هند مطر تكتب عن “امرأة من بيروت”

عماد الدين فارس /الجزيرة

حريق مرفأ بيروت (الجزيرة)


“نحلم، ونحقق وننجز بمجهودنا الفردي كي نصل إلى ما نطمح إليه، وبعاصفة واحدة يُهدم ما بنيناه بدم بارد، ثم ننهض من جديد، ننفض الغبار عن أجسادنا، ونعيد بناء ما خلفته العاصفة الهوجاء، نبدأ بعزم وإرادة أقوى، لأننا شعب لا يعرف اليأس ولا الاستسلام، نؤمن بكفاءاتنا ونفتخر بثقافتنا وبفكرنا الجبار.

نتقدم رغم أنف الحروب، ولن نتخلى عن أمجاد الماضي بقيمه وعزته. نتعلم، مع أننا ندرس على ضوء الشموع الذي يمثل الصبر والصمود. نبدع، رغم لهيب الطائفية”.

بهذه الكلمات تلخص هند مطر روايتها “امرأة من بيروت” الزاخرة بالأفكار والرؤى والانتكاسات والطموحات، فجاءت هذه الرواية لتحكي عن التاريخ المعاصر القريب لـ”ست العواصم”، بيروت، وما شهدته من مآس وأحزان منذ الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975 حتى كارثة انفجار مرفأ بيروت سنة 2020، فترصد المشهد السياسي والمجتمعي عبر قصة حياة “جيهان” بطلة الرواية، وما رافقه من آلام اللبنانيين المنكوبين ببلدهم الرازح تحت ألوان من الحروب المتلاحقة وأحلامهم بالاستقرار والأمان.

جيهان التي ولدت مع بداية الحرب تسير على خطى أبيها “الغائب” عن حياتها، “الحاضر” في وجدانها، تسافر إلى فرنسا لدراسة الصيدلة، وحلم إعادة فتح صيدلية والدها في وسط بيروت يراودها. الصيدلية التي كانت شاهدة على خراب المدينة ودفْع أبيها الصيدلاني حياته ثمنا مع انطلاق شرارة الحرب الأولى.

“ومع شرارة الحرب الأولى، سقط صاروخ على الصيدلية واستشهد كل من بداخلها، أبي واثنان من الموظفين. كنت حينها لم أبلغ عامي الأول، فيتمتني الحرب من بدايتها، فلا أذكر أبي ولا حتى ملامحه وصوته لم أتعرف عليه شابا ولا كهلا، فقد سرقته تلك الحرب اللعينة، لم ألفظ قط كلمة (بابا). كلما اشتقت إليه كنت أقف أمام صورته المعلقة على الحائط، أنظر إليه مطولا، يعتصر الفؤاد ألما على فراقه”.

الذكريات
لم يتبق للبناني من وطنه سوى بقايا ذكريات يمني بها النفس ويسترجع بها الماضي المجيد؛ فبيروت، المدينة الحسناء، لم تبق الحرب من حسنها إلا قليلا من الذكريات وكثيرا من الدموع والأحزان “أخذت عمتي تشير بإصبعها إلى ذاك المكان وتلك السينما المشوهة التي كانت ترتادها برفقة أبي.. وذاك المحل وتلك الساحة وبقايا عمود الساعة الذي كانت تلعب تحته.. إنها ساعة البرج.. آه يا جيهان كم كانت الأيام جميلة، وكم كنت بحاجة لاسترجاع تلك الذكريات.

قالت أمي بغصة: لا زلت أعيش تلك الذكريات.. لا تفارقني أبدا بلحظاتها ودقائقها.. منها أستمد قوتي واستمراري في الحياة.

صرخت من أعماق قلبي: تبا لتلك الحرب ومسببها.. تبا لعقول القادة الفارغة، تبا لسياستهم الخبيثة التي خلفت هذا الكم الهائل من الدمار.. من أجل من؟ ولماذا؟”.

جيهان في فرنسا
قضت جيهان سنوات دراستها الخمس في باريس متلهفة للوفاء بعهد قطعته عند قبر أبيها، بأن تعود إلى لبنان لتنتشل صيدلية بيروت من ركام الموت وتعيد إليها الحياة وتحيي ذكرى أبيها.

ويوم 14 فبراير/شباط 2004، تزوجت البطلة من ابن عمتها الذي أحبته وأحاطها بالحنان والحب، ثم أنجبت منه طفله الأول (فريد) مايو/أيار 2005، ثم في مايو/أيار 2006 أنجبت منه التوأم (هلا) و(غسان) تيمنا باسمي أبيها وعمتها، التوأم الذي فرقتهما الحرب الأهلية اللبنانية، فقتلت غسان وهجرت هلا إلى فرنسا.

اغتيال الأحلام
شهدت بداية الألفية الثالثة تحولات عديدة أعادت الأمل إلى الشعب الذي لا يموت، ففي 25 مايو/أيار 2000 تم تحرير الجنوب اللبناني، “وصار يوم عيد وطني للبنان، وعاد الجنوبيون إلى أراضيهم التي جلبت بدماء الشهداء”.

لم تدم فرحة جيهان طويلا، وكذلك حال اللبنانيين، ففي 14 فبراير/شباط 2005 وقعت جيهان مغمى عليها بسبب الانفجار الذي أدى إلى مقتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. إنهما الموت والحياة يصطرعان في لبنان.

ثم “توالت الاغتيالات المتلاحقة لشخصيات بارزة عام 2005، ودخل لبنان مرحلة خطرة بعد سلسلة سيارات مفخخة زرعت في كافة المناطق اللبنانية.. آه يا بيروت، لا يليق بك الحزن ولا السواد.. آه يا بيروت”.

وفي 12 يوليو/تموز 2006 “شنت إسرائيل هجوما جويا على لبنان طال محطات الكهرباء، ومطار العاصمة وشبكة الجسور، فتدمرت البنية التحتية بشكل كامل.. وتسببت الحرب في خسائر اقتصادية قدرت قيمتها بنحو 2.8 مليار دولار”.

وفي الرابع من أغسطس/آب 2020 “عند الساعة السادسة و8 دقائق اهتزت العاصمة بيروت.. بل رجت الكرة الأرضية بأكملها بانفجار ضخم أيقظ الأموات وأمات الأحياء. انفجرت بيروت وانفجر معها قلب أمي.. ولم يأت أخي (جاد).

انفجرت حنجرتي صراخا.. أمي، أولادي، بيروت، آه يا بيروت وآه يا أمي، ركضت وسط ركام الزجاج أنتشل التي حملتني في بطنها أقبل يديها وأبعد الزجاج عن وجهها وأناديها بأعلى صوتي.

أرجوك يا أمي لا تتركيني لا تغمضي عينيك وترحلي.. يا وطني، يا مدينتي أنت يا أمي، يا ترنيمة السماء ويا طهر العذراء.

استفقت من هول الزلزال على مأساة لا دواء يشفيها ولا زمن يداويها.. رحيل أمي وأخي (جاد) الذي لم ندفن منه سوى أشلاء، وعلى ركام الصيدلية واغتيال الأحلام”.

الخلاصة
عبر تنهيدات الحزن وزفرات الأسى، استطاعت هند مطر أن توثق تاريخ بيروت من خلال قصة حياة شابة لبنانية ولدت مع رصاصة الحرب الأولى، عاشت يتيمة بعد أن قتلت الحرب أباها الذي لم تره، ثم أكملت دراستها في فرنسا وسكنت في بيت عمتها التي هربت من الحرب المشتعلة في لبنان، لتعود إلى بيروت محققة حلم العمر وتفتح الصيدلية التي شهدت مقتل أبيها ودمار بلدها.

لم يرتو صناع الحروب من دماء الأبرياء في بيروت، وبعد أن فجعت جيهان بأبيها الذي لم تره، فجعت بأمها وأخيها في انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وكأن قدر لبنان أن يعيش الحرب أبد الدهر، وكأن قدر اللبناني أن يولد على أصوات الرصاص ويموت بشظايا الانفجار، أو “يكون الفرار خيارهم الوحيد للبقاء على قيد الحياة، تاركين أرواحهم في الوطن، يهاجرون بالجسد فقط، ثم يعودون إما في صناديق خشبية أو يدفنون في الغربة” كما دفن “أبو داني” زوج عمة جيهان في فرنسا.

كانت لغة الرواية لغة بسيطة أقرب إلى العامية منها إلى الفصحى، وربما هذا مما يؤخذ على الكاتبة، كما أنه مما يؤخذ عليها سرعة أحداث الرواية، مما قد يفقد القارئ عنصر التشويق، وقد أدى هذا التسرع الملاحظ في أحداث الرواية إلى النقص في بعض مشاهدها، كما حدث في نهاية الصفحة 115، أضف إلى ذلك كثرة الأخطاء الطباعية التي اعترت النص، وأبرزها خطأ في عنوان الرواية إذ كتبت كلمة “امرأة” بهمزة قطع في أولها.

وقعت الرواية في 132 صفحة من القطع المتوسط، موزعة على 5 فصول، استطاعت فيها الكاتبة أن تصور أحداث التاريخ السياسي عبر التاريخ المجتمعي في أدق تفاصيل حياة بطل الرواية وحياة أسرتها، لتنقل إلى العالم معاناة بيروت وسكانها بآلامهم وأحزانهم، بعيدا عن نفاق السياسة وكذب الإعلام.

وبكلمات تنزف ألما وحزنا يعتصر قلب هند مطر، تختتم الكاتبة اللبنانية روايتها بقولها “لبنان لا ينقصه سوى السلام ليكون في مصاف الدول الأولى.. لو كنا ننعم بالأمن والسلام، لو وفرت الدولة الدعم والأمان وطالبت بعودة المغتربين ذوي الأدمغة والكفاءات العالية؟ أتتخيلون أين نكون!!! كنا ننافس أقوى الدول وأعظمها”.

اترك رد إلغاء الرد