ماذا بعد “بوتين الرّهيب”؟

ببرودة الجليد الحارق لكأس من الفودكا المتلألئة، تمتعت منذ أيام بقراءة رواية واقعية وخارقة في بصيرتها. فرغم أن جوليانو دي أمبولي، السويسري ومدرس العلوم السياسية في باريس، أنجز روايته “Le Mage du Kremlin” عام 2021، فإنه يروي (مستخدماً اسماً مستعاراً) وبفرنسية طاغية الجمال، سيرة فلاديسلاف سوركوف، مدير شؤون بلاط بوتين، ليحكي، مع بعض الخيال الثاقب، مسيرة بوتين في حكمه الشمولي.

الإمبراطورية، والترياق المضاد للنهوض القومي والهويات الوطنية. وما إن انهار ذاك الانحراف التاريخي الذي مثلته الشيوعية، انهارت معه الأكذوبة الأممية، لتنفجر القضية القومية في شرق أوروبا من جديد.
لكن بعض الحظوة الروسية بقي مدمناً بإصرار على لوثته القيصرية! وبحسب معرفة كيسنجر، فرغم براغماتيته، يسود الرئيس بوتين وهم الإمبراطورية الروسية حتى العظم.

الإمبراطوريات لا تقبر إلا على يد الحركات القومية للتحرر الوطني. إنها هي التي تطلق طلقة الرحمة في رأسها المتفسخ. كذلك فعل غاريبالدي، وأتاتورك وغاندي وحركة التحرر الجزائرية، وصولاً إلى زيلينسكي! فلكي تقضي على اللوثة الإمبريالية، تحتاج لأن تبلور هوية وعصبية وطنية بديلة، ولقد فعلها الأوكرانيون.

هذا ما غاب عن بوتين. فبقي يستحضر المفردات الإمبراطورية الأوروبية العتيقة ذاتها، من نفي وجود الدول والأمم والقوميات التي يشتهي التهامها. وبحسب تصريحاته الشخصية، فلا الأمة المولدافية، ولا الجورجية، ولا الأوكرانية ولا الكازاخية موجودة ولا هي جديرة بأن تكون. وحسبها أن تلتحق بعظمة روسيا الأم. وحين تحتفل صحيفة كوسمولسكايا برافدا بثلاثة ملايين أوكراني يساقون من بلادهم مهاجرين قسريين، فذاك لأنهم يلتحقون بـ”أمهم روسيا”.

وإذ أجد نفسي واثقاً بانتصار أوكرانيا تاريخياً، فلأن روسيا تخوض في القرن الحادي والعشرين، حرباً بعقلية إمبراطورية القرن التاسع عشر، وبالتكتيكات الصدئة للقرن العشرين.



لعل حرب أوكرانيا تكون آخر حروب روسيا مع ذاتها العتيقة، وضد ماضيها القيصري. فأمامها خياران: إما دورة جديدة من الحروب الإمبريالية، أو أنها كما قال شولتس، تجعل أوروبا “الخيار الاستراتيجي”. يعني ذلك بديهياً، أن أوكرانيا يجب أن تنتصر، وأن تخسر روسيا لعنة “إيفان الرهيب”، لتفوز بحق ذاتها العظيمة.

كانت الإمبراطوريات كبيرة دوماً! وروسيا بدورها أكبر 28 مرة من أوكرانيا وناتجها المحلي تسعة أضعافها، وسكانها أكبر بـ 3.3 مرات، وتعداد قواتها عشرة أضعاف، وقوتها النارية عشرين ضعفاً، واقتصادها من الحجم الكبير وتملك موارد طبيعية هائلة، ولا يزال لديها التدفق النقدي لشن حرب استنزاف.

لكن التاريخ لا ينحاز للحجم، بل لقوى المستقبل. وإذ تتعفن الإمبراطوريات وتتفسخ في انتظار نمو نقيضها التاريخي، لا يعود بيت القصيد هو الحجم، بل مدى التعفن والتخلف عن روح العصر. وما رأيناه منذ 24 شباط (فبراير)، من فساد يبدو كافياً لتحديد طبيعة المعركة، حتى لو تعثر البديل.

كما كنت في باريس ولندن، أكاد أحلم في عهد قريب بجولة سياحية في الساحة الحمراء، لأستعرض بعينين باردتين أطلال إمبراطورية روسية قديمة-حديثة، وأشهد آسفاً خيبة آخر أباطرتها، “بوتين الرهيب”.

أما الإمبراطوريات في مشرقنا، فمشاريعها متواضعة يتلاعب بها بعض الأفّاقين من عيار، بن لادن، ونصر الله، وصدام، وفي أحسن الأحوال عفلق، والبنا. ولعل في ذلك خيراً!

/النهار/

اترك ردإلغاء الرد