سلامة “يؤدّب” المصارف: المتاجرة بالدولار هبوطاً وصعوداً

قرّر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة التدخّل للحدّ من انفلات سعر صرف الدولار في السوق، بعد وصوله إلى مشارف الـ40 ألف ليرة. فنجح بواسطة بيانٍ، بخفض سعر صرف الدولار إلى ما دون 30 ألف ليرة، وهو مستوى اعتاد عليه السوق لفترة. لكن هذا التدخّل الإيجابي لن يدوم طويلاً، إذ سيعود الدولار لمساره التصاعدي خلال أيام.

دور المصارف
دخول سلامة على خطّ التهدئة جاء عبر المصارف. إذ أن حصول الأفراد والمؤسسات على الدولار وفق منصة صيرفة، سيكون حصراً عبر المصارف التي طُلِبَ إليها أن “تُبقي على فروعها وصناديقها مفتوحة يومياً حتى الساعة السادسة مساءً لتبية طلبات المواطنين من شراء الدولارات كما دفع معاشات الموظفين في القطاع العام بالدولار”.

بالتوازي، من المفترض أن تكون المصارف ملتزمة حُكماً، بتعاميم مصرف لبنان القاضية بتأمين الدولار على منصة صيرفة، فما الحاجة للطلب إليها مجدداً تأمين الدولار؟ فهو أمر من المفترض أن يكون بديهياً.
تتّجه الأنظار في هذه الحالة إلى تصعيد المصارف لمستوى خطابها مع الدولة الممثّلة بالحكومة ومجلس النواب ومصرف لبنان. فالمصارف رفضت مراراً أن تمسّها عملية الإصلاح، وطالبت النواب بإقرار قانون الكابيتال كونترول لتستند إليه في تشريع عمليات تقييد حركة الأموال. كما رفضت خطة التعافي التي أقرّتها الحكومة، ووصفتها بـ”الكارثية والمخالِفة للدستور اللبناني ولسائر القواعد القانونيّة المرعيّة الإجراء”. واتّجهت العلاقة نحو المزيد من التوتّر مع إعلان الحكومة اتجاهها لشطب نحو 60 مليار دولار من ديون المصارف على المصرف المركزي الذي تأخذ المصارف موقفاً سلبياً منه، بفعل قراراته وتعاميمه التي تزيد الضغط عليها، لجهة إلزامها تأمين الدولار والليرة للمودعين. فضلاً عن جملة من التعاميم السابقة المتعلّقة بزيادة رأسمال المصارف في الداخل والخارج، والعمل على إعادة قسم من الودائع المحوّلة للخارج.. وما إلى ذلك.

ولزيادة الضغط على الدولة، امتنعت المصارف عن تأمين الدولارات للتجار والأفراد والموظفين، في الآونة الأخيرة، من دون التصريح بذلك علانية. على أن القرار انعكس في السوق. وألمَحَ وزير المالية يوسف خليل إلى هذا الدور، من دون أن يسمّيه، من خلال قوله بأن “شحّ توافر الليرة وتوافر الدولار بشكل متزايد يفترض أن يؤدي إلى نتائج عكسية، تؤدي إلى انخفاض سعر صرف الدولار”. أي أن المركزي يؤمّن الدولارات عبر المنصة ويسحب السيولة بالليرة، ما يفترض به أن يرفع الطلب على الليرة ويخفّضه على الدولار، فيتراجع سعر الدولار، وهو جوهر التعميم رقم 161. فلماذا زاد الطلب على الدولار رغم ضخّ المركزي له؟ الإجابة لدى المصارف التي تمرّ عبرها عملية إيصال الدولار.

عودة إلى الارتفاع
كما ارتفاع الدولار كان وهمياً، كذلك انخفاضه. والدليل ينطلق من المدة الزمنية التي حدّدها الحاكم لتأمين الدولار.
انخَفَضَ الدولار وسيستمر لثلاثة أيام مقبلة. وقبل قرار الحاكم، استفادَ التجّار والمصارف من شراء الليرة بسعر منخفض (من المفترض أن تكون الليرة شحيحة). وابتداءً من الاثنين، سيشتري هؤلاء الدولار بسعر منخفض. ولأن المركزي سيؤمّن الدولار لثلاثة أيام فقط، سيشحّ الدولار بعدها، ليرتفع سعره، فيبيع هؤلاء دولارهم المرتفع ويشترون الليرة بسعر منخفض.. وتتكرّر هذه العملية جرياً على عادتها منذ سنتين ونصف.
وبذلك، يكون المركزي قد ساهم بضرب الليرة وإشعال السوق وإفادة كبار التجّار، وكذلك المصارف. وهو في هذه الحالة يلعب دوراً مزدوجاً، إذ يقوم بواسطة تخفيض سعر الدولار بـ”تأديب” المصارف على إشعالها للسعر وتمرّدها على الدولة والمركزي، وفي الوقت عينه، يؤمّن استفادتها من خلال تأمين الدولار ولاحقاً رفع ثمنه. وذلك التزاماً بالعلاقة التاريخية التي تقوم على تقاسم المصالح والاستفادة من تقلبات الدولار. فالمصارف لا تفرج عن كامل “كوتا” الدولار أو الليرة المؤمَّنة لها من المركزي، وهي قادرة على التحكّم بكيفية تنفيذ قرارات المركزي، وإن رَفَعَ الأخير حدّة لهجته أحياناً.
وفي السياق، قضى المركزي على قيمة رواتب الموظّفين. فرواتب آخر الشهر ستُسحَب بسعر المنصة من الاثنين حتى الأربعاء، وستُصرَف في السوق بسعر قريب من سعر المنصة. فهذه الرواتب لا تُستعمل للادخار وانما للاستهلاك. أي سيعيد الموظفون دولاراتهم للمركزي بسعر منخفض، فيكون الحاكم قد خفَّضَ دولار السوق، وضخَّ دولارات واستعادها، وأفاد التجّار والمصارف.. ليشتعل بعدها السعر، ويكرّر المركزي لعبته.

/ المدن /

اترك رد إلغاء الرد