العاصمة التي ماتَ قلبها

بيروت نبض الحياة يتوقف في أسواقها



نوال حبشي نجا-الرائد نيوز

أدى تراجع الأمل على كل الصعد، وفي كل المؤسسات والمصارف والقطاعات السياحية والقطاعات الانتاجية، وبسبب الأزمة الاقتصادية التي تطغى على الواقع، إلى زوال كل مظاهر الحركة السياحية التي اعتادتها أسواق بيروت “ست الدنيا” على مدار أعوام، فيما لا يزال اللبناني يرى في هذا الصيف أملاً كبيرًا قد يساهم في رسم المسافة المؤدية إلى نوع من الراحة والطمأنينة على المستوى المعيشي والاقتصادي.

بعد ٤ آب، انقلب المشهد وتحولت الصورة باتجاه أسود وطار الأمل من النفوس، ودبت الفوضى وهرب السياح بسرعة فائقة، وكل هذا بسبب فقدان الاستقرار الأمني منذ اندلاع ثورة ١٧ تشرين، وما رافقها من انهيار لِ الليرة اللبنانية خلال أشهر قليلة استطاعت ضرب أغلب المرافق الحيوية و شلّ الحياة الاقتصادية، ناهيك عن الخسائر البشرية الهائلة التي سببها هذا الانفجار . خسائر حلت بالوطن الصغير لا يمكن حصرها، فكيفما تنظر في كل المناطق اللبنانية اليوم تلاحظ هذا الواقع الصعب والأليم .

السوليدير
وسط بيروت، الذي جُلنا فيه وتعرفنا على حقيقة الخسارة
حين تدخل إلى وسط بيروت اليوم تشعر بالفارق بين ما قبل آب وما بعده، فقبل الانفجار كان وسط بيروت ساحة صاخبة بالحياة، والناس من كل الجنسيات تجول وتصول وتأكل وتنام وتصحو في قلب العاصمة، وإبان الثورة اختفى المشهد المزدهر، وكأن احدًا أطفأ النور فجأة.
مطعم ‘المدينة” في قلب الوسط التجاري، حين تزوره اليوم تكاد لا تعرفه، لأنه فارغ من رواده وطاولات المقهى أشبه بهياكل عظمية. نقترب من النادل ونسأله وقبل أن يكمل السؤال يقول:
” أثناء الثورة توقفت الحركة قسرًا ، وبعد انفجار ٤ آب شلّت الحركة تمامًا، اليوم نوعاً ما تحرك الوضع وبتنا نستقبل بعض رواد المقهى، ولكن ما زالت الحركة خفيفة جدًا.

ويقارن النادل الماضي القريب بالحاضر ويقول: أيام الثورة فرغت كل هذه المنطقة من الناس، رغم أنها لم تتعرض للعدوان.
لقد تحولت في أيام الثورة إلى ساحة مخيفة، لا أحد فيها أبدا ، وهذا الفراغ هو ذروة الخوف اولاً، ثم ذروة الخسارة والانهيار المعيشي والاقتصادي ثانيًا”.

إصرار على الحياة
أغلب المطاعم والمقاهي والمحال التجارية عاشت وتعيش حال ‘المدينة”، الأمر يدل على واقع الأزمة وقوتها العنيفة في الحياة العامة.

“نديم شريقي” مواطن يجلس في أحد المطاعم مع أفراد عائلته، سألناه: كيف تصف شعورك الآن، فقال: المجيء إلى الوسط التجاري اليوم واجب علينا، كي نعيد الحياة إلى هذا المكان وكي نعلم أولادنا أن إرادة الحياة عندنا أقوى من أي خوف”.

في شارع الحمراء، لفتنا وجود مجموعة من السياح، تعرفنا إليهم، أخبرونا عن حالهم وقالوا:
” بعد إصرار الأهل وكثرة التطمينات عدنا إلى بيروت لنتابع جولتنا في ربوع هذا الوطن الرائع قبل عودتنا للعمل في قطر”.

بعد سماع كلام المغتربين من أبناء الوطن اكتشفنا حقيقة الوطن الصغير، وقدرته على جذب الحياة والناس.

عودة الحياة
الوسط التجاري اليوم، بعد ثورة ١٧تشرين وانفجار ٤ آب قادر على استعادة حيويته وإن كان ذلك ببطء. فكل المطاعم والمحال التجارية والمؤسسات والمصارف تطلب الأمن لتُعيد فتح أبوابها، وتبدأ حركة الزوار تبرز في المساحة الجميلة.

إذا أردنا الحياة علينا أن نتمسك بها، على أمل أن اليوم أفضل من الذي سبقه. وهذه الحالة تشبه تماماً، المرحلة السابقة بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري. ففي تلك المرحلة شهد وسط بيروت الواقع نفسه، وخفت الحركة فيه، ثم عادت ونشطت، واليوم يتكرر المشهد، ففي أيام الحرب انعدمت الحركة في وسط بيروت، وها هي تتلمس الطريق نحو الافضل.

وسط بيروت يمثل واقعاً مهمًا في الحياة اللبنانية: سياسياً لأن المجلس النيابي فيه، واقتصادياً لأنه يستقطب كل حيوية ونشاط، وهذا الاستقطاب يمثل المدخل الأساسي إلى باقي البلاد. هذا الوسط كان قبل الحرب الأهلية ١٩٧٥ عاصمة الحياة والأمل والاقتصاد، وأثناء الحرب الاهلية خسر هذا الأمل ، وكانت هذه الخسارة بمثابة الضربة القاضية، وبعدما أعيد بناء هذا الوسط، شعر اللبناني بأن الأمل عاد إليه مجددًا، لأن رغبة الحياة فينا أقوى وليصطدم اليأس بدافع الرغبة النابضة في أعماق كل مواطن.


كورنيش المنارة
في الجهة المقابلة، وعلى ضوء أعمدة ناطحات السحاب المشيدة على طول الكورنيش، حيث المطاعم المقاهي تكتظ بالزبائن بحركة نشطة ومهمة على عكس أسواق بيروت التي تشهد حركة جدًا خجولة وإقفالًا تامًا لكل المطاعم والمقاهي والمولات التجارية ومحلات الصاغة والمكتبات. عند المنتزه الشعبي لمدينة بيروت الساحلية، الكورنيش يعج بالناس من كل الفئات العمرية، وبكل أشكال الباعة المتجولين التي تشكل عجلة اقتصادية محلية على نطاق ضيق نوعاً ما، بإنتاج محلي من بيع الألعاب (البالونات الملونة للأطفال، السكاكر، عرانيس الذرة الذهبية الشهية، غزل البنات) ها هو المواطن اللبناني، بعض التجمعات الصغيرة للشباب بين رقص ودبكة تضفي مظاهر البهجة والفرح رغم كل الأسى الذي نعانيه، “البصارة” والتي قالت: “لي عندك بشارة…!”

اترك ردإلغاء الرد