والتشتت، وعدم قدرته على التركيز، وحالات الحزن والبكاء؛ والنزعة العدوانية؛ والعنف الجنسي واحد من أكثر انتهاكات حقوق الأطفال مؤثرة في نفسيته”.

ويعرب الطبيب عن خشيته من غياب الخدمات والمراكز التخصصية في معالجة اضطرابات مابعد الصدمة، حيث سيفاقم هذا من معاناة الأطفال، وسيظل الخطر والخوف من وصمة المجتمع ومن التهميش قائمين، ومخاطر الانتقام، والتهديد والابتزاز، إلى جانب فقدان الثقة بالذات، والشعور بالنقص والوساوس الجنسية القهرية.

ويشدد بامير على ضرورة التأهيل النفسي والدعم الأسري والمجتمعي للأطفال حتى يعودون للاندماج في بيئاتهم ومجتمعاتهم الآمنة.

ينبه أستاذ علم الاجتماع المساعد في جامعة تعز ياسر الصلوي من ان “ظاهرة التجنيد خطيرة على الأسرة وعلى المجتمع بصورة عامة ، كون هذه الفئة من المجتمع(الأطفال) يزج بها في معسكرات التجنيد ودفعها للاشتراك في أعمال قتالية في سن غير مهيّئين فيها لأن يكونوا فئة مقاتلة، في هذا السن ليس لديهم قدرات نفسية ولا قدرات بدنية أو عقلية تساعدهم للقيام بمثل هذه المهام وخوض معارك وبالتالي هو يجبر على القيام بمهام هو غير مؤهل لخوضها”.

يردف: “مسألة التجنيد وخوض الأعمال القتالية مسائل تتعلق بكون الشخص قد تجاوز فئة عمرية محددة وأصبح مهيأ بدنيا ،ولديه استعداد نفسي لتلقى تدريبات ، كل هذه الشروط لاتنطبق على الأطفال وبالتالي مخاطر التجنيد كبيرة تدفع الأسرة أولا ثمنها”، محذراً من “الارتدادات التي قد يتعرضون لها أثناء التجنيد واشتراكهم في الأعمال القتالية من ضغوط نفسية ومواقف خطيرة تؤثر عليهم وستلازمهم بقية سنوات عمرهم”.

يواصل: “الأطفال هم ثمار الأسر والزج بهم في التجنيد يعني حرمان أسرهم من أبنائها ومستقبلهم في إعالة هذه الأسر،خصوصاً إذا كان الطفل هو وحيد الأسرة التي تعول عليه في أن يكون عائلها وسندها”.

يحرم الأطفال من حقهم في التعليم وحقهم في الحياة وبالتالي حرمان المجتمع من أن يصبح هؤلاء الأطفال أعضاء فاعلين فيه ،أضف إلى ذلك ما يخلفه التجنيد من تعرض الأطفال للموت وفقدان الأسر أطفالها يخلف مآسي كبيرة، وقد يتعرض الأطفال للإعاقة وإصابات، ومن ثم عودتهم إلى أسرهم بإصابات وبإعاقات، ويصبحون أعضاء غير فاعلين، تتحمل الأسرة كلفة رعايتهم والاهتمام بهم لفترات طويلة كانوا في غنى عنهم لولا هذا التوجه وهذا المسار .






العائدون إلى الديار
عن آلية تسليم الأطفال الأسرى لذويهم يتحدث أمين المشولي قائلاً: “نحن نراعي مصالح الطفل الفضلى، وعملا بالاتفاقيات المصادقة عليها اليمن تم منح صلاحيات لكل المحاور العسكرية، بسرعة تسليم الأطفال إلى الصليب الأحمر الدولي الذي بدوره يقوم بتسليم الأطفال إلى ذويهم”.

تحدث المشولي عن الجهود التي بذلتها الحكومة لتنفيذ مبادئ باريس لإنهاء تجنيد الأطفال التي صادقت عليها اليمن عام 2013 وبموجبه تم التوقيع على خطة عمل مشتركة مع الأمم المتحدة في 2014، وشكلت لجنة فنية مشتركة للإشراف على تنفيذ الخطة المشتركة وخارطة الطريق التي صادقت عليها الحكومة في 2018، حيث نفذت حملات ميدانية في إطار برنامج النزول الميداني إلى المناطق والمحاور العسكرية للتحقق من خلوها من أي حالات تجنيد أطفال برئاسة وزير الشؤون القانونية وحقوق الإنسان أحمد عرمان للفترة من 7 أيار إلى 26 أيار 2022.

بحسب المشولي نُفّذ 434 نشاط توعوي، استهدف المناطق العسكرية والأمنية، وزّعت وثائق بروشورات توعوية، توعية لمنع تجنيد الأطفال في مؤسستي الجيش والأمن؛ وضمان عدم تعرض من أسروا لأي انتهاكاتٍ في فترة التحفظ عليهم، ووزعت في الحملات الميدانية وثيقة إعلان المدارس الآمنة.

وفيما يخص التأهيل النفسي قال: تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية بالتعاون والتنسيق مع مركز الملك سلمان واليونيسيف بتنفيذ برامج تأهيل نفسي واجتماعي.

وزاد “كثير من الأطفال الذين أفرج عنهم عادوا إلى الجبهات مرة أخرى؛ فكان لابد من إعادة تأهيلهم لضمان عدم عودتهم إلى الجبهات؛ لهذا قامت الحكومة بالتنسيق مع مركز الملك سلمان بفتح مركز لإعادة تأهيل الأطفال المجندين والأطفال المتأثرين بالنزاع”

مشيراً إلى أن هناك تنسيق مع عدد من الجهات ذات العلاقة من أجل إنشاء مركز لمدينة عدن والمحافظات المجاورة، لإعادة تأهيل الأطفال المجندين، وتطويرالمراكز الحالية في مأرب بما يلبي الاحتياجات ويحقق السياسات التأهيلية المكتملة للأطفال المجندين .


ضحايا الإعلام
دون مراعاة كونهم ضحايا، وفي مخالفة لمبادئ وأخلاقيات العمل الصحفي وحقوق الأطفال تنتهك بعض وسائل الإعلام حقوق الأطفال المجندين(الأسرى) وتعرضهم للخطر وتدمير مستقبلهم بإجراء مقابلات معهم وعرض صورهم وكشف هوياتهم، وهذا ينطبق على وسائل إعلام حكومة الشرعية، خصوصاً الإعلام الحربي.

يظهر إعلامي تابع للقوات المسلحة لحكومة الشرعية بزي عسكري ونظارة سوداء يجرى مقابلة مع أطفال وقعوا أسرى بيد قوات الشرعية؛ يسألهم عن أسمائهم بالكامل، وعن مدنهم، وعدد إخوتهم، بالإضافة إلى أن الأسئلة كانت خالية من التعاطف تجاه طفل هو بالأساس ضحية يحتاج للدعم النفسي وألا تكشف هويته وصورته.

كمثال لهذه الانتهاكات:احد ضحايا التجنيد وقع أسيراً بيد قوات الشرعية؛ يبدو هادئاً، غير أن حركة يديه تظهر قلقه واضطرابه ،هو أكبر إخوته يتيم الأب، تلميذ في المرحلة الإعدادية.

يسأله الإعلامي: منذ متى تقاتل مع الحوثيين؟ منذ شهرين (يجيب الطفل )

لماذا أتيت للقتال معهم؟ للجهاد

تجاهد ضد من؟ يرد: الأمريكان

الطفل بدا متماسكاً، لكن حين سأله: هل تفتقد إلى أمك؟ انهار الطفل بالبكاء!

استمر المذيع في طرح أسئلته والطفل مطأطئ رأسه يبكي، ثم أراد طمأنته واضعاً يده على كتفيه قائلا له: “نحن إخوتك لاتخف ياحبيبي” غير أن تلك الكلمات وتلك اليد التي ربتت على كتفي طفل كأنه في جلسة تحقيق لم تشعره بالأمان.

بُرر ذلك بنية الإعلامي الحسنة فهو أراد من خلال تلك المقابلات أن يكشف للعالم جرائم جماعة الحوثي بحق الأطفال، وأراد إيصال رسالة للأسر ألا تدفع بأطفالها إلى محرقة الحوثي.

كثير من الصحفيين اليمنيين ووسائل الإعلام ينقصهم التدريب حول أخلاقيات العمل الصحفي وكيفية التعامل مع قضايا الأطفال.

“صدرت تعليمات من الحكومة للجهات المختصة بمراعاة هذا الأمر، وضرورة الالتزام بالاتفاقيات الدولية التي تحظر نشر وتصوير الأطفال الذين يتم القبض عليهم في المعارك، وتعمل الوزارة على مراقبة ومتابعة تنفيذ ذلك” يوضح أمين المشولي. ويضيف: “تعمل الوزارة حاليا على إعداد مشروع قرار من مجلس الوزراء لكل الجهات ذات العلاقة بمنع نشر صور وأسماء الأطفال باعتبار أن الطفل ضحية وليس مجرم أمام القانون”.

تقول الناشطة الحقوقية هدى الصراري : “تصوير الأطفال ضحايا التجنيد خطأ قد يعرضهم للانتقام والملاحقة ويعرض أسرهم أيضاً للمساءلة من قبل السلطات التي اقترفت انتهاك التجنيد؛ وقد أكدنا مخالفة بعض التقارير الحقوقية لجهات محلية إن نشر صور الأطفال أو ذكر الأسماء ونشر مقاطع الفيديو يعرضهم لمخاطر جمّة، بالإضافة إلى أن ذلك يعد مخالفة لمبادئ الرصد والتوثيق والعمل الحقوقي، فلا يؤخذ رأي الطفل أثناء المقابلة لأنه تحت السن القانونية، وإنما يتم اخذ الموافقة من والديه أو الوصي عليه؛ ومع ذلك لا ينبغي نشر الاسم أو الصور أو مقاطع”.

اترك رد إلغاء الرد