إيزابيل إبرهاردت الهائمة ارتدت ثياب الرجال

روايتها “الآفاق” سبر جواني لأعماق الذات من خلال شخصية مناضل فوضوي تطابقت حياته مع ما عايشته في عمرها القصير



إيزابيل إبرهاردت الهائمة التي ارتدت ثياب الرجال وغرقت بصحراء الجزائر
روايتها “الآفاق” سبر جواني لأعماق الذات من خلال شخصية مناضل فوضوي تطابقت حياته مع ما عايشته في عمرها القصير

إبراهيم العريس باحث وكاتب الاثنين 31 تشرين الأول 2022 13:13


كانت تهمة إيزابيل إبرهاردت الحقيقية اختلاطها بالسكان المحليين ودفاعها عن قضاياهم ووجودهم وحريتهم (ويكيبيديا)

منذ زمن بعيد لم تعد إيزابيل إبرهاردت في حاجة إلى أن تُعرَّف، بل حتى كثير من ألغاز حياتها الغريبة والتي انتهت بها غريقة في الصحراء الجزائرية لم يعد ألغازاً، ولم تعد التساؤلات من حولها تثير الفضول. فمنذ كتبت عنها الفرنسية إدموند شارل رو كتاباً في جزأين ضخمين، وكشفت الأميركية لسلي بلانش عن أن من أدخلها عالم الإسلام كان النهضوي المصري اليهودي يعقوب صنوع الذي التقته في باريس، ومنذ أصدرت المصرية الأصل إجلال هارارا سيرتها ونتفاً من كتاباتها، باتت إيزابيل جزءاً من الحركات النسائية في العالم مع أنها عاشت كل ما عاشته خلال 27 عاماً كانت كل حياتها. فقط كانت إيزابيل لا تزال في حاجة إلى أن يعترف بها ككاتبة بعيداً من غرابة حياتها وكونها ظاهرة.

ولعل الفيلم الذي حققه الفرنسيون عنها قبل ثلث قرن حسم الأمر وعاملها كما تعامل المبدعات الكبيرات، ثم أتى دور الموسوعات الأدبية التي تبنتها بنسب متفاوتة، مركزة ليس على كتاباتها الوجدانية المتغنية بالإسلام والصوفية، بل على قصص وروايات لها كان يتم تجاهلها قبلاً ولا سيما منها روايتها الأجمل، وربما الأكثر ذاتية “الآفاق” التي كانت قد عنونتها أول الأمر “على حافة الهاوية” لتنشرها مسلسلة في جريدة “الأخبار” الجزائرية عام 1903 ثم تتحول كتاباً عام 1922، من دون أن يتنبه أحد أول الأمر أنها رواية أقرب إلى أن تكون سيرة ذاتية لإيزابيل نفسها مع أن الشخصية المحورية فيها بطل لا بطلة، ويحمل اسم ديمتري لكنه في عين صفرا الجزائرية سيتعرف إلى جندي مسلم يدعى محمود، وهو الاسم الذكوري الذي أطلقته إيزابيل على نفسها. وديمتري كإيزابيل روسي الأصل. وإلى حد كبير تتشابه حياة ديمتري وأفكاره وفوضويته وشغفه بالإسلام كلياً مع ما كان قد مضى من حياة كاتبة “سيرته”. وكأن الكاتبة سجلت عبر ديمتري جوانيتها الروحية كما سنرى بعد سطور.

في عالم العربية

منذ بداياتها كانت إيزابيل متمردة. وكيف لا تكون كذلك وهي المولودة لأم روسية من أصل ألماني، تركت زوجها الجنرال موردر، وذهبت لتعيش في نابولي ثم في جنيف مع الأطفال الثلاثة الذين أنجبتهم من الجنرال، قبل أن تنجب إيزابيل من راهب روسي ترك سلك الرهبنة وأغرم بها؟ وسيقال لاحقاً إن والد إيزابيل الحقيقي هو الشاعر غيوم أبولينير، لكن هذا الأمر لن يتأكد أبداً. ولدت إيزابيل عام 1877 طفلة غير شرعية فمنحت اسم أمها إبرهاردت. وعاشت طفولة وصبا متقلبين وسط الأجواء البوهيمية التي كانت أمها منخرطة فيها، في عالم المهاجرين الروس في جنيف.

وفي عام 1896 زارت إيزابيل باريس، حيث التقت يعقوب صنوع (المعروف باسم “أبونضارة”) رائد المسرح المصري الذي كان منفياً هناك. طلبت إيزابيل من صنوع أن يعلمها اللغة العربية، فأدخلها عالم العربية كما أدخلها عالم الفن وأطلعها على الإسلام، وعلى كل ما يمت إلى الشرق بصلة، فكان الأمر بالنسبة إليها كشفاً غير كل حياتها. فعلى ضوء محادثاتها الطويلة مع “أبونضارة”، قررت إيزابيل أن تجعل لحياتها هدفاً هو الوصول إلى الشرق وإلى عالمه والانخراط في سحره.

انفتاح على الحياة

كانت إيزابيل بلا حياة، وها هي ذي الحياة تنفتح أمامها. كانت بلا هوية، وها هي ذي تعثر على هوية. وزاد من عزيمتها أنها تعرفت إلى بحار يجوب المياه في موانئ الجزائر. وعلى ذلك النحو اكتملت الدائرة، خصوصاً أن أم إيزابيل بدورها كانت سئمت حياتها. وهكذا ما إن فاتحتها الفتاة بفكرة الهجرة إلى الجزائر حتى وافقتها بحماس وتوجهت الاثنتان للإقامة في بونة، لكن الأم سرعان ما ماتت في عام 1897، لتجد الفتاة نفسها وحيدة وحرة. فماذا تفعل بحريتها؟ بكل بساطة اعتنقت الإسلام، إثر مشروع زواج فاشل من شاب تونسي، ثم علاقة سريعة مع موظف في السفارة التركية. وقررت أن تعيش بقية حياتها مشردة هائمة على سجيتها في الصحاري الشاسعة، تكتب وتكتب كما يحلو لها. وهي كي تتمكن من ذلك ارتدت ثياب الرجال. غير أن مشروعها في مرحلته الأولى سرعان ما فشل، فوجدت نفسها تعود إلى فرنسا، حيث أقامت لفترة في باريس تختلط بالأوساط الفنية، وتتعرف إلى رائدات تحرر المرأة اللاتي صنعن منها مثالاً. غير أن تلك الحياة لم ترق لها، وراحت تنتظر أن تسنح لها فرصة العودة إلى هناك، إلى العالم الذي تحب.

وجاءتها الفرصة على شكل مركيزة (زوجة مركيز، وهو نبيل ذو رتبة وراثية عالية في مختلف الأقران الأوروبيين) كان زوجها قتل عند الحدود الجزائرية – الليبية، وتسعى بكل ما تملك للعثور على قتلته. هذه المركيزة طلبت من إيزابيل أن تذهب للبحث عنهم، وأعطتها مبلغاً من المال مكن مغامرتنا من التوجه إلى هناك. ومن جديد ارتدت ثياب الرجال وأطلقت على نفسها اسم سي محمود السعدي، واستعادت رحلاتها الطويلة مشياً على الأقدام أو على ظهر حصان، متنقلة من بلدة إلى بلدة ومن كثب إلى كثب، غير حاملة إلا أوراقاً تخط عليها كل ما يعن على بالها من خواطر وأفكار وحكايات.

وذات يوم في عمق الصحراء في “الوادي” التقت الشاب الذي سيصبح نصفها الآخر وشريك عمرها وشاهد موتها: سليمان إهني، الضابط في فرقة الخيالة (السباهي). كان كل شيء يبدو إذاً على ما يرام، وأحست إيزابيل بالسعادة للمرة الأولى في حياتها. غير أن المجتمع كان لها بالمرصاد: كيف يمكن لشابة مثلها أن تدخن مثل الرجال في المقاهي؟ كيف يمكن لها أن تعيش على سجيتها مع ضابط شاب؟ كانت هذه الأسئلة -التهم التي جابه مجتمع الفرنسيين في الجزائر إيزابيل بها، لكن تهمتها الحقيقية كانت اختلاطها بالسكان المحليين ودفاعها عن قضاياهم ووجودهم وحريتهم. كانت تهمتها تبنيها التام لإيمان الجزائريين وحياتهم وتطلعاتهم. ومن هنا كانت تلك المحاكمة الغريبة التي تلت محاولة قتلها عام 1901 حيث حوكمت الضحية بدلاً من أن يحاكم القاتل، وانتهى الأمر بنفيها إلى مرسيليا التي أعادها منها سليمان وقد أضحت زوجته.

في عالم الصحافة

وهنا يبدأ فصل جديد من حياتها، عندما تهدأ بعض الشيء عن الدوران كمتشردة، خصوصاً بعد أن تتعرف إلى صحافي يدعى باروكان كان يستعد لإصدار صحيفة “الأخبار” كمنبر للتعبير عن تطلعات السكان المحليين ضمن إطار الحكم الفرنسي. وكان ذلك قبل أن تتعرف إلى ليوتي، الذي فهم أن بإمكانه أن يستخدمها بعد أن تأكد من أنها لا يمكن أن تكون عميلة للألمان.


صارت إيزابيل إذاً صحافية في “الأخبار” وكاتبة لحسابها في الوقت نفسه. وعلى هذا الأساس راحت تتجول بين منطقة وأخرى، تكتب وتكتب، قصصاً وحكايات وتحقيقات صحافية، لكن تلك المرأة الغريبة الصادقة مع نفسها في الأقل، لم تنظر إلى الجزائر نظرة استشراقية، ولم تكتب لتصف لقراء الفرنسية حياة الحريم، وخفايا القصور وجمال المحظيات ومطابخ أعيان القوم، بل كتبت “عن الناس البسطاء، عن قابلة قانونية، عن جمال، عن مرابط، عن غاسلة للموتى، أو عن أصحاب القوافل وعمالها”.

الذات بشكل موارب

فإذا كانت إيزابيل التي وجدوها ميتة غرقا تحت أنقاض بيتها الطيني المنهار بفعل الفيضان، قالت عن نفسها في صفحة من يومياتها: “بدوية أنا، وسأبقى بدوية حياتي كلها، عاشقة للآفاقالمتبدلة، للأبعاد التي لم تكتشف بعد، لأن كل سفر، حتى في المناطق المرتادة أكثر من غيرها والمعروفة، هو اكتشاف جديد لها” فإن إدموند شارل – رو عرفت كيف تنطلق من هذه الفكرة لتجعل من إيزابيل بطلة رومانسية من نوع نادر. ولعل الكاتبة الفرنسية كانت تسير في هذا على خطى إيزابيل نفسها في كتابة روايتها عن ديمتري/محمود “الآفاق”. طبعاً لا يمكننا القول هنا إن ثمة تطابقاً تاماً بين سيرة “ديمتري” وسيرة إيزابيل، لكن يمكننا الحديث عن تطابق داخلي. فالشخصية التي تقص علينا الكاتبة الشابة سيرتها، فوضوي روسي عرفت حياته المسار نفسه الذي وسم حياتها هي لكنه يبدو أكثر منها غرقاً في نزعته الفوضوية التي تتحول لديه في نهاية الأمر، وحين يرافق الفيلق الأجنبي في جيش الاحتلال الفرنسي ويتعرف هناك إلى الضابط محمود، إلى تلك النزعة الصوفية نفسها والوله بالشعب المحلي وتبني مواقف معادية للاستعمار وما إلى ذلك، ما يتطابق تماماً مع أفكار إيزابيل خلال تلك المرحلة بحيث يبدو هنا وكأنه الأنا/الآخر للكاتبة، وتبدو هي وكأنها تكتب سيرتها الفكرية بشكل موارب.

/انديبندنت العربية /

اترك رد إلغاء الرد