المفكرون العرب والمراجعات النقدية: خالد زيادة نموذجًا

يحتاج المفكرون العرب اليوم لإجراء مراجعات نقدية لكل أفكارهم وطروحاتهم، وذلك من أجل تقديم رؤية فكرية جديدة قادرة على مواجهة مختلف التحديات التي يواجهها العالم العربي اليوم. وهذه الرؤية من المهم أن تنطلق من خلال قراءة التجارب السابقة خلال مائة العام الماضية منذ سقوط الدولة العثمانية إلى اليوم، وما شهدناه خلال كل تلك السنوات من احداث وتطورات هامة والدروس المستفادة من ذلك.

ومن المفكرين العرب الذين عملوا على قراءة تلك التطورات والأحداث بأشكال مختلفة، المفكر الدكتور خالد زيادة، الذي يتولى اليوم الإشراف على فرع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، ومقره الاساسي في الدوحة.

وقد تولى زيادة خلال السنوات الأربعين الماضية الكثير من المهمات الأكاديمية والعلمية والدبلوماسية، وصدرت له عشرات الكتب ومئات الأبحاث والدراسات وروايات مختلفة. وقد صدر له مؤخرا في بيروت كتابه الجديد “حوارات في الثقافة والتاريخ”، والذي يشكل خلاصة أفكاره وأبحاثه الاجتماعية والتاريخية والسياسية. ولهذا الكتاب اهمية خاصة؛ كونه يجعلنا نطل ولو بشكل انتقائي وسريع على تجربته الكتابية والتأريخية والروائية والأدبية والاجتماعية والدبلوماسية، وذلك من خلال استعراض سلسلة المقابلات التي أجريت معه على مدار حوالي 38 سنة تقريبا (من العام 1984 وحتى اليوم). ومن خلال هذه اللقاءات نتعرف على أفكار وآراء الدكتور خالد زيادة ومسيرته الطويلة، وهي تقدم لنا نوعا من السيرة الأدبية والفكرية، وتطور أفكاره من مختلف القضايا الهامة.

تولى زيادة خلال السنوات الأربعين الماضية الكثير من المهمات الأكاديمية والعلمية والدبلوماسية، وصدرت له عشرات الكتب ومئات الأبحاث والدراسات وروايات مختلفة. وقد صدر له مؤخرا في بيروت كتابه الجديد “حوارات في الثقافة والتاريخ”، والذي يشكل خلاصة أفكاره وأبحاثه الاجتماعية والتاريخية والسياسية

وقد تميزت تجربة الدكتور خالد زيادة في مسيرته العلمية والاكاديمية والدبلوماسية والفكري على محطات عديدة ومنها:

1- تجربة أرشفة وثائق المحاكم الشرعية في طرابلس وكيفية الاستفادة منها. وهذه تجربة مهمة جدا في الأرشفة وعلم الاجتماع ودراسة التاريخ الثقافي والاجتماعي والديني لمدينة طرابلس، وشكّلت قراءة مختلفة للتاريخ العثماني، ودور السلطنة العثمانية في العالم العربي وما تركته من تجارب مهمة وانعكاسات فكرية واجتماعية وحضارية.


2- تسليط الضوء على العلاقة بين المثقف والسلطان، وهذه من الموضوعات الهامة التي تطرق إليها في كتبه ودراسته وآرائه، وكذلك حول دور المثقف في الواقع السياسي وتطور هذا الدور خلال العقود الأخيرة، حيث يتحدث الدكتور زيادة عن نهاية دور المثقف التقليدي في عصرنا الحالي والحاجة إلى إعادة النظر بهذا الدور، وتركيزه على ضرورة الخروج من المفهوم الغربي لدور المثقف، وأن يقوم المثقف بدوره الحقيقي في قراءة الواقع من خلال الأسس العلمية.


3- الإطلالة على تجربة مدينة طرابلس في العيش المشترك وكمدينة متوسطية نموذجية، من خلال كتبه الثلاثة عن المدينة: “يوم الجمعة يوم الأحد”، و”حارات الأهل وجادات اللهو”، و”بوابات المدينة والسور الوهمي”، وقد جمعت لاحقا في كتاب واحد تحت عنوان: “مدينة على المتوسط”. وهي تقدم لنا بعضا من مميزات هذه المدينة العظيمة والجميلة، والتي نجح الدكتور زيادة في نقلها إلى كل أنحاء العالم من خلال ترجمة كتبه. وهذا نموذج مهم للتعريف بالصورة الحقيقية لهذه المدينة الجميلة، ردا على الصورة السلبية التي يحاول البعض لصقها بها. ومن خلال ذلك ندرك أهمية النموذج الشرقي والعربي والإسلامي في تقديم الحياة المشتركة بين مختلف أتباع الأديان والطوائف.

4- تجربته الروائية الخاصة وخصوصا من خلال رواية “حكاية فيصل”، وهي ليست مجرد رواية أو كتاب تاريخ تقليدي عن تجربة الملك فيصل (ابن الشريف حسين) خلال حكمه في سوريا والعراق، بل هي رؤية متكاملة حول علاقة العرب بالغرب والسلطنة العثمانية، وتأثير ذلك على تاريخنا واستقلالنا، والآثار السلبية للاتكال على الغرب لمواجهة السلطنة العثمانية وأخطائها. وقد استكمل ذلك في كتابه المهم “لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب”، ولو من زاوية فكرية وحضارية. وهذه أطروحة مميزة ومثيرة للجدل حول الدعوة إلى إعادة النظر في علاقتنا بالغرب، وفي مواجهة الذين يدعوننا دوما للتطلع إلى الغرب لتغيير واقعنا، في حين أصبح الغرب مصدرا للأزمات والمشكلات لكل العالم وخصوصا للعالم العربي والسلامي.

هذه القراءات الجريئة للواقع العربي ولدور المثقف العربي تشكل رسالة لكل المثقفين والمفكرين العرب من أجل إعادة النظر بمختلف التجارب العربية والإسلامية، بروح نقدية غير تقليدية، وذلك لمواجهة محتلف التحديات الكبرى التي يواجهها العالم العربي والإسلامي اليوم على الصعد الاجتماعية والسياسية والفكرية، وعلى صعيد الحكم وحماية الحريات وحقوق الإنسان، إضافة للأزمات الدولية

5- تجربته الدبلوماسية خلال عمله كسفير للبنان في مصر، وتوليه موقع الممثل الدائم للبنان في جامعة الدول العربية لمدة تسع سنوات (2007- 2016)، وقد عاصر خلالها الثورات العربية الشعبية وتطورها. وقد قدّم في هذا الكتاب ومن خلال المقابلات المختلفة قراءة تقييمية لهذه الثورات وأسباب فشلها، ومستقبل العالم العربي على ضوء هذه التجارب، كما يطل على تجربته الدبلوماسية والثقافية المميزة في مصر وكيفية تطوير العلاقات بين البلدين، وتجربة المنتدى الدبلوماسي الثقافي الذي أنشأه في القاهرة مع مثقفين مصريين ودبلوماسيين عرب.

6- مواقفه وآرائه حول العلمنة والتجارب الإسلامية، ومستقبل العالم العربي والإسلامي، وتطور المدن العربية ومستقبلها ودور المثقفين اليوم.

7- تجربته الأكاديمية والعملية من خلال توليه مواقع أكاديمية عديدة في الجامعة اللبنانية، وفي عدد من مراكز الدراسات والأبحاث العربية.

من خلال هذه التجارب والأفكار التي يقدّمها الدكتور خالد زيادة في كتابه الأخير وفي مختلف نتاجه العلمي والأكاديمي، نشعر أننا أمام مفكر عربي نقدي يقدّم لنا خلاصات علومه وأفكاره وتجاربه وآرائه.

وهذه القراءات الجريئة للواقع العربي ولدور المثقف العربي تشكل رسالة لكل المثقفين والمفكرين العرب من أجل إعادة النظر بمختلف التجارب العربية والإسلامية، بروح نقدية غير تقليدية، وذلك لمواجهة محتلف التحديات الكبرى التي يواجهها العالم العربي والإسلامي اليوم على الصعد الاجتماعية والسياسية والفكرية، وعلى صعيد الحكم وحماية الحريات وحقوق الإنسان، إضافة للأزمات الدولية التي تعصف بالعالم وتترك انعكاساتها المباشرة علينا، سواء قبلنا بذلك أو لم نقبل.

نحن اليوم أمام تحديات كبرى في كل المجالات، ولم تعد تنفع القراءات الأحادية سواء لأحداث التاريخ أو للواقع الحالي أو لمختلف التطورات والأزمات

نحن اليوم أمام تحديات كبرى في كل المجالات، ولم تعد تنفع القراءات الأحادية سواء لأحداث التاريخ أو للواقع الحالي أو لمختلف التطورات والأزمات. وتجربة الدكتور خالد زيادة تشكّل نموذجا مهما في تقديم قراءة نقدية لكل هذه التجارب، وقد يكون الجهد الذي يقوم به المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات وغيره من مراكز الدراسات والأبحاث العربية، كمركز دراسات الوحدة العربية، نموذجا أوسع لهذا الدور النقدي العربي المطلوب من المفكرين والقيادات العربية ومختلف الحركات والأحزاب السياسية.

فهل سنكون أمام مرحلة جديدة من إعادة قراءة التجربة العربية بروح نقدية تفتح الباب أمام أفكار جديدة، كما حصل سابقا في مراحل تاريخية مختلفة سواء قبل سقوط السلطنة العثمانية أو بعد ذلك، مرورا بكل المحطات المهمة في التاريخ العربي المعاصر؟

هذا ما نحتاجه اليوم، والدكتور خالد زيادة نموذج مهم في هذا المجال؛ من المهم الاستفادة من تجربته وتسليط الضوء عليها ولو بشكل نقدي شامل

/عربي ٢١/

اترك رد إلغاء الرد