تخيلوا فيلسوفا عربيا يتحدث عن اللباس والجسد!..

ها هو
ناصيف نصار يتجول مع عشتار بين العري والكرامة واقتناء الثياب والشعارات النسوية والإنجاب والدين

يعتبر نصار أن “كرامة الجسد من كرامة الشخص”

تخيلوا فيلسوفاً عربياً يتحدث عن اللباس والجسد. كثيرون يستبعدون هذا، وإذا ما قبلوه ربما يضحكون وربما يخافون، إذ يتخيلون شخصاً قديماً من عصر سابق يتكلم بلغة جافة ويقدم نظريات عن اللباس والجسد لا تنتمي إلى زماننا وعالمنا.

لكن ناصيف نصار في كتابه الجديد يحاول الانقلاب على ذلك، فنصار أحد أبرز المشتغلين في الفلسفة منذ خمسة عقود، يدرك أن الفلسفة عربياً في واد، و”الحياة اليومية” والإنسان – القارئ في واد آخر. ولهذا السبب يحاول تقليص المسافة بين الواديين وترميم العلاقة بين الفلسفة، و”الحياة اليومية” والإنسان – القارئ.



من هنا اختار اللباس والجسد كي يكونا عنصر جذب للإنسان – القارئ، ومساحة مفتوحة لاختبار “الفسلفة وقدراتها على قول شيء جوهري لا يقوله أي طراز آخر من التفكير… في ثقافة الإنسان وتاريخه” (الصفحة 20).

لا يقل أهمية عن هذه الخطوة الجريئة، أن نصار لا يقصر مهمته على اختيار العنوان الجاذب ثم يتناوله بالأساليب والمنهجيات التقليدية المعتمدة في الكتابات الفلسفية والأكاديمية، بل كأنه يدرك أن مهمة ترميم العلاقة بين الفلسفة والإنسان – القارئ و”الحياة اليومية”، تستوجب اعتماد أساليب أكثر مرونة وجاذبية وراهنية.

وقد اختار من أجل إنتاج نص ينتسب إلى “الفلسفة البسيطة” (38) الاستعانة بأسلوب القصة والحوار. فهذا الأسلوب، إضافة إلى دوره في تبسيط الكلام وترشيقه وتوضيح المضمون من خلال لغة تصالح ما بين الشفهي والمشغول، يؤنسن النص، ومعه الفيلسوف وعشتار. وهو ما يستثمره نصار بفاعلية، إذ لا يكتفي بجعل القصة – الحوار مساحة مشتركة بين الفيلسوف وعشتار، بل يحولهما مساحة ينزل الفيلسوف إليها من برجه وبحوثه الماورائية، وتنزل إليها عشتار (إلهة الحب والجمال في ثقافات عدة) من الأسطورة وعالمها.

وإذا كانت هذه هي الغايات المباشرة لاختيار نصار القصة – الحوار، فإن وراء ذلك دلالات عديدة، منها إعادة الاعتبار للحوار الذي هو أسلوب فلسفي تقليدي اعتمده كبار الفلاسفة، وفي مقدمتهم سقراط وأفلاطون، قبل أن يهجره أرسطو إلى التحليل وعمانويل كانط إلى النقد. لكأن هدف نصار يتجاوز اعتماد الحوار أسلوباً من أجل ترميم العلاقة بين الفلسفة والإنسان، ومن أجل أن تقول الفلسفة “شيئاً جوهرياً”، نحو استعادة الحوار الفلسفي من أجل أنسنة الفلسفة وإطلاق طاقاتها وتبيئتها في عالمنا وزماننا.

وهذا في جوهر التحدي الذي أخذه نصار على عاتقه، لا لينتمي إلى تيار تبسيط الفلسفة أو الفلسفة للجميع، مع آلان دو بوتون ولوك فيري وتيري أيغلتون وفريدريك لينوار وغيرهم، إنما مواصلاً بطريقة خاصة ما بدأه في “طريق الاستقلال الفلسفي” و”النور والمعنى” و”منطق السلطة” و”الذات والحضور” و”باب الحرية” و”الإيديولوجيا على المحك”…


قصة الكتاب

تقول عشتار “استمعت إليه للمرة الأولى وهو يلقي محاضرة عامة حول الفلسفة والحياة اليومية، فاهتزت مشاعري اندهاشاً وابتهاجاً، وانفتحت عيناي على نمط جديد من التفكير في حياتي… اتصلت به في اليوم التالي… وعبرت له عن تأثري الشديد وإعجابي بدفاعه الألمعي التنويري الشيق عن دور الفلسفة في معالجة القضايا الحياتية اليومية، المادية منها وغير المادية. فشكرني بلطف مسرور، وشجعني على استثمار ما أعجبني في مختلف المجالات التي أتحرك فيها، عائلياً ومهنياً واجتماعياً. فاقترحت عليه أن نخوض التجربة معاً، على سبيل التوسع والتدقيق في أطروحته، وذلك في حوار طويل يتناول بعمق إحدى القضايا الحياتية اليومية والمثيرة للجدل والسجال في حياتنا الراهنة. فلم يبد تجاوباً لأنه كما قال كان يعتزم الانصراف إلى بحث ميتافيزيقي جديد حول الاسم الذي ليس كمثله اسم. فألححت عليه وشرحت له رغبتي، ووظفت جميع الاعتبارات التي في حوزتي. وبعد أخذ ورد اتفقنا على المشروع في خطوطه العريضة، أي على أن يتناول الحوار مسألة اللباس وجملة ما يتصل بها أو تتصل به، بلا حدود مرسومة له سلفاً، وبعيداً قدر الإمكان من اللغة التجريدية الصعبة، وبلا توسع في المذاهب والنظريات المألوفة لدى أهل الاختصاص. وهكذا كان، توالت اللقاءات في منزله المتواضع، بصورة غير منتظمة، حتى سفره المفاجئ. وتشعب الحديث بعفوية منضبطة”.

تتابع “ولما سألته في اللقاء الأخير عن مصير هذا الحوار، الذي لا بد من استكماله عاجلاً أم آجلاً، أذن لي بالتصرف به كما أريد ومتى أريد. فاحتفظت به أشهراً لا أعرف ما ينبغي أن أفعل به، أسباب مني ومن الظروف الخارجية، ثم اتخذت قراري فأعددته للنشر، باعتباره جزءاً من مشروع يعز علي إنجازه، ممتنعة عن إدخال أي تعديل على نصه المسجل، إلا العناوين فهي إضافة مني. وها أنا اليوم أضعه بين أيدي القراء، على اختلاف أوطانهم وطبقاتهم ومذاهبهم، على أمل أن يتمكنوا من الاستمداد منه، وفقاً لاختباراتهم وأوضاعهم واحتياجاتهم” (11).

لماذا “كتاب عشتار” وليس كتاب الفيلسوف؟

كأن دور هذه المقدمة يتعدى توضيح اللعبة “المسرحية” للكتاب نحو “تبرير” تنصل الفيلسوف من كتاب عن اللباس والجسد و”الحياة اليومية”، وينتسب إلى “الفلسفة البسيطة” و”بعيد قدر الإمكان من اللغة التجريدية الصعبة، ولا يتوسع في المذاهب والنظريات المألوفة لدى أهل الاختصاص”.

فكما يبدو واضحاً، إن عشتار هي التي استدرجت الفيلسوف إلى هذا الحوار، بما يذكر بحواء وآدم. لكن الأهم من هذا هو ما تقوله عشتار التي ليس عابراً أن تحمل الاسم الأسطوري وتعمل ممثلة، عن “استثمار” ما سمعته من الفيلسوف في “مختلف المجالات التي تتحرك فيها، عائلياً ومهنياً واجتماعياً”، وعن “اغتناء” تفكيرها “بصورة فاقت جميع توقعاتي، فبت أمتلك نظرة واضحة ومتماسكة إلى اللباس كظاهرة إنسانية كونية، بأبعادها ومستلزماتها وأصولها في بنية الذات المتجسدة، قبل أن تكون قضية اجتماعية أو سياسية قابلة للاستغلال والتوظيف في هذا الاتجاه أو ذاك. وأمتلك في الوقت عينه ما هو أهم، أعني تصوراً إجمالياً لقيمة الدور الخاص الذي يمكن أن يؤديه النظر الفلسفي في قضايا الحياة اليومية، قياساً على قضية اللباس. وهذا بالنسبة إلي كسب عظيم وكنز لا يفنى”.

وهنا يكمن مفتاح لماذا هو “كتاب عشتار” وليس كتاب الفيلسوف. فنصار يريده أن يكون كتاب الإنسان – القارئ، ابن “الحياة اليومية” الذي يستمع إلى الفيلسوف فيغتني تفكيره ويمكنه أن يستثمر ذلك “في مختلف المجالات التي يتحرك فيها، عائلياً ومهنياً واجتماعياً”. هذه هي مهمة الكتاب، ولهذا تقصد نصار أن يكون بسيطاً يوفر للإنسان – القارئ فرصة أن يمتلك “تصوراً إجمالياً لقيمة الدور الخاص الذي يمكن أن يؤديه النظر الفلسفي في قضايا الحياة اليومية”.

وانطلاقاً من هذا، أي من خروج الفيلسوف المنصرف إلى البحوث الميتافيزيقية من عالمه الواقع بين بيته القديم المتواضع والجامعة القريبة، ومن خروج عشتار من الأسطورة لتغدو ممثلة من هذا العصر تحمل معها تصورات وأسئلة عن الحياة الشخصية والاجتماعية والمهنية، يطلب الفيلسوف الذي لا اسم له (هو “الحكيم النبيل”) من عشتار، التي تمثل الإنسان – القارئ، أن “تحسن الظن بالفلسفة وبقدراتها على قول شيء جوهري لا يقوله أي طراز آخر من التفكير في مسائل اللباس والعري ومكانتهما في ثقافة الإنسان ؟”

بعد هذا التقديم ومن أجل تناول ينطلق من “البداية” ثم يتوسع ليشمل العناوين والأبعاد التي لا يصل إليها ولا يقولها إلا التفكير الفلسفي، يعود الحوار إلى سؤال “لماذا لسنا عراة؟”. والأهم من هذا أن الحوار لا يقوم على أجوبة جاهزة، بل تحركه الأسئلة وتقوده. وحتى الفيلسوف يسأل، وأحياناً يعترف، بلا تردد أو خجل، بأنه لا يملك جواباً (13). وعلى رغم أن الحوار مشدود إلى القول الفلسفي، إلا أن القصة وعناصرها البسيطة في الكتاب ترسم ملامح علاقة معرفية “عذرية” بين عشتار التي لا تنسى هويتها الأسطورية، إلهة الحب والجمال، وبين الفيلسوف، وإن كان لا يعبر عن مشاعره وبالكاد يفصح عن قلق على ما هما في صدده بسبب تأخر مجيء عشتار.

وإذ لا يمتلك الفيلسوف جواباً عن سؤال “لماذا لسنا عراة؟”، يرمي الكرة في ملعب عشتار من خلال سؤالها “كيف تسلل هذا السؤال إلى تفكيرك، وما الذي حملك على طرحه، أو بالأحرى ما الذي دفعه إلى وعيك وجعله يلاحقك، كما تقولين، منذ طفولتك؟”.

ولعل الفيلسوف الذي يبدو أنه “يتهرب” من الإجابة أو يؤجلها، يريد من خلال رمي الكرة في ملعب عشتار أن يجعل لها هوية إنسانية، وأن يبدأ بنسج خيوط الحكاية وجذب القارئ. وعبر هذا يجعل القول الفلسفي مرتبطاً بالحياة اليومية وليس مجرداً. وإذ يؤنسن عشتار التي تحكي عن طفولتها ومجتمعها، تغدو ممثلة للناس والمجتمع والعصر، تغدو القارئ، ويغدو الحوار الفلسفي ومضمونه شأناً يخص الإنسان ومرتبطاً بالمجتمع والعصر.

وبعد هذا يحتفي الفيلسوف بعبارة عشتار “المساواة في العري عند الولادة” (15). ويعتبر أن هذه العبارة مفتاحية لفهم اللباس والعري وظاهرتهما، فـ”العري حالة انكشاف تضعها الطبيعة في عهدة الإنسان منذ لحظة ولادته، في حين أن اللباس حالة تغطية مخصوصة يصنعها الإنسان ويتعهدها في إطار الثقافة” (18).

ويقول الحكيم الذي خبر التجول بين أفلاطون وابن خلدون وماركس وصحبهم “عندما لجأ الإنسان في وقت ما من تاريخه القديم إلى تغطية جسمه بدأت ثقافة اللباس، وها نحن اليوم ما زلنا نتعهد العناية بهذه الثقافة ونستخدمها وفقاً لاحتياجاتنا ومعتقداتنا وأذواقنا، ولما كان ألزم شرط لإجراء التغطية هو توافر الغطاء، أي الرداء المناسب للامتداد حول الجسم، فإنه من المنطقي أن تهتم ثقافة اللباس بالمادة أو بالمواد التي يصنع منها الغطاء في ضوء اهتمامها بما من أجل تريد التغطية” (27).

ويوضح “التغطية بمعناها البسيط ليست سوى بسط غطاء على شيء معين بطريقة معينة لغرض معين، ولكن عندما يتعلق الأمر بالجسم البشري، فإنه من الواضح أن مفعول التغطية يجري في منطقتين داخلية وخارجية. الداخلية تقع بين الجسم واللباس، والخارجية تقع بين اللباس وجملة المحيط الذي يتفاعل معه حامل اللباس، سواء أكان المحيط الطبيعي أم المحيط الاجتماعي. فماذا يعني ذلك، قبل أي تحليل لما يجري فعلاً في المنطقتين؟ إنه يعني أن التغطية عملية عزل، وأن اللباس أداة عزل يصطنعها الإنسان بين جسمه ومحيطه، ويربط بها مفاعيل مختلفة، بعضها حسي، وبعضها الآخر غير حسي، فيصبح العزل، بحسب هذه المفاعيل، حجباً أو ستراً أو صيانة أو ما شابه ذلك، والعازل حجاباً أو ساتراً أو حافظاً أو ما شابه ذلك. وهكذا فإن المفعول المباشر للتغطية باللباس على جسم الإنسان ليس هذا الإحساس أو ذاك، بل العزل، ومن العزل تنشأ مفاعيل متعددة، في اتجاه إيجابي في حالات معينة أو في اتجاه سلبي في حالات أخرى” (28).


الوظائف المرتبطة بالثياب

والآن هنا يدعو “الحكيم النبيل” إلى التمييز “بين نوعين من الوظائف المرتبطة باستخدام الثياب، الوظائف الأساسية العامة والوظائف الإضافية الخاصة، ما يبتغيه الناس إجمالاً من ثيابهم في الاحتفالات والأعياد والمزاولات المهنية أو في بعض الحقول من نشاطهم الاجتماعي، يختلف عما يبتغونه منها في مجرى الحياة العادية، ولكن مهما يكن من خصوصيات الحياة العادية، فإنها لا تجرد الملابس من وظائف ثابتة معها في جميع الأحوال والظروف، كالحماية الضرورية للجسم من تأثيرات المناخ والطقس السلبية” (35).

ويرجح “أنه يمكن إرجاع الوظائف الأساسية العامة التي تفرض نفسها على ثقافة اللباس إلى ثلاث وظائف، أقترح تسميتها بالوظيفة الصحية والوظيفة التشكيلية والوظيفة الأخلاقية. فكل لباس يؤدي، بكيفية أو بأخرى، وظيفة متصلة بالصحة، ووظيفة متصلة بالشكل، ووظيفة متصلة بالأخلاقيات. والفن كله يدور على الكيفية التي تجتمع بها هذه الوظائف وتتكامل” (35).

ويقول إنه “ليس من الخطأ الاعتقاد بأن الوظيفة الصحية تتقدم على غيرها من الوظائف في المجرى العام لظاهرة اللباس. إن حماية الجسم من مخاطر البيئة الخارجية ضرورة حياتية أولية، لا أظن أن أحداً يستطيع الشك فيها، وإنما يمكن الشك والجدال حول طبيعة ضرورتها ومداها. وما دامت هذه الضرورة قائمة، فإنه من الخطأ في اعتقادي أن نربط الموقف منها بافتراضات تتعلق بكيفية نشوئها في تاريخ الإنسان القديم، أو بإمكانية تجاوزها في مستقبل البشرية. نحن نعيش تحت حكم منظومات من المخاوف والاحتياجات، في مقدمتها تلك التي تتعلق بالجوع والمأكولات، وتلك التي تتعلق بالعري والملبوسات، وتلك التي تتعلق بالعراء والمساكن. ونحن نسعى على الدوام إلى التجاوب مع مقتضيات تلك المنظومات بالوسائل المناسبة الممكنة التي نتزود بها من مخزون الثقافة. ولذلك ليس من تناقض في ربط ظاهرة اللباس كحالة ثقافية بوظيفة أصلية مضمونها بيولوجي” (36).

ولا يتردد الحكيم في اعتبار أن الوظيفة الأساسية العامة لارتداء الثياب بعد الوظيفة الصحية هي تحسين الشكل. و”لا شك في أن التحسين وجه من وجوه التعاطي مع اللباس” (40). ويرى أن العناية بالشكل هي “ترتيب الحدود بين المطلوب حجبه والمطلوب كشفه بالنسبة إلى الجسم كله… وقضايا الحدود في نشاطات الإنسان مليئة بالمشكلات، وبخاصة إذا كانت طبيعة الحدود من النوع المتحرك المتموج مع تبدل الظروف والمناسبات. والحدود التي نتحدث عنها ليست مكتوبة على خريطة الجسم. إنها تخرج إلى الوجود من مخيلات الناس واصطلاحاتهم، وفقاً لاعتبارات متعدددة، بعضها ذاتي كالرغبة والذوق، وبعضها موضوعي كالعمر والجنس. ولكل اعتبار وزنه ومستتبعاته” (43).

عند هذا يصل الفيلسوف، أو بالأحرى تنقله عشتار، إلى الحديث عن الوظيفة الثالثة الأخلاقية، فيقول “لننظر جيداً في لعبة الحجب والكشف… ما قواعدها؟ وما مرتكزها في الأصل؟ الجواب الفوري هو أنها متوقفة على إرادة اللاعب بها، فاللاعب هو في المبدأ من يقرر ما يريد حجبه وما يريد تركه مكشوفاً من جسمه، وهو يتحمل مسؤولية ما يقرره، ولكن كيف يتخذ اللاعب قراره هذا؟ هل يتخذه بحرية مطلقة؟ أليست لعبة الحجب والكشف في ارتداء الملابس كأي لعبة غيرها خاضعة لقواعد محددة؟ يجيب تحليل الوظيفة التشكيلية أن ثمة قواعد متصلة بقيمة الجمال تراعيها بدرجة أو بأخرى جميع الأطراف الداخلة في صناعة الملابس واستهلاكها. فمن هذه الجهة، ليست لعبة الحجب والكشف في ارتداء الملابس راجعة إلى حرية مطلقة، ولكن من الواضح أن القواعد الجمالية لا تتحرك إلا بعد أن يكون اللاعب قد حدد ما يريد حجبه وما يريد كشفه من جسمه. فكيف يتم هذا التحديد؟ هل حرية اللاعب أمام مباح مطلق؟ إذا اتفقنا على أن هذا السؤال لا يشمل إمكانية الامتناع الكامل عن الحجب، فإننا نجد أنفسنا مضطرين إلى وضع حرية اللاعب أمام واجب، بدلاً من وضعها أمام مباح. وذلك انطلاقاً من أن الملبس، مثله مثل المأكل والمسكن، ليس من الجائزات التي يصح وجودها كما يصح عدمه. فالضروري للحياة في هذا المستوى يتخذ بالضرورة شكل الواجب. ولذلك أميل إلى القول بأنه من الواجب، وليس من المباح، أن يمارس الإنسان لعبة الحجب والكشف في ارتداء ملابسه، وأن يمارس ترتيب الحدود في هذه اللعبة على أساس استتباع ما يمكن أو يحسن حجبه لما يجب حجبه، وما يمكن أو يحسن تركه مكشوفاً لما يجب تركه مكشوفاً” (45).

ويتابع “في موازاة حماية الجسم من بعض المخاطر التي تهدد سلامته من البيئة الطبيعية، يؤمن ارتداء الملابس حماية الشخص من بعض المخاطر التي تهدد خصوصيته وكرامته من البيئة الاجتماعية. والوصف الدقيق لهذه الحماية يقول إنها حماية الكرامة الشخصية على مستوى الجسد في مواجهة الآخرين. ففي المنظور الأخلاقي يتحول الاعتبار من الجسم إلى الجسد، لأن القضية المركزية لهذا المنظور هي قضية الكرامة الشخصية التي لا ينقضها إطلاقاً الوجود مع الآخرين، ويكتسب الجسد في ظلها خصوصية بارزة بين خصوصيات الشخص بكاملها في وجوده مع الآخرين، ولذلك تتحدد الوظيفة الأخلاقية لعملية ارتداء الملابس بمقدار ما تسهم به في الحفاظ على كرامة الشخص وخصوصيته بوصفه ذاتاً متجسدة في مواجهة غيرها من الذوات المتجسدة” (46)…يتبع

يعود نصار إلى أسلوب الحوار الراسخ في الفلسفة منذ سقراط وأفلاطون (متحف رافاييل)

/اندبندنت عربية/

اترك رد إلغاء الرد