الفوضى والطمع يسببان مقتل الأبرياء
نوال حبشي نجا-الرائد نيوز
هذا هو مبنى “البيغ بايت” الكائن في منطقة التل بجانب شارع المصارف، وقد شهد هذا المبنى التراثي فكفكة أحجاره الرملية واستبدالها بالباطون المسلح، وتم تغيير معالمه بشكل كلّي، وزيادة طوابق عليه، وآخر مشهد للتعديات نراه اليوم من خلال هذه الصورة التي تبين الاعتداء بصورة صارخة على حق المرور، وذلك ببناء جدار حديدي مغلق يمنع المواطنين من المشي على الرصيف..
فأين البلدية مما يجري؟ ومن سمح لهم بكل ذلك؟ إذا كانت هذه التعديات الحاصلة في وسط المدينة فما أدرانا ماذا يحصل في قلب المدينة بعيداً عن الأنظار؟!
عند وقوع الزلزال في ٦ شباط وتأثر لبنان بهزة أرضية بقوة ٥.٥ على مقياس ريختر، شهدنا اجتماع طارىء لنواب طرابلس والشمال، وجولات ميدانية لبعض النواب يتفقدون مناطق ضهر المغر والقبة، وحارة البرانية، والتبانة، وقلب طرابلس القديمة.
فيما أن هذه المناطق الطرابلسية القديمة والتي تشكل الثقل الحضاري والإرث التاريخي للمدينة، ولم تقم أي بلدية أو سلطة أو جمعية بترميمها أو تجميلها أو الحفاظ على نظافتها، بل نجد العشوائية والفوضى تلتهمها وبشراهة وكأن المقصود أن تبقى طرابلس مهملة ومتعمد أن تتشوه وتُنسى للقضاء على جوهرها ومضمونها العثماني المملوكي بالهندسة والبناء.
في اتصال للرائد نيوز مع د. محمد شيخ نجارين:
“حيث أنّنا إذا أردنا توجيه أصابع الاتهام والمسؤولية فكلهم مسؤولون، مناطق طرابلس القديمة عمرها مئات السنين وشهدت العديد من الحروب الأهلية وطوفان أبوعلي سنة ١٩٥٥، وهي مصدعة بشكل كلّي، ومع ذلك تم البناء عليها ١٠٠٪ من قبل سكانها وقاطنيها بترخيص من نائب ما أو غض نظر من بلدية بسبب النائب الذي أوعز إليهم لكسب أصوات الناخبين، بدلاً من وضع خطة لجلب الاستثمارات والجمعيات الأوروبية التي تهتم بالترميم والبناء.
كلفة الدين العام على لبنان ٨٠ مليون دولار، وهذه المناطق يُعاد إعمارها وبنائها ب ٢مليون”.
المشكلة تكمن في مطامع الناس وعدم إدراك الشعب للمخاطر التي تحيط بنا، من العمران العشوائية على أسطح الأبنية، إلى توسيع الصالات وإزالة الأعمدة الأساسية، أو سحب الحجر الرملي القديم وسد الفراغ بالباطون، وهناك ظاهرة تصغير البيوت، فكل شقة سكنية بمساحة ٢٢٠م، يتم قسمتها إلى اثنين أو ثلاثة للإستفادة من بدل الاجارات، كراجات الأبنية تحولت لمساكن….
الطمع سيد الموقف
جُلُّ الاهتمام هو المال، المال فقط، لا حساب للقدرة الاستعابية لهذا البناء أو ذاك.
لا تفكير ولا تدبير، لا استعانة بخبير آثار أو مهندس عمار، لدراسة عمر البناء وترميمه كل ٥ أو ٦ سنوات مرة، البلدية في سبات وكذلك المخفر والشرطة والأهم غياب أخلاق وضمير بعض من المتعهدين والمقاولين، وصاحب المشروع حيث أن لغة المال هي الحاكمة وهي المسيطرة والمسيسة لأكبر مخالفة.
بعد الزلزال المدمر الذي تركيا، شهدنا اعتقالات بالمطارات لمتعهدين بناء وقعت المباني التي شيدوها بفعل الزلزال محاولين الهروب، بينما في وطني من لديه سطح ويريد البناء عليه، أو حتى احتلال الرصيف العام المخصص للمشاة، عليه زيارة مكتب النائب المرشح وعرض لائحة بعدد أصوات الناخبين من العائلة والمعارف والأصدقاء، فيحصل على رخصة بناء أو تغاضٍ عن المخالفة في البناء والتعدي على الأملاك العامة.
المصالح الذاتية تتصدر المشهد
فقد اعتدنا أن تكثر المخالفات في موسم الانتخابات، فعند الوقوف عند أول مرتفع يبعد بعض الكيلومترات عن المدينة، ولهول المشهد ناكد نجزم بأنّه لم يعد هناك سطح بناية بطرابلس، إلاّ وقد عُمّر عليه شقة أو شقتين من قِبَل المالك للإيجار، والبلديات منحلة أو مستقيلة مما يعني إنّ الأمور خارج السيطرة والضبط.
ابن خلدون: “إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره و زيِّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”
فإن لم يكن الحاكم شبيح للأملاك العامة من استباحة الشواطئ وتحويلها إلى منتجعات خاصة، وكذلك الأرصفة والساحات لما تجرأ أفراد عامة الشعب الاعتداء على ما ليس لهم.
