بهاء طاهر روائي الحيرة الوجودية

رحل عن 87 سنة و6 روايات أحدثت انعطافة في الحركة السردية العربية


تخسر الرواية المصرية، برحيل بهاء طاهر، أمس، عن عمر يناهز السبع والثمانين سنة، روائياً رائداً ومجدداً وثائراً، رفض الظلم ووقف في وجه القمع والفساد، من دون أن يبالي بمكاسب أو خسائر.

عاصر الراحل أنظمة سياسية عدة تعاقبت على مصر، فكان مولده في 13 كانون الثاني عام 1935 خلال الحقبة الملكية، التي شهدت حراكاً سياسياً، إذ كانت مصر في طريقها آنذاك الى الاستقلال عن الاحتلال البريطاني. وقد تزامن شبابه وصباه مع قيام ثورة 23 تموز عام 1952، وكان طاهر من المؤيدين للثورة والمؤمنين بها. ورغم رفضه الدعاية لها، وانتقاده استبداد السلطة، وتأثره الشديد بنكسة 1967، ظل على احترامه للرئيس جمال عبد الناصر، في كل مرحلة من مراحل حياته. واستطاع عبر عمله في إذاعة “البرنامج الثاني”، أن يلعب دوراً مهماً على الصعيد الثقافي، فقدم الكثير من الكتابات الجادة والكتاب الجدد. واستمر رغم تغير الأنظمة على موقفه الرافض لقمع الحريات، مما عرضه للتنكيل خلال عهد الرئيس السادات، فاضطر الى الابتعاد عن مصر والتنقل بين أفريقيا وآسيا، حتى استقر به المقام في سويسرا، التي عمل في عاصمتها جنيف، مترجماً لدى المقر الأوروبي للأمم المتحدة، في الفترة من عام 1981 وحتى عام 1995، وعاد بعدها أخرى إلى مصر.

الروائي الثائر



ينتمي بهاء طاهر إلى جيل الستينيات، الذي أحدث ثورة في الكتابة الأدبية، عبر اعتماده أساليب جديدة وغير تقليدية للسرد، وتخليه عن فكرة البطل النموذج والشخوص النمطية، التي تمثل إما خيراً خالصاً أو شراً مطلقاً. فأصبحت شخوصه أكثر إنسانية وواقعية وصدقاً، عبر ما تحتويه من تناقض ونوازع رديئة وأخرى طيبة، كما اتسمت بالديناميكية والتحول، فباتت اشد أثراً. وبدا كل ذلك في المنجز الأدبي لبهاء طاهر، الذي لم يتجاوز ستة نصوص روائية هي، “شرق النخيل”، و”قالت ضحى”، و”نقطة النور”، و”خالتي صفية والدير”، و”الحب في المنفى”، و”واحة الغروب”، وخمس مجموعات قصصية هي “الخطوبة”، و”بالأمس حلمت بك”، و”أنا الملك جئت”، و”ذهبت إلى شلال”، و”لم أعرف أن الطواويس تطير”، إضافة إلى بعض الكتابات المسرحية والإسهامات النقدية. لكنه استطاع عبر أعماله هذه، أن يصنع من التميز ما حقق له شهرة واسعة، عززتها مواقفه النضالية المتحيزة دائماً للحرية والعدالة. وهذه المكانة التي تبوأها طاهر في قلوب أجيال من الكتاب والقراء، جعلت من رحيله صدمة مؤثرة.
يقول الكاتب المصري إبراهيم عبد المجيد عن بهاء طاهر، “عرفت بهاء قبل مجيئي من الأسكندرية إلى القاهرة من خلال إذاعة “البرنامج الثاني”، التي كان يخرج فيها، مسرحيات إذاعية، ويقدم برنامجاً يذاع كل ثلاثاء، يقرأ عبره ما يتلقاه من كتابات الأدباء”. ويضيف، “أرسلت له مقالاً مترجماً فقام بإذاعته، ومن خلال متابعتي له عرفت بعض الأدباء مثل محمد المنسي قنديل، وبعد فترة من الوقت أصبحت أشارك ببعض القصص، التي يتم تسجيلها للإذاعة نفسها، وكان هو، مع مجموعة من الكتاب الكبار مثل ممدوح حمدي وشوقي فهيم، يستقبلونني بحفاوة. وكنت أتقاضى عن القصة الواحدة 10 جنيهات، وكانت مبلغاً كبيراً آنذاك، وكان ذلك فرصة لمزيد من التقارب بيننا ومزيد من اللقاءات”.

ويعلق عبد المجيد على إبداع بهاء طاهر قائلاً، “عندما بدأت بقراءة قصصه، عرفت أهمية الأيجاز، لا سيما في تقديم الشخصيات، وضرورة الاعتناء ببناء النص فنيا، فلا يكون مجرد حكي. لذا بعدما توطدت علاقتنا، قمت وبعض الكتاب في الاسكندرية باستضافته أكثر من مرة في قصر الحرية، لمناقشة أعمالنا. واعتدت لقاءه في مقهى عمر الخيام في الزمالك. ولمست فيه إيمانه بضروة دعم الكتاب بعضهم بعضا، لا عرقلتهم أومهاجمتهم، وهذا هو السر الذي جعله يحظى بمحبة الجميع، وجعل كل الطرق تؤدي إلى حبه”.

وعن بهاء طاهر الثائر يؤكد عبد المجيد دوره في جماعة “أدباء من أجل التغيير” قبل ثورة يناير 2011، ومشاركته في العديد من التظاهرات، منها تلك التي تلت محرقة بني سويف، وقبل ذلك الكثير من المواقف الأخرى التي دفع ثمنها، وأدت به للابتعاد عن وطنه سنوات طويلة.

الداعم للشباب

وتحكي الكاتبة المصرية هالة البدري عن بهاء طاهر إنسانا قائلةً، “جمعني بالكاتب الراحل اهتمامه بعملي منذ بدأت بالنشر، ومتابعته لكل ما أكتب، وصداقة كانت عونا لي على المستوى الإنساني”.

وتسرد واقعة ذكرتها في روايتها “طي الألم”: “حين كان يعيش بهاء طاهر في جنيف، تلقيت دعوة من شاتو دي لافيني، وهو بيت للكتاب في سويسرا، يدعو الكتاب من كل أنحاء العالم، لقضاء وقت للتفرغ للكتابة. وحين وصلت إلى مطار جنيف، وكنت وقتها في بداية الأربعينيات من عمري، أي بالنسبة له مجرد كاتبة شابة، فوجئت به في استقبالي، ومعه مجموعة من الأصدقاء المصريين الذين كانوا يعيشون في جنيف، ومنهم جميل عطية إبراهيم ومحمد مستجير وفوزية أسعد وغيرهم”. وتؤكد البدري أن بهاء طاهر، رغم مكانته الأدبية المرموقة، كان يحرص على حضور ندوات الشباب، ويشارك في مناقشتهم ويدعمهم، ولم ينحز يوماً لعمل ردئ بدافع المجاملة، بل على العكس كان ينحاز للأعمال الجيدة، ويعلن انحيازه لها. وكانت أفعاله دوما انعكاسا لمبادئه.

وتكمل “كان بهاء طاهر أول من نبّه من خلال أعماله، لا سيما رواية “الحب في المنفى”، إلى خطورة جماعات الإسلام السياسي في أوروبا، وأهدافها في الاستيلاء على السلطة”. وترجع أسباب وصفه لنفسه في بداية الرواية بأنه حزين، لما كانت تمر به مصر في ذلك الوقت من ظروف صعبة. أما عن طاهر مترجماً فتقول، ” ترجم بهاء طاهر رواية “الخيميائي” لباولو كويلو، وحققت ترجمته انتشاراً في العالم العربي، واللافت بحد وصفها أن بهاء طاهر قد تعلم اللغة ذاتياً، حتى بلغ مستوى بارعاً في الترجمة، أهّله للعمل في الأمم المتحدة”.

البعيد عن الضوضاء

تقول الكاتبة الجزائرية ربيعة جلطي، “لابد أنني التقيت بهاء طاهر في إحدى الندوات الثقافية، سواء في القاهرة أو في عاصمة عربية، لكنني لا أذكر جلسة نقاش أو ندوة مشتركة. لكنني عندما قرأت مؤلفاته أعجبت كثيرا بعوالمه الإبداعية، ثم بطريقة ابتعاده عن البهرجة والضجيج الإعلامين .إنه من فصيلة الكتاب الكبار الذين يكتبون بحرية وتفرد”.

أما الكاتب المغربي جمال بن سعيدي فقال معلقاً على رحيل الكاتب الكبير، “بموت بهاء طاهر نفقد ركيزة من اهم ركائز الرواية العربية، فكتاباته في مجال القصة والرواية، تحمل تلك الفرادة المميزة، التي نلمسها في عالمه الروائي الثري و الشديد الخصوصية”. وأضاف “اعتقد أن حياة طويلة تنتظر ذلك الإرث الأدبي العظيم، الذي تركه لنا أديبنا الكبير .و سيفقد كل من اقترب من الراحل أوصادقه، تلك الروح الطيبة الجميلة وذلك الصفاء الإنساني النادر، الذي عرف به بين الجميع”.

الجائزة الكبرى

حاز بهاء طاهر جوائز عديدة خلال مسيرته الطويلة، ومنها جائزة الدولة التقديرية فى الآداب، وجائزة غوزيبى أكيربى الإيطالية عن روايته “خالتى صفية والدير”، وجائزة “آلزياتور” الإيطالية عن روايته “الحب فى المنفى”، إضافة إلى الجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” عن روايته الأخيرة “واحة الغروب”. ورغم كل هذه الجوائز كان طاهر يرى إن النجاح الحقيقي يكمن في رواج اعمال الكاتب لدى القراء، ولا يحققه له سوى حرص هؤلاء على قراءة اعماله. الجوائز لا تصنع قيمة لكاتب لم تصنعها له أعماله. وربما كانت الجائزة الكبرى التي فاز بها بهاء طاهر هي المحبة التي ترسخت له في القلوب. نشر الكاتب الإماراتي ورئيس اتحاد الكتاب الإماراتيين سلطان العميمي في “فيسبوك”، “رحيلك مر يا أستاذ بهاء طاهر، صدى روحك الدافئة ما زال في الذاكرة” .

أما الكاتب المغربي هشام ميتشبال فكتب على صفحته، “قال لي بهاء طاهر ذات يوم إن روايته الجميلة “قالت ضحى” كانت بحجم رواية “السلم والحرب”، ثم قام بحذف صفحات كثيرة جداً لتستقر في حجمها الصغير، ربما هي أجمل رواياته. وإن كنت أيضاً أحب روايتيه؛ “نقطة النور” و”خالتي صفية والدير”. أتذكر اني كنت أحدثه بشغف عن “نقطة النور”، بينما يكتفي هو بالقول، صحيح؟ مستغرباً ومتفاجئاً كأنه كاتب مبتدئ. أتذكر أنه حكى لي عن رفض كثير من النقاد لها. فأدب بهاء طاهر شديد الإنسانية والعمق، لغته عذبة، شديدة الخصوصية، حواراته عميقة مكثفة. يخوض في منطقة اللايقين، الحيرة الأبدية التي ترافق الإنسان في بحثه عن الذات. وعلى الرغم من أن معظم رواياته تنتهي بالموت، إلا أنه يجعل الحب منقذا للروح”. وأضاف: “عاش بهاء محبا للناس، للأدب، للشعر، وللأجيال الجديدة من الكتاب… لذلك كان أدبه عذبا، يخاطب كل القراء”.

واستعاد الكاتب مصطفى عبد الله عبر “فيسبوك”، الدور المجتمعي الذي لعبه بهاء طاهر عبر تأسيسه جائزة مبدعي الصعيد، التي مازالت تحمل اسمه وتبرعه بالأرض، التي ورثها عن أهله في مسقط رأسه بالأقصر، ليتحقق حلمه إبان حياته ويضيء قصر ثقافة الأقصر أنواره.

أما الناقد المغربي محمد مشبال فذكر أن بداية معرفته ببهاء طاهر كانت من خلال سيد البحراوي، الذي كان معجباً به، وأشار إلى أعجاب الناقد الراحل محمد أنقار بلغة بهاء طاهر الروائية، حد أنه خصص لروايته “نقطة النور” كتابا يمكن تصنيفه في حقل بلاغة الرواية. وقال مشبال: “آخر لقاء لي به كان في ملتقى الرواية السادس في القاهرة 2015، عندما فاز بجائزة هذه الدورة. كان إنسانا رقيقا، وكريما، سأفتقده في القاهرة”.

ونشر الكاتب المصري أحمد الخميسي في موقعه على “فيسبوك”، “فقدنا الناي الصافي الأخير في الأدب . بهاء طاهر محبة أينما كنت. وأينما كنت تبقى في القلب”.

/انديبندنت العربية /

اترك رد إلغاء الرد