مدافع آيات الله الإعلامية وترشيح أزعور.. الديموقراطية المقيّدة
/سامر زريق- الرائد نيوز/
مع اقتراب قوى المعارضة وبعض المستقلين والتغييريين من الاتفاق على تبنّي ترشيح الوزير الأسبق جهاد أزعور لرئاسة الجمهورية، سرعان ما أطلق حزب الله مدافعه الإعلامية لتهشيم صورة الرجل. ازداد الأمر حدة عقب التبنّي الرسمي لترشيح أزعور، حيث سخّر الحزب كل أدواته الإعلامية لقدح الرجل وذمّه وسوْق الاتهامات والافتراءات بحقّه وقول ما ليس فيه.
كسر الهيبة
بيد أن الأسوأ لم يأتِ بعد. فخلال الأيام الفاصلة عن الجلسة المرتقبة في 14 حزيران ستنطلق مدافع آيات الله الإعلامية في حفلة ردح شرسة، سيتم فيها استحضار الملفات القديمة لحكومة السنيورة الأولى (2005-2008)، وتسجيلات التنصّت المدفونة بعد نفض الغبار عنها من أجل إلصاق كل الموبقات والكبائر بحق أزعور. كل ذلك فقط لأنه تجرّأ وترشح في وجه مرشح الحزب الأوحد سليمان فرنجية، مع أنه لم يعلن ذلك بشكل رسمي حتى الساعة، لأنه ما زال يتهيّب الموقف ويحسب خطواته بدقة شديدة.
فليكن مرشح تحدي، وماذا في ذلك؟ ألم يفعلها الحزب ويتحدى الجميع وخاصة المسيحيين بفرض ترشيح فرنجية؟ أم أنه يحق له وحده تحدي الآخرين والتلذّذ بسوْقهم مُذعنين لإرادته من خلال استخدام أدوات سياسية غير تقليدية في عوالم الديموقراطية؟
ثم كيف لحزب يتحدى إسرائيل وأميركا وأحياناً الغرب بأسره أن يغضب لتحدٍ بسيط مثل هذا؟ فحتى لو فاز أزعور وصار رئيساً للجمهورية، وهو أمر مستبعد، فإن حزب الله يمتلك كافة القدرات والأدوات لتكبيله وتعطيله، وجعل سنوات حكمه الست أسوأ من عهد سلفه ميشال عون. إذاً لماذا كل هذا الغضب، أليست هذه هي الديموقراطية، مرشح بمرشح، ولا سيما أن “البروفيل” الشخصي والمهني لأزعور جذّاب للحزب قبل غيره؟
يكمن السر في فعل التحدي بحد ذاته، وفي إمكانية نجاح ترشيح أزعور في إخراج مرشح حزب الله من السباق الرئاسي بكامله. وحصول ذلك يعني خدش كبرياء حزب الله المحلي والإقليمي، وإجباره على التفاوض على اسم ثالث. وهذا ما يمثل انتصاراً نوعياً للمعارضة بكل أطيافها.
رسالة غير مقروءة
ليس خافياً على أحد أن حزب الله صار منذ سنوات أقوى من الدولة بمراحل. والأخيرة حسب المفهوم الاستراتيجي لديه ليست سوى أداة يستخدمها عند الحاجة، فيتبادل معها الأدوار ليقدمها على حسابه كما في حالة ترسيم الحدود البحرية. ولديمومة استمرار فعالية هذه الأداة، ترك حزب الله هامشاً لا بأس به للأحزاب والتيارات كي تتبارز فيما بينها على حصص الحكم والنفوذ، مع التزام منها غير مكتوب بالتقيد بخطوطه الحمر.
وبعد كل التحولات التي عاشها لبنان منذ عام 2005 حتى يومنا هذا، وصل الحزب الى قناعة بأن القوى السياسية بغالبيتها باتت واهنة ولم يعد لديها القدرة على مناوئته. وإذا ما قمنا بمراجعة هذه الحقبة سنجد أن الخطاب السياسي للتيارات والأحزاب تدرّج من الصراع مع حزب الله وسلاحه ليصل الى ما يشبه تحييده عن النقاش، واعتباره قدراً مقدوراً، مع إبقاء بعض الجمل والمصطلحات لزوم الشعبوية والتحشيد لا أكثر.
بالتوازي مع بروز مصطلحات جديدة تعكس اتخاذ الصراع السياسي أشكالاً أخرى، مثل الطبقة الحاكمة، حزب المصرف، البنكرجية، القوى التغييرية. لذا لم يكن حزب الله يتوقع أن تنجح القوى السياسية المنقسمة والمشرذمة في التوحد خلف مرشح واحد، ولا سيما المسيحية من بينها.
لم يقرأ الحزب جيداً الرسالة التي أرسلها المجتمع المسيحي بأغلب أطيافه في قضية تأخير التوقيت الصيفي، والتي أراد من خلالها القول له أولاً، ولشريكه في الثنائي الشيعي الرئيس نبيه بري ثانياً، بأنه لن يقبل بفرض رئيس للجمهورية عليه، حتى لو كان الثمن “الفيدرالية”. بل إن ردة الفعل تلك كانت بروفة عملية لقياس مدى تأثير توحّد المسيحيين على عملية صنع القرار، الأمر الذي مهد لتجاوز الاختلافات التاريخية والاتفاق على مرشح واحد، مع أنه لا يمثل عملياً أياً منهم.
ناهيكم عن أن الحزب يريد من خلال حملته الهائلة على أزعور ترهيب النواب الحائرين، وعددهم ليس قليلاً، لحضهم على عدم التصويت له خوفاً من غضبه عليهم، والذي قد يحرمهم من مكرمات السلطة والحصص الوزارية. علاوة على أن تصويتهم لأزعور لن يحسم وصوله لبعبدا. وفي ذلك خسارة مزدوجة.
رُهاب الديموقراطية
حزب الله، كما كل الأحزاب العقائدية التوتاليتارية، لديه ما يمكن تسميته بـ”رهاب الديموقراطية”، إذ يكن لها كراهية عميقة بكافة أشكالها ومظاهرها. فهو الذي أدخل عقب اغتيال رفيق الحريري عام 2005 مصطلحات جديدة الى الثقافة السياسية اللبنانوية، وضغط من أجل تطبيقها وتعميمها، مثل بدعة الديموقراطية التوافقية، والميثاقية، من أجل تكبيل الديموقراطية وأسرها في زنزانة أيديولوجياته التي لا تقبل النقاش.
وزاد من إسار الديموقراطية عبر بدع أخرى متمّمة لما سبق، مثل ضرورة الاتفاق سلفاً على قرارات الحكومة، وإلغاء فكرة الأكثريات والأقليات المتحركة ضمن مجلس الوزراء، ونسف فكرة النقاش داخله من أساسها، وتحويل الوزراء الى كومبارس يبصمون على القرارات فقط.
طبعاً مع إبقاء هامش للنقاش الحي حول بعض القضايا الحياتية لزوم إسباغ شكل ديموقراطي مزيف. وكذلك من أجل منحه القدرة للكذب على جماهيره وممارسة لعبة ازدواج المعايير، فيصدح على المنابر بما يطلبه هذا الجمهور ليوهمه أنه حريص عليه، بعكس ما هو الحال داخل الغرف المغلقة.
المثال الأوضح على ذلك يتمثل في رسم الـ6 سنت الشهير على تطبيق واتساب عام 2019، والذي كان الشرارة التي فجرت انتفاضة 17 تشرين. فمحضر اجتماعات اللجنة الوزارية المكلفة متابعة هذا الملف، يشير الى أن ممثله فيها كان موافقاً على هذا الرسم بكل سرور، بعكس ما ادعى الحزب فيما بعد.
بالإضافة الى إخلاء الساحة بالكامل أمام مرشحه حسن عز الدين في الانتخابات الفرعية في صور عام 2019 عقب استقالة نواف الموسوي، من خلال طلب نائب أمينه العام نعيم قاسم بشكل مباشر من المرشحتين المنافستين الانسحاب بناء على رغبة السيد حسن نصر الله. حينها صرحت إحداهما وهي المحامية بشرى الخليل “ما بقدر ارفضلو طلب للسيد”.
وبذلك فإن حزب الله فرغ الديموقراطية من معناها ومحتواها من دون إلغائها، محولاً إياها الى ديموقراطية مقيدة، ووحده من يملك مفاتيح هذه القيود، على طريقة نظام الملالي الإيراني ومجلس صيانة الدستور فيه الذي يتولى تقويم المرشحين لجميع أنواع الانتخابات وتفسير نصوص الدستور على هواه.
