مزيد إضافي من خطابات المآسي في الرابطة الثقافيّة

“أوقفوا قوارب الموت”: والعلاج ب “الصبر”!

/نوال حبشي نجا _الرائد نيوز /


أطلق المركز اللبناني للعدالة والبحث يوم أمس الثلاثاء ٢٥ تشرين الأول في الرابطة الثقافية بطرابلس، مبادرة بعنوان: “الحد من الهجرة غير النظامية عبر قوارب الموت”.

الأبّ الفاقد
سأبدأ حيث انتهت الندوة مع شهادة حيّة ل “هشام مثلج” والد شاب فقيد منذ أشهر في قارب الموت. يتساءل هذا الأب المفجوع عن مصير ابنه التائه غير المعروف أين هو فلم يعثر عليه لا حيًّا ولا ميتًا، لا في البحر ولا على اليابسة!
يقولون له أنّه من الناجين، وآخرون ينفون وجوده.
وقد تمنى بكل أدب وعزة نفس وبحرقة الأب الفاقد لابنه، من سماحة المفتي والنقابين والنواب والموجودين معرفة مصير ابنه”.
هذا الشعور، هذا الضياع الفكري والنفسي بين موجود ومفقود كم يلزمه من العلاج النفسي، والترميم الفكري المعنوي؟

في قاعة المؤتمرات احتشد الحضور من مختلف فئات المجتمع الطرابلسي، (سماحة المفتي الشيخ محمد إمام، والنواب د. رامي فنج، طه ناجي، جميل عبود، والنواب السابقين مصباح الأحدب ود. علي درويش، نقيبة المحامين ماري تيريز القوال، ومجموعة من النقابين ورؤوساء الجمعيات، …) ووسائل الإعلام المحليّة والعربيّة، اجتمعوا كلّهم للحديث عن المأساة بعدما حدث الذي حدث، فالناس هُجرت والأوراح أُزهقت والجُثث طافت واختنق البحر من غرغرات الغارقين.

هل بات الإبحار سبيل لخلاص الشعب!
مركب تلو المركب يبحرون من شواطئ طرابلس محملين بعشرات الأشخاص، يمخرون المياه المالحة، مستسلمين لقضاء الله وقدره غير آبهين بمخاطر الغرق والموت، فهناك من زين لهم بلاد الغرب على أنّها جنات وحدائق تنعم بالمال والأمان، كلّ هذه المسرحية تُنسج على اليابسة وتُحاك الأحلام بخيوط أوهن من بيت العنكبوت لتمزق عند أول مشهد وهو “المطب” مما يعني نقطة الانطلاق الأولى من الشاطئ عبر زورق صغير إلى سفينة “التايتنك” كما يُروى للمهاجر التي ستقلّه إلى بلاد الأحلام، فالمواطن اللبناني من شدّة يأسه اختار الاغتراب في الصقيع هربًا من جحيم الوطن.

هذه المجازفة بالأرواح وهذا الاغتراب بالانسلاخ عن الوطن، الأم والأهل والأحباب ليس مجانيًا ولا بالرقم السهل بل هي آلالاف الدولارات تكلفة نقل الشخص الواحد، وما نلاحظه هو هجرة العائلات بأكملها بعشرات الأعداد بعدما باعوا جميع ممتلكاتهم من ذهب وأثاث منزل وسيارة وغيره، لدفع ضريبة الانتقال لبلاد الاغتراب ويتمّ بعدها تقديمهم قرابين لأسماك القرش.

مقابل ماذا يُدفع مئات آلاف الدولارات ولصالح من؟
التاجر بالبشر أو المهرب أو تاجر الدم إن صح القول لأن المهرب هو شخص يقوم بنقل الناس من منطقة إلى أخرى خلسةً، أمّا تاجر البشر أو تاجر الدم هو من يُرغم القبطان على قيادة المركب تحت تهديد السلاح بقتل أطفاله وعائلته إن لم يُبحر رغم معرفته بأنّ المركب غير صالح للإبحار ولن يتجاوز بضعة أميال والموت غرقًا وخنقًا للرجال والنساء والأطفال هو مصيرهم المحتم…. لا محالة! إلاّ من كتب الله له معجزة بعمر جديد ليروي التفاصيل المأساوية من بداية الفكرة حتى مفاصلة الرقم، وصولًا لركوب الشاحنات مكدسين فوق بعضهم البعض على اليابسة كالأغنام للانتقال إلى زورق صيد صغير (المطب) ينقلهم على دفعات إلى “قارب الموت” الذي يتسع لقاربة ٦٠ فردًا فيُزج فيه ١٨٠شخصًا…! بعد دفع جزية (السكة) ليتغاضوا عنه وتُطفىء الرادارات ويقطع المياه الإقليمية.


عن دور خفر السواحل في ضبط عمليات التهريب سأل “رائد الخطيب”، فأُجيب: “بأنّها تبذل كلّ جهودها وتعمل بكل الطاقات المتوفرة لديها، وإمكانياتهم محدودة”.

ونوّهت النقيبة قوّال:” عن دور نقابة المحامين بتشكيل لجنة من المحامين الذين تولوا الدفاع عن أهل الضحايا” .

المفتي “إمام” دعا: “الناس للصبر على البلاء والتريث قبل الإقبال على الهجرة بحرًا ، وأن يحافظوا على كرامتهم وعدم إراقة ماء وجههم في أراضي الاغتراب”.


ليعيشوا “كالحيوانات” في الغابات أو في سجون ومخيمات على أطراف القرى كما تحدث نقيب المحررين ورئيس تحرير سفير الشمال “غسان ريفي” ناقلاً عن أحد الناجين الذي روى له : “يرموننا قبالة شاطئ اليونان بعشرات الأميال مع كرتونة تذوب في الماء بعد ١٥ دقيقة كي لا يكون هناك أي أثر “.
فسأله : “ما الذي أودى بك للسفر بحرًا”
فأجابه: ” أنا حائز على ٢ ماجيستر ولا وظيفة لدي ما زلت أتقاضى مصروفي من والدي، فأفضل الموت على هكذا موقف، إما أن أصل وأجد فرصة أو أموت أفضل لي من البقاء، عالة على والدي. “

بدأت فعاليات معالجة الهجرة عبر” قوارب الموت” بالأمس القريب في الرابطة الثقافية بطرابلس، بهمّة ودعوة د. “عائشة يكن” ونتمنى أن لا تبقى عبارة عن حوارات وخطابات لاتُسمن ولا تُغني من جوع، ضمن جدران الرابطة بل نريد حلول جذرية وحلول عمليّة، ونتائج توعوية إيجابية الصدى في المجتمع.

أيٍها المهاجرون:
“اسمعوا وعوا،
أنتم لستم أكثر من حفنة دولارات بالنسبة للمهرب وتاجر الدم، لا يأبه لمخاطرتكم، مخاوفكم، قلقكم، آثار الصدمة والخبر على ذويكم، ولا لأنين أمهاتكم الثكالى ولا يدرك معنى طفل لطيم، يتيم…”

أرواحنا عزيزة فلنحافظ على أغلى ما نملك.

اترك ردإلغاء الرد