أبوظبي: تؤكد انتقال ثقافتنا من الاستهلاك للإنتاج

حالة من الحيوية اللافتة أحدثها «مركز أبوظبي للغة العربية» في المشهد الثقافي العربي، نظراً لتعدد المشروعات والمبادرات التي تنطوي تحت مظلته، مثل مشروع «كلمة» للترجمة الذي يعد أحد المشروعات المهمة في الانفتاح على الآخر.
يقف وراء تلك الرؤية الدكتور علي بن تميم، رئيس المركز الذي لا تخلو جعبته من طموحات وأحلام لا تنتهي. يعزز ذلك أنه أكاديمي متخصص في النقد الأدبي، وله آراء وأفكار تتسم بالرصانة والانفتاح على الجديد. هنا حوار معه حول إنجازات المركز، ورأيه في التحديات التي تواجه ترجمة ثقافتنا إلى اللغات الأجنبية، وملاحظاته على الخطاب الثقافي العربي.


بعد مضي أكثر من عامين على انطلاق «مركز أبوظبي للغة العربية»، ما الذي تحقق؟ وما الذي يحمله المستقبل ضمن استراتيجية المركز؟
– نعتز كثيراً بالإنجازات التي حققها «مركز أبوظبي للغة العربية»، فعلى الرغم من تأسيسه منذ عامين تقريباً، نجحنا في وضع ركائز للمضي نحو تحقيق أهداف استراتيجيتنا الرامية إلى تعزيز مكانة اللغة العربية بين لغات العالم، والنهوض بها علمياً وثقافياً وتعليمياً، وقيادة جهود البحث والتطوير اللغوي، ودعم المواهب العربية في مختلف تجليات اللغة العربية، بوصفها لغة علم وفنون وآداب وحضارة. نجحنا في إثارة الاهتمام نحو ضرورة الانشغال العملي بواقع ومستقبل اللغة العربية. المركز مظلة تنضوي تحتها مشروعات مهمة، منها مشروع «كلمة» للترجمة الذي غذى المكتبة العربية حتى الآن بنحو 1200 كتاب مترجم في 10 حقول معرفية عن 22 لغة، بالتعاون مع أكثر من 200 دار نشر عالمية. ويدير قاعدة ترجمة تضم أكثر من 750 مترجماً في 22 لغة. وكذلك «جائزة الشيخ زايد للكتاب» التي تأسست عام 2006، وهي الآن في مقدمة الجوائز العالمية، إضافة لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي صار أحد أبرز الأحداث على أجندة معارض الكتاب العالمية. وأطلق المركز مشروعه المهم «دليل المعاني» الرقمي، الهادف إلىمشروعه المهم «دليل المعاني» الرقمي، الهادف إلى دعم المحتوى العربي على شبكة الإنترنت، وتأسيس مرجعٍ رقمي متكامل للناطقين وغير الناطقين باللغة العربية.
الإنجازات كثيرة في الحقيقة؛ لكن أحب أن أشير من بينها إلى موسوعة «عيون الشعر العربي» التي تعد الأولى من نوعها القائمة على منهج المختارات التي يعدها أدباء وباحثون ومبدعون كبار، لإعادة ربط الأجيال بالشعر العربي منذ أقدم عصوره وحتى العصر الحديث.
كيف تفسر تراجع الاهتمام باللغة على المستوى العربي، سواء في وسائل الإعلام أو بالتهافت على اللغات الأجنبية؟
– يجب أن نكون واقعيين في نظرتنا لمسألة تراجع الاهتمام باللغة العربية التي لها كثير من الأسباب التي يتحتم علينا معالجتها. ولعل أهمها أن التطور العلمي والثورة الصناعية الرابعة التي أثرت بشكل عميق جداً في كافة مناحي الحياة كانت أدواتها وعناصرها بلغة غير اللغة العربية، لذا كان التوجه الكبير نحو اللغات الأخرى لتطوير الدول وتحقيق التنمية، حتى من المجتمعات العربية. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في آليات تعليم وتعلم اللغة العربية، ومدها بأساليب مبتكرة تُقلل من الانطباع السائد بأن اللغة العربية لغة صعبة أو جامدة، ولنقس على ذلك وضع تصورات وآليات شاملة لتعزيز مكانة اللغة العربية في جميع جوانب حياتنا، لتعود كما كانت لغة العلم والمعرفة والثقافة الأولى.
هذا جزء من مهمة عملنا التي نضطلع بمسؤوليتها في «مركز أبوظبي للغة العربية»، تنفيذاً لتوجيهات قيادة دولة الإمارات التي تؤمن بأن اللغة العربية مقوم أصيل من مقومات الهوية والحضارة العربية، وتبذل جهوداً ضخمة، وتطلق مبادرات كبرى، في سبيل تعزيز حضورها. ومن أبرز جهودنا في هذا الصدد مشروع «مؤشر اللغة العربية» الذي ندير من خلاله دراسات مسحية وبحثية دورية منضبطة إحصائياً، لتقييم الانطباعات العامة عن اللغة العربية في مجالات المعرفة والثقافة والإبداع، ومدى استخدامها في الوسائط الرقمية من قبل الناطقين بها وبغيرها. وقد أُعلنت منذ فترة قصيرة نتائج الدراسة التي استغرقت سنة انتهت بنهاية حزيران الماضي، وهي دراسات تفيد نتائجها كافة المؤسسات المعنية باللغة العربية، كما أننا نستخدمها في تطوير مبادراتنا الاستراتيجية الموجهة للناطقين ولغير الناطقين بالعربية، ومن بينها برنامج «نتكلم العربية» الذي أطلقناه مطلع العام الجاري، بهدف توفير مواد رقمية لتعليم اللغة العربية المبسّطة لغير الناطقين بها.يقوم المركز بعمل ترجمات من اللغات الأجنبية إلى العربية، فمتى نرى ترجمات عكسية من العربية إلى اللغات الأجنبية، حتى يكون الفكر والإبداع العربيان متاحين لدى الآخر؟
– يمكننا إنفاق الملايين على الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى، ولكن هل يغير ذلك من حقيقة أننا منذ عقود طويلة لم نعد ننتج ما يجعل الآخر متلهفاً على تحويله إلى لغته، باعتباره مدخلات علمية مهمة لا تستقيم من دونها عمليات التنمية والتقدم والنمو الحضاري؟ هذا لا ينفي أهمية ترجمة النماذج الفارقة من الإبداع العربي الفكري والأدبي والعلمي إلى لغات العالم، وبذل الجهد في انتقاء ما يسهم في تطوير وتصحيح الصورة الاستشراقية عن الثقافة العربية، ولكن تبقى كلها جهوداً واجبة تحتاج إلى من يرعاها وينفق عليها، ولن تتحول الترجمة من العربية إلى لغات الآخر إلى عمل يخضع لمنطق العرض والطلب إلا عندما تنتقل الثقافة العربية من خانة الاستهلاك إلى خانة الإنتاج، والأمل في ذلك معقود على الدول التي تخوض بجد وجدارة غمار العلم الحديث، وتسعى لتجسير الفجوة التكنولوجية والفكرية بيننا وبين الآخر.
ونحن من جانبنا نبذل جهداً في هذا الصدد، من خلال ما نترجمه في «مركز أبوظبي للغة العربية» من كتب عربية إلى اللغات الأخرى، للتعريف بثقافتنا وإبداعاتنا. وقد ترجمنا عدة كتب إلى الإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، والإسبانية، والإيطالية، والروسية، والصينية، والهندية، والأوردية، والفلبينية، في حقول مختلفة، منها كتب للأطفال وكتب من الأدب المعاصر. لك نظرات عميقة فيما تسميه «ضيق الأفق» الذي يسارع إلى تحريم كل ما يتصل بالموسيقى والفنون؛ بل لعبة الشطرنج! كيف ترى المعركة بين الاستنارة و«ذهنية التحريم» في الثقافة العربية حالياً؟
– عند قراءة ما يحدث في المجتمعات على خلفية ذهنية التحريم والرغبة في التضييق على الناس باسم الدين، أو بلفظ أدق: باستغلال الدين، علينا التفرقة بين ثلاث فئات على الأقل، تضم الأولى هؤلاء المستفيدين من إشاعة ثقافة التحريم من تجار الدين الذين لا يتورعون عن لَي عنق الحقيقة واجتزاء النصوص، للوصول إلى مبتغاهم وترسيخ أفكارهم المسمومة في العقول. والفئة الثانية تضم عوام الناس الذين -نتيجة لتعطل عمل العقل الناقد وتأثير استخدام الدين على عواطفهم- باتوا مادة طيعة لكلّ أفاك ومزور. والفئة الثالثة التي تقع على عاتقها مهمة كشف المستغلين وإيضاح الأمور للمستهدفين. وهو جهد يشترط فيه لكي ينجح ويؤتي ثماره أن تمتلك القيادات الوعي والاستنارة اللازمين لإشاعة الفكر الصحيح، لتتحول أدوات المجتمع ومؤسساته وأفراده إلى جنود. وأقرب النماذج لذلك ما أشاعته قيادة الإمارات في أوصال المجتمع من وعي لمواجهة الإرهاب، فصار الجميع جنوداً في معركة هزيمة خطاب الإرهاب واجتثاثه من جذوره، بقوة الوعي والأمل والتسامح.
_ هل يقف المثقف العربي وحيداً بعد أن خذله الجميع في معركته لنقد التراث، كما رأينا من أمثلة في الفترة الأخيرة، وصلت إلى تهديدات بالقتل من تنظيمات إرهابية؟
– مما يؤسف له أن كثيراً من المثقفين العرب يجنحون خلال سعيهم ضد حركات الإرهاب الفكري، إلى خطاب يقترب في منطقه من منطق من نحاربهم، ربما بدافع من الحماس، أو بتأثير شهوة الانتشار وإثارة الجدل. أو لاعتقادهم بمنطق الصدمة. لا أقصد أشخاصاً محددين، ولكن مثل هذه التصرفات المثيرة التي تفوح منها أحياناً روائح الغضب والكراهية والعداء، تمنح الخصوم فرصة الظهور وعرقلة عملية التواصل الهادئ مع المجتمع، وهي الحالة اللازمة لبناء العقل الناقد، ومنح الناس فرصة للفهم وتطوير الرؤى. علينا أن نلتزم بالخطاب الهادئ العقلاني المنفتح؛ لأننا نملك الكثير مما يمكن تقديمه إذا أجدنا أساليب التقديم.ترى أن قيم المواطنة والاعتراف بالآخر وحماية الأقليات لها جذور في التراث العربي، كيف ذلك؟
– بلا أدنى شك، هل ينكر أحد أن التراث العربي بمعناه الحضاري الواسع، وبما يضمه من إبداعات فكرية وعلمية ونماذج تفكير بعضها غير مسبوق في العالم، قد عرف قيم المواطنة، والاعتراف بالآخر وحماية الأقليات وحقوق الإنسان؛ بل الحيوان والنبات وثروات البيئة؟ هل ينكر أحد أن المواطنة كانت حقاً لكل المختلفين في العقيدة في المجتمع العربي، من يهود ومسيحيين وزرادشتيين ومجوس، وغيرهم؟ هذا هو بعينه الخلط الذي يسعى إرهابيو الفكر إلى ترسيخ وجوده، والاكتفاء بما يروجونه باعتباره الدين.
نحن في حاجة ماسة إلى إضاءة ذخائر التراث العربي في الأدب والعلم والفلسفة والدراسات الثقافية والإنسانية، حاجتنا إلى محاربة محاولات تزييفه وقصره على ما يحقق أغراضهم وأفكارهم المشوهة.
_ أخيراً، ما ملاحظاتك -سلباً وإيجاباً- على المشهد الروائي العربي، باعتبارك أستاذاً في النقد الأدبي؟
– الرواية العربية تتقدم على صعيد المحتوى والشكل؛ ليس فقط بالاستفادة من تجارب الغرب، ولكن بعودة واعية إلى الجذور في التراث العربي، وما تضمنه من أطروحات سابقة لعصرها، وهو اتجاه أسس له روائيون قديرون منذ عقود؛ لكن -وكما هي البدايات- لم تخلُ محاولاتهم من وضوح التعمد، ولكن بفضل جهودهم هذه وبفضل حركات الإضاءة على ذخائر التراث، بات جزءاً طبيعياً في الحركة الروائية العربية، بمعنى أنه بات جزءاً من وعي الأجيال الأحدث. وفي رأيي أن منظومة الجوائز العربية، وفي مقدمتها الجائزة الدولية للرواية العربية (البوكر) كان لها إسهامها الواضح في هذا الأمر.

/الشرق الأوسط /

اترك رد إلغاء الرد