معجزة أتاتورك

/أحمد الصرَّاف- القبس/

يعد الزعماء الذين قلبوا حياة شعوبهم رأساً على أصابع اليد الواحدة، وأكثرهم تأثيراً في العصر الحديث، ومن زاوية محددة، هم ثلاثة، لينين الذي حول روسيا المنهكة والمنهارة إلى قوة شيوعية عظمى، ولي كوان يو الذي حول 700 كيلومتر مربع من المستنقعات وشعباً فقيراً من صيادي الأسماك، والمنتمين إلى أعراق وديانات ثلاث متناقضات، إلى واحدة من أفضل دول العالم على كل المستويات.

والثالث أتاتورك الذي قطع كل صلات تركيا بتراث سلاطينها، الذي امتد لأكثر من 600 عام (1299 – 1922)، وحولها إلى شيء تمنت دول إسلامية كثيرة أن تكونه!
هناك زعماء آخرون عظام، بطبيعة الحال، مثل منديلا وماو وغاندي، ولكن هذه قصة أخرى.

يعتبر مصطفى كمال (1881 – 1938) أعظم قائد مشرقي ظهر في القرن العشرين، ولو طال به العمر لأكمل مسيرته غير المسبوقة في التاريخ. بدأ أتاتورك حياته عَسْكَرِياً فذاً لم يهزم في أية معركة، وحقق أكبر انتصاراته في معركة جاليبولي (فبراير 1915 – يناير 1916) خلال فترة الفوضى التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، عندما نجح، رئيساً لجيش العثمانيين، في إلحاق هزيمة بجيوش الحلفاء، بقيادة بريطانيا، وكبدهم خسائر بلغت 58 ألف جندي، ونجح في تأخير احتلال الحلفاء لإسطنبول لعامين، لكنّه استقال من الجيش عام 1919، ونظّم قواته الخاصة التي قاتلت الحلفاء، واستعاد إسطنبول منهم، وعين نفسه حاكماً، وألغى نظام الخلافة العثمانية، وقام من فوره بتحديث تركيا وعلمنتها، وجعلها ما هي عليه الآن من تقدم وقوة.

كانت إصلاحات أتاتورك مصدر إلهام للكثيرين، منهم رضا بهلوي، ولكن البازار والملالي أفشلوا إصلاحاته، ونجح التونسي بورقيبة في تبني الكثير منها، وهذا ما جعل تونس اليوم شيئاً مختلفاً عن بقية دولنا!

كان مصطفى كمال مثقفاً وقارئاً نهماً ومؤلفاً، إضافة إلى كونه عسكرياً فذاً، ولم يتردد في تطبيق إصلاحاته التي شملت السياسة والقانون والثقافة والاقتصاد ابتداء من 1922 وحتى وفاته عام 1938، حيث ألغى الخلافة والدولة العثمانية، ونقل العاصمة إلى أنقرة في 1923، وأعلن الجمهورية، وفي 1924 وحد التعليم وغير عطلة نهاية الأسبوع إلى السبت والأحد، وأغلق المدارس الدينية والتكيات والمزارات.

وفي 1930 أعطى المرأة كل حقوقها السياسية والاجتماعية، وخلال الفترة نفسها اعتمد التقويم الميلادي، ومنع أغطية الرأس، وطبق قانون عقوبات إيطالي جديد، وجعل القانون المدني على غرار القانون السويسري، وقبل وفاته بعشر سنوات ألغى الكتابة بالأحرف العربية، متبنياً الأبجدية اللاتينية، التي فتحت آفاق العلم واسعة أمام الأتراك.

ثم قام بحظر استخدام ألقاب التفخيم، وأصدر في 1934 قانون «الكنية»، فارضاً على كل أسرة أن تتسمى باسم «عائلة» محدد يبقى ثابتاً في هويتها، قد يكون اسم الجد أو المنطقة التي أتوا منها أو الحرفة، ومن هنا جاءت أسماء أسر مثل خاشقجي وتفنكجي وصابونجي، حيث لم يكن للأسر التركية لقب أو كنية تعرف بها.

وقام أتاتورك قبل وفاته بعام بإصدار دستور الدولة العلماني، الساري حتى الآن.

في محاولة من الأخ «فهمت كيف» للحط من قدر هذا الرجل العظيم ذكر في إحدى مقابلاته أن أتاتورك، الذي توفي عام 1938، اعترف بإسرائيل، التي تأسست عام 1948، أي بعد عشر سنوات من وفاته!


يسيء الكثير فهم معنى «الدولة العلمانية» لاعتقادهم بأنها ضد الدين، والعكس أصح، فالعلمانية تؤكد على فصل الدين عن الدولة أو السياسة، من دون الإضرار بالدين مطلقاً، والدليل أن لا دولة غربية علمانية حاربت الأديان، بل احتفظت حكوماتها بمسافة واحدة من مختلف العقائد، وهذا ما لا يريده البعض، فهم يرغبون في أن تكون الحكومة في صف دينهم ومذهبهم، وليس مع غيرهم!

ملاحظة: تم تعديل اسم تركيا الرسمي أخيراً ليصبح «تركية»، Turkiye، بعيداً عن كلمة Turkey التي تطلق على نوع من الدواجن

اترك رد إلغاء الرد