ميليشياتنا سبقت داعش بعقود
الحرب الأهلية لم تتوقف.. بل مستمرة

/رائد الخطيب-الرائد نيوز/


قبل يومين مرت الذكرى الـ48 لانطلاقة الحرب الأهلية اللبنانية، بالنسبة لجيلي الحرب الأهلية، ليست مجرد ذكرى، بل جرح عميق لم ولن يندمل ولو بلغت أعمار هذا الجيل عمر النبي نوح عليه السلام، الذكرى هي للذين لم يصابوا وعائلاتهم بعمليات قتل وتهجير واغتصاب، هي لأولئك الذين شاهدوا عن بعد ما حدث، هي لأولئك القتلة السفاحين، الذين أجروا أنهاراً من الدم، ويستلذون باجترار الذكرى كلما لاحت فرصة ولو بسيطة لإمكان العودة.

صحيح أنّ مجرمينا مارسوا طقوس رادوفان كاراجيتش، لكنهم لم يلقوا مصيره بل هم نالوا الأوسمة والأموال، ومنهم من وضع دواوين شعرية عن السلام، ومنهم من تدمع عينه بمجرد رؤية طفل يبكي لفقدان لعبته.

بالنسبة للعائلات التي ارتقى منها شهداء وضحايا، ف١٣ نيسان، ليسَ مجرد ذكرى بل جرح غائرٌ، سيورثه جيل إلى الجيل الذي يليه، وسيورث كمية الوجع الذي نال إلى الأولاد والاحفاد، صحيح أن اتفاق الطائف وضع للحرب أوزارها، لكن
الطقوس التي مارستها الميليشيات اللبنانية، ما تزال قائمة في الذاكرة، تنتعش عند أي حدث طائفي، كمسألة الاختلاف على التوقيت قبل أسبوعين من اليوم، حيث أظهرت هشاشة التعايش وكل الخطابات الشعرية عن العيش المشترك، وتبين أنها مجرد أزهار وورود صناعية، لا تقتنى الا للمناسبات، وسرعان ما يتم رميها أو التخلص منها.

الافعال التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية، والتي سبقت ظهور داعش بعقود، تضع أفعال داعش صفراً على شمالها، فالقتلة في لبنان كانوا ساديين إلى درجة لا يستطيع عقل بشري تصوّر حجم “الدريكولات” الذين تفننوا في استباحة الضحايا ولعق دمائهم، ماذا لو اطلع أطفالنا على أساليب القتل والتفنن في الاغتصابات والسحل وتقطيع الآذان؟!.

آلاف الكتب والوثائق عن الحرب الأهلية، وآلاف النظريات المتبادلة حول صوابية كل فريق في قتل الفريق الآخر، آلاف الدراميات والتراجيديات، آلاف التصورات المبنية على وهم أننا نعترف الآن لنرتاح، لنؤكد أن القتل كان عبارة عن ضرورة لا بدّ من اقترافها، لإنتاج لبنان أكثر نضارة واشراقاً، أكثر حضارة وسلاماً، هكذا برر القتلة افعالهم، وهكذا يظهر القتلة في أثواب الوعاظ وملامح النّسّاك، هكذا هم الآن في الصدارة وكالعادة في وطن مثل لبنان، يُكافأ الجلاد وتحاسب الضحية، يفوز لاعقو الدماء بالمناصب والألقاب، وليس للضحايا الا القبور والعتمة وسد كل الأبواب في طريقهم إلى الحياة.

لا..الحرب الأهلية ليست مجرد ذكرى، بل هي آلام مستمرة، واليوم هي حرب أهلية بسلاح جديد، سلاح يدفعنا إلى الهروب بأبنائنا إلى الخارج، الهروب بهم إلى قوارب الموت، إلى الانتحار….، كلمة “تنذكر وما تنعاد” مجرد شعار أو لنقل أمنية غير قابلة للحياة، فالمجرم بدّل طريقة القتل ولم يغيّر أبداً من عاداته ونواقصه وعقده النفسية، بل يمارس كل ذلك باحترافٍ عال، ماذا عن الحرب المالية المستمرة منذ ٤ سنوات، قراءة بسيطة في أعداد المهجرين قسراً من لبنان، كافية للاستدلال أن الحرب الأهلية مستمرة، بل هي وجه جديد ومستعار من الهروب الكبير الذين كان يحصل مع التهجير المستمر، إن اعداد الذين لم يعودوا قادرين على شراء ربطة خبز، بسبب السعر، هي وجه آخر لعدم قدرة أهلنا للوصول إلى الافران بسبب اشتداد المعارك والقصف، المقارنة بين منطق الحرب الاهلية التي سادت ومنطق الحرب الباردة اليوم، هما منطق واحد، أن أمراء الإجرام لم يتغيروا، بل أنتجوا جيلاً يملك الذكاء الكافي لممارسة هواية المجرمين الأوائل.

هم، هم أمراء الحرب ما يزالون ينظرون إلينا من عليائهم فوق جثث أهالينا، وما يزالون يتحكمون بمفاصل الحياة والموت، وما يزال الضعفاء يرفعون شعار العيش المشترك.

اترك ردإلغاء الرد