“الهيبة” هل لاقى المسلسل رواجًا شعبيًا؟

بعد ست سنوات من النجاح الدرامي التلفزيوني ختمت الأجزاء الخمسة من سلسلة الهيبة، بفيلم سينمائي بدأ عرضه قبل أيام في عواصم عربية عدة وفي كندا وأستراليا، حيث إن بعض الجاليات العربية تابعته درامياً على الشاشات التلفزيونية. وكانت هذه “الملحمة” قد انطلقت شرارتها من داخل شركة “صباح إخوان” في عام 2017 التي أوكلت إلى الكاتب السوري هوزان عكو كتابة مسلسل “الهيبة” الذي يندرج ضمن الأعمال السورية- اللبنانية المشتركة، وأسندت البطولة لبعض النجوم مثل تيم حسن ومنى واصف ورفيق علي أحمد ونادين نسيب نجيم ومجموعة من الممثلين في سوريا ولبنان، أما الإخراج فتولاه المخرج السوري سامر البرقاوي.

وفي ذلك الوقت ومع عرض المسلسل في موسم رمضان أثارت أحداثه بلبلة كبيرة بسبب اعتماد شخصيات العمل النطق باللهجة اللبنانية البقاعية، ما أدى إلى امتعاض أهالي البقاع الذين سجلوا اعتراضهم على مسار الأحداث، وتحديداً بعد أن تم التركيز على تهريب المخدرات وكل الممنوعات عبر الحدود المجهولة جغرافياً. وفي هذا السياق أقيمت دعوى قضائية ضد هذا العمل، لكن الشركة المنتجة وتفادياً لتفاقم الأمور القانونية وضعت في نهاية “الجنريك” تنويهاً، مضمونه أن أحداث “الهيبة” وموقعها الجغرافي من وحي خيال الكاتب ولا علاقة لها بالواقع. وعلى الرغم من كل هذه الضوضاء فقد حقق المسلسل نجاحاً كبيراً في لبنان والعالم العربي، وتعلق الجمهور بشخصية “جبل شيخ الجبل” المهرب الوسيم والجذاب وبأهله وأقاربه، وشكل دوره حالة شعبية مميزة ومؤثرة.

أمام هذا التفاعل ارتأى المنتج صادق صباح مع المخرج سامر البرقاوي وفريق العمل تقديم جزء ثان منه، وكان بعنوان “الهيبة- العودة”. وهذا الجزء لم يرق لكثيرين لأن المؤلف عاد بالسياق الدرامي للقصة إلى ما قبل بدء الخط الدرامي للجزء الأول ودخول شخصيات جديدة، إنما مع المحافظة على مواقع التصوير التي تعلق بها المشاهدون وتحديداً منزل عائلة “جبل شيخ الجبل” وساحة قرية “الهيبة”. وعلى الرغم من ظهور بعض التحفظات على هذا الجزء، قرر المنتج تقديم جزء ثالث بعنوان “الهيبة الحصاد” وكان مليئاً بالحب والغرام إلى جانب الأكشن، ثم تلاه الجزء الرابع، الذي حمل عنوان “الهيبة- الرد” فتبدلت الوجوه وغاب البعض منها، ولكن بقيت أجواء “الهيبة” مسيطرة. وفي عام 2021 عرض الجزء الخامس من المسلسل، وحمل اسم “الهيبة –جبل”، وقد أعلن في وقتها أنه الجزء الأخير مع عدم ختم سيرة عائلة “شيخ الجبل” إلا بفيلم سينمائي، هذا الفيلم الذي استمر تصويره أشهراً بين تركيا ولبنان، فهل حققت شركة الإنتاج مرادها عبر الاستفادة من نجاح المسلسل؟

القرية والمشاهدون

للوهلة الأولى يتخيل المشاهد أن الفيلم تدور أحداثه في قرية “الهيبة” التي انطبعت مواقعها في أذهانه، لكن المفاجأة أن القرية غابت كل معالمها وتفاصيلها من الفيلم، علماً ومن المنطق أن يتم تصوير بعض المشاهد في القرية الوهمية، لكن اللغة السينمائية كانت تختصرها العين في المسلسلات، بينما هنا ركز المخرج على حوار “أم جبل”، الممثلة الكبيرة منى واصف التي دلت على المكان بالكلام، وهذا ضعف في الإخراج لأن المقابر التي تجمع فيها أهل “الهيبة” لنبش قبر قاتل “سلطان شيخ الجبل” لم تظهر في أجزاء المسلسل الخمسة. وهنا نتساءل، لماذا تم نبش قبر “ناظم العالي” الذي توفي في الجزء الثاني، وقرر البرقاوي مع ورشة الكتاب الذين يعملون تحت إدارته، أن يعيدوه إلى الحياة ليكون محور الفيلم؟ هذه نقطة غير مفهومة. والسؤال الذي يطرح نفسه: ألم يكن بإمكان القائمين على العمل البحث عن فكرة ثانية بعيدة عن إحياء الموتى؟ على الرغم من أنهم حاولوا تبريرها بمشاهد “بلاي باك” تنفي موت “ناظم العالي” الذي أدى دوره رفيق علي أحمد باحترافيته العالية والمعهودة، خلال تجسيده أدواره الشهيرة. ومع ذلك بدت الأحداث مستهجنة.

تبدأ أحداث الفيلم عندما يكتشف أهل “الهيبة” من وسائل الإعلام أن قاتل “أبو جبل شيخ الجبل” حي يرزق ويعيش في بلغاريا وأمام هذا الحدث الجلل تطلب “أم جبل” (منى واصف) من ابنها ضرورة استقدام “الختيار” (رفيق علي أحمد) إلى الهيبة لقتله بين ناسه، حرصاً على هيبته. ومن هنا تبدأ رحلة استعادة القاتل من بلغاريا عبر تركيا، من خلال الهجرة غير الشرعية عبر الحدود التركية البلغارية، وقد أضاء المخرج على معاناة هؤلاء المهاجرين من قساوة المغامرة وتعنيف رجال الشرطة إلى الميليشيات التي تنتشر على الحدود. وربما هذه التفصيلة هي الأبرز في الفيلم التي تجاوزها البطل الخارق “جبل شيخ الجبل” عبر معارك “دونكوشوتية” نفذت بأسلوب تقني محترف، ضمن إنتاج سخي، وفر كل المستلزمات لتبدو الصورة محترفة، وتغطي على ضعف السيناريو السينمائي الذي يصيب غير هواة هذا النوع بالملل.

وفي الختام يتم القبض على “ناظم العالي” ويقتل بمسدس “أم جبل” بلقطة مؤثرة وتمثيل ممتع لمنى واصف ورفيق علي أحمد. اللافت أن السيناريو قد فصل على مقاس تيم حسن ونافسه سعيد سرحان المتميز بأدائه، أما الباقون فكانوا ضيوف شرف وكومبارس صامت، وتحديداً أهل الهيبة الذين اعتاد المشاهدون أن يتفاعلوا معهم في قهوة “أبو أحمد” في الساحة العامة في البلدة. حتى زينة مكي التي قدمت دورها بإتقان من خلال مشاهد قليلة، كانت بدورها ضيفة شرف. أما وجود “أبو طلال” (محمد عقيل)، في تركيا فلم يكن مبرراً درامياً واتضح أن عدداً من مشاهده التي جمعته مع “جبل”، للتخطيط للسفر إلى تركيا وجلب القاتل قد حذفت ومعها 50 دقيقة من الفيلم وهذا التصرف أصاب الخط الدرامي بالخلل.

 لا شك أن الصورة التي قدمها سامر البرقاوي بالتعاون مع مدير التصوير، كانت جميلة ومفعمة بالحياة، فهو استعمل أحدث التقنيات العالية الجودة بتوفير من شركة الإنتاج. وبدورها أضفت الإضاءة على المشاهد أجواء عكست عمق الصورة والحوارات وتنقلات الممثلين.

الفيلم مدته ساعتان و10 دقائق بعد الحذف وهذه المدة طويلة نوعاً ما لأن الأحداث لا تحتمل كل هذا الوقت، واختصار نصف ساعة أو أكثر من الفيلم لن يؤثر على مجرى قصته. أما مواقع التصوير التي اختارها المخرج سامر البرقاوي في إسطنبول، فأضفت جواً مليئاً بالمتعة البصرية. ولفتت مشاركة ممثلين أتراك، ومنهم كينان كوبان الذي لعب دوراً أساسياً في الأكشن. إضافة إلى ملكة جمال أذربيجان “نتاليا سوكولفكايا”، ورنا كابار زعيم عصابة تجارة البشر، فهما أعطيا بعداً جغرافياً مقنعاً للفيلم الذي تدور حكايته في تركيا.

 إذاً “الهيبة الفيلم” يعتبر فيلماً جماهيرياً يتكئ بنجاحه على نجاح الأجزاء الخمسة من المسلسل، ويبقى شباك التذاكر هو الحكم في تقييم التجربة، إذا كانت ستقود إلى تجارب أخرى أم تقف هنا؟

/ INDEPENDENT /

اترك رد إلغاء الرد