لغة جديدة لقرار التمديد لقوات الـ”يونيفيل” تغضب “حزب الله”

أثار قرار تجديد ولاية قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام العاملة في جنوب لبنان  (يونيفيل)، الذي صدر عن مجلس الأمن في 31  أغسطس (آب) الماضي تحت الرقم (2650) والملابسات التي رافقته لغطاً واسعاً على جبهتين في لبنان خلال الأسبوع الحالي، فاعترض “حزب الله” على فقرات فيه وكذلك وزارة الخارجية اللبنانية، فيما قامت ضجة عالية اللهجة حيال ما سبقه من مداولات ومسودات جرى تسريبها عن أن السلطات الرسمية اللبنانية اقترحت تضمينه فقرات تستبعد اعتبار القرارين 1559 (صدر عام 2004) و1680 (عام 2006) وأحكام “اتفاق الطائف” (الذي أنهى الحرب اللبنانية)، من مرجعيات مبدأ “بسط سيطرة الحكومة الشرعية في الجنوب”، حيث تتواجد قوات “يونيفل ” تنفيذاً لأحكام القرار الدولي رقم 1701 الذي صدر في عام 2006 لإنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان.

عبارات مختلفة عن القرارات الروتينية السابقة

وطوال السنوات الستة عشرة الماضية من ولاية القوات الدولية في جنوب لبنان لم يثر التجديد السنوي لعملها في الجنوب ضجة سوى مرات قليلة، إذ كان ذلك يمر عموماً بسلاسة وبإجماع الدول الأعضاء الـ 15 في مجلس الأمن، خصوصاً أن الدول الخمس الدائمة العضوية فيه تتفق على أن وجود هذه القوات في جنوب لبنان ضرورة من أجل حفظ الاستقرار في المنطقة، ولبعضها مثل فرنسا والصين وحدات رئيسة في عدادها من أصل 48 دولة، بينها دول تتمتع بالعضوية الموقتة في مجلس الأمن أيضاً.
لكن اللغط الذي أثاره قرار التجديد الأخير وأدى إلى اعتراض “حزب الله” والخارجية اللبنانية يعود إلى أنه نص على عبارات إضافية على عبارات القرارات السابقة التي كانت تصدر بشكل روتيني، تتعلق بحرية حركة قوات “يونيفيل” في منطقة عملياتها، سبق أن جرت محاولة تضمينها قرارات سابقة، من دون أن تحظى بإجماع الدول الأعضاء الخمسة عشرة، فكان يجري صرف النظر عنها، خصوصاً أن الجانب اللبناني كان يطلب تجنبها نظراً إلى اعتراض “حزب الله” عليها كونها تعطي حرية حركة للقوات الدولية في الجنوب بمعزل عن الجيش اللبناني، وكانت فرنسا تتفهم وجهة النظر اللبنانية وكذلك دول مثل روسيا والصين

حرية حركة “يونيفيل” من دون إذن وباستقلالية

 فالفقرة 16 من قرار التجديد الأخير التي تناولت (مع الفقرتين 15 و 17) حوادث التعرض لدوريات القوات الدولية في القرى وعلى الطرقات في منطقة عملياتها جنوب نهر الليطاني، تنص عادةً كما في كل قرارات التجديد السابقة على “حث جميع الفرقاء (في الجنوب) على التعاون التام مع رئيس البعثة الدولية و”يونيفيل” في تطبيق القرار الدولي الرقم (1701)، و”على كفالة الاحترام الكامل لحرية التنقل للقوة الموقتة في كل عملياتها ووصولها إلى الخط الأزرق، وعدم إعاقتها وفقاً لولايتها وقواعد الاشتباك الخاصة بها. ودان القرار بأشد العبارات كل محاولات تقييد حرية حركة القوة الموقتة وكل الهجمات على أفرادها ومعداتها وكذلك كل أعمال المضايقة والتخويف، ودعا حكومة لبنان إلى تيسير سبل وصولها على وجه السرعة وبالكامل إلى المواقع التي تطلبها لإجراء تحقيقاتها بسرعة”. وهذا النص ورد في قرار التجديد الذي صدر عام 2021 تحت الرقم (2591) ، ولم يثر اعتراضاً لبنانياً.
إلا أن القرار الجديد هذه السنة، أضاف في معرض تشديد مجلس الأمن على “كفالة حرية حركة القوات”، العبارة الآتية، “بما يتوافق مع ولايتها وقواعد الاشتباك، بما في ذلك تجنب أي مسار أو عمل من شأنه أن يعرض موظفي الأمم المتحدة  للخطر ويؤكد من جديد أنه، عملاً باتفاق الإطار في شأن وضعية قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (صوفا) بين حكومة لبنان والأمم المتحدة، لا تحتاج يونيفيل إلى إذن مسبق أو الإذن للاضطلاع بالمهمات المنوطة بها، وأنها مخولة للقيام بعملياتها في شكل مستقل”.
كما أن الفقرة (17) من القرار الأخير نصت على مطالبة “الأطراف بوقف أي قيود وعوائق على حركة أفراد يونيفيل وضمان حرية حركتهم، بما في ذلك السماح بتسيير الدوريات المعلن عنها وغير المعلن عنها”.

تحفظ “حزب الله”: تطور خطير واحتلال
من جهته، اعتبر “حزب الله” عبر قناته التلفزيونية “المنار” في السابع من سبتمبر (أيلول) الحالي، أن مجلس الأمن بقراره الجديد يعطي “يونيفيل” حرية الحركة بمعزل عن الجيش اللبناني، ورأت القناة أن القرار الجديد يناقض القرار (1701)، واعتبر أحد المعلقين الموالين للحزب أنه يحول القوات الدولية إلى “قوة احتلال”، فيما سأل الشيخ محمد يزبك، عضو قيادة الحزب والوكيل الشرعي في لبنان للمرشد الإيراني علي خامنئي، في التاسع من سبتمبر، “أين المسؤولون عن قرار مجلس الأمن بإعطاء القوات الدولية في الجنوب حرية الحركة، وعلى الأطراف اللبنانيين التسهيل وعدم الحاجة إلى إذن من الجيش بحركة دورياتها المعلنة وغير المعلنة”؟. واعتبر  يزبك أن “هذا نقض للاتفاقات السابقة، وتطور خطير يحول القوات إلى قوات احتلال، ودورها حماية العدو الإسرائيلي بتعقب الناس والمقاومة، ولم يُسمع صوت ولا موقف لمئات الخروق الإسرائيلية من قبل القوات الدولية، فكيف سيكون حالها بعد إطلاق اليد؟ إن اتخذ القرار على حين غفلة من الحكومة ووزارة الخارجية فتلك مصيبة، وإن كانوا على علم فالمصيبة أعظم، فالقرار مؤامرة على لبنان وسيادته”.
واتصلت قيادة “حزب الله” بالمسؤولين اللبنانيين للاستفسار عما يقلقها في شأن تحرك قوات “يونيفيل” من دون إذن، فوعدوا بالتواصل مع قيادتها لإثارة الأمر معها.

الخارجية والدفاع تتحركان للاستفسار

وأصدرت وزارة الخارجية في السابع من سبتمبر بياناً أكد احترام لبنان لكل قرارات مجلس الأمن والتزامه بها، مؤكدةً أنه من غير الوارد أن يطلب ولم يطلب حذف الإشارة إلى القرارين (1559) و(1680) في متن قرار التجديد لـ”يونيفيل” الذي صدر أخيراً، وذلك في ردها على التسريبات حول اقتراح لبنان صياغةً تتجاهل هذين القرارين كمرجعية في شأن بسط سيطرة الحكومة في الجنوب.
لكن الخارجية لفتت إلى أن قرار مجلس الأمن بالتجديد لـ “يونيفيل”، “يتضمن لغة لا تتوافق مع ما ورد في اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان مع الأمم المتحدة، وقد اعترض لبنان على إدخال هذه اللغة”، والمقصود بذلك ما ذكره القرار عن عدم حاجة القوات إلى إذن من أجل القيام بدورياتها، وعن حرية قيامها بتلك الدوريات “المعلنة وغير المعلنة”. واجتمع وزير الخارجية عبدالله بوحبيب في اليوم التالي إلى قائد القوات الدولية الجنرال أرولدو لاثارو للبحث في “أهمية استمرار التعاون والتنسيق الدائم مع الجيش اللبناني لإنجاح مهمة القوات الدولية”، كما اجتمع وزير الدفاع موريس سليم إلى الجنرال لاثارو للغرض نفسه، وأكد أن الأجواء إيجابية.

يونيفيل”: لا تغييرات على الأرض

وعُلم أن الجنرال لاثارو أكد للوزيرين اللبنانيين أن لا شيء سيتغير على الأرض في حركة “يونيفيل” بالتنسيق مع الجيش اللبناني، وأن القرار يعكس أموراً سبق أن قيلت أو صدرت عن مجلس الأمن، كما أن القرار (1701) نفسه الذي أنشأ قوات “يونيفيل” المعززة عام 2006 ينص في إحدى فقراته على قيام القوات بدوريات من دون إذن مسبق، وأن سعي القوات الدولية للقيام بدوريات بالتنسيق مع الجيش تواجهه أحياناً صعوبات نظراً إلى انخفاض عديده في الجنوب من أكثر من 10 آلاف إلى ثلاثة آلاف عسكري، ما يدفع الدول الأعضاء في مجلس الأمن إلى تكرار المطالبة في القرارات بتعزيز انتشار الجيش في الجنوب ورفع عديده، كما عُلم أن “يونيفيل” ستستمر بالقيام بالدوريات في الجنوب من دون أن يرافقها الجيش كما هي الحال منذ سنوات.
وأكد الناطق باسم “يونيفيل” في الجنوب أندريا تيننتي لـ “اندبندت عربية” أن التعاون على الأرض لن يتوقف مع الجيش والحكومة اللبنانية وسيتواصل كما كان سابقاً. كما أوضح أن الفقرة المتعلقة بالدوريات “المعلن وغير المعلن عنها” موجهة إلى الفرقاء على الأرض وليس إلى الحكومة اللبنانية، كون “يونيفيل” تنسق مع الأخيرة أصلاً.
وأوضحت مصادر رسمية وأخرى دولية أن اجتماع كل من الوزيرين بوحبيب وسليم إلى قائد “يونيفيل” كان إيجابياً، فالجانب اللبناني يرى أنه إلى جانب نص القرار (1701) وسائر القرارات فإن توافقاً جرى بين القوات الدولية وبين الدولة اللبنانية على أن يحصل تنسيق في تحركاتها في منطقة العمليات.

المضايقات وقلق الدول الأعضاء من الوضع الهش

 على الرغم من التوضيحات الدولية للجانب اللبناني فإن الأوساط المراقبة رأت أن في القرار الجديد لغةً مختلفة عن القرارات السابقة أكثر تشدداً حيال الوضع في الجنوب، تعود إلى أسباب عدة منها:

تزايد حوادث المضايقة والتعديات ضد دوريات “يونيفيل” في بعض القرى والبلدات، من قبل أنصار “حزب الله”، التي تأخذ منحى استفزازياً في بعض الحالات، ولذلك ذكّر القرار الدولي الأخير بوعود السلطات اللبنانية بالتحقيق في تلك الحوادث وجلب مرتكبيها إلى العدالة منذ عام 2011 حتى الآن، وبهذا المعنى أرادت الدول الأعضاء تذكير الفرقاء على الأرض الذين ينكرون حق حرية الحركة بمنطوق القرار الدولي 1701. ويعتبر أعضاء مجلس الأمن أن الهدف من المضايقات هو تخويف القوات الدولية وأنه لا بد من اتخاذ موقف متشدد إزاء ذلك، وإدراك البعثتين الصينية والفرنسية أن ما يجري على الأرض أسهم في تمرير اللغة المتشددة في القرار الأخير، وغالباً ما كانت التعديات كما تصفها قرارات مجلس الأمن وتقارير الأمين العام أنطونيو غوتيريش، تحصل عند توجه الدوريات للتفتيش عن أسلحة في منطقة عملياتها، يحظر القرار (1701) تواجدها خارج إطار السلطة الشرعية، وهو أمر يثير حفيظة “حزب الله”.

وضع  22 حاوية على الحدود وعلى الخط الأزرق (الخط الموقت للحدود الذي جرى رسمه في عام 2000 لانسحاب القوات الإسرائيلية) من قبل جمعية “أخضر بلا حدود” التي يتردد أنها تابعة لمناصري “حزب الله”، يُستخدَم بعضها لمراقبة الحدود من قبل عناصر غير رسمية، وبعضها على بُعد سنتيمترات من الخط الأزرق، بحيث يتعذر على دوريات “يونيفيل” أن تعبر تلك النقاط، فالاتفاق بين “يونيفيل” والجيش اللبناني يقضي بعدم دخول الأولى “الأملاك الخاصة” إلا بمرافقة وحدات الجيش، وقد أثير تركيب تلك الحاويات (التي تعد من الأملاك الخاصة) على الخط الأزرق في اجتماعات سابقة لمجلس الأمن في نيويورك، وسط أسئلة من الدول الأعضاء عمن وضعها وما سبب ذلك وهل تحوي أسلحة، أو مقاتلين…

 إن عدداً من الدول الأعضاء في مجلس الأمن له وحدات في عديد “يونيفيل”، وتتلقى عواصم هذه الدول تقارير من هذه الوحدات عن الحوادث التي تحصل في جنوب لبنان وقرب الحدود، في ظل الوضع الهش والاستنفارات بين القوات الإسرائيلية و”حزب الله” بعد التهديدات التي أطلقها الأخير قبل شهرين المرتبطة بمفاوضات ترسيم الحدود البحرية، بحجة منع إسرائيل من استخراج الغاز قبل إنجاز الترسيم الحدود كي يتمكن لبنان من بدء استثمار ثروته النفطية والغازية في البحر، بالتالي من الممكن أن تؤدي بعض الحوادث إلى زيادة التوتر على جانبي الحدود في وقت يحتاج الأمر إلى خفض التوتر، بينما المفاوضات مستمرة في شأن الحدود البحرية.

هوكشتاين: تقدم في مفاوضات ترسيم الحدود

في سياق التفاوض على الحدود البحرية، جرت جولة جديدة من المشاورات بين كبار المسؤولين اللبنانيين والوسيط الأميركي، كبير مستشاري الخارجية الأميركية لأمن الطاقة آموس هوكشتاين  خلال زيارة سريعة قام بها لبضع ساعات إلى بيروت في التاسع من سبتمبر الحالي، اجتمع خلالها مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ورئيس البرلمان نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، في حضور نائب رئيس البرلمان الياس بوصعب المكلف الصلة مع الوسيط الأميركي، وكذلك المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، وقدِم هوكشتاين من إسرائيل من طريق البر.

وقال هوكشتاين قبيل مغادرته بيروت إنه أجرى مناقشات ومفاوضات جيدة مع المسؤولين، وأضاف “أنا متفائل كالعادة وأشعر أننا تقدمنا في المفاوضات في الأسابيع الأخيرة، وآمل أن نتابع التقدم ونحقق شيئاً ملموساً للتوصل إلى اتفاق، وهذا الاتفاق سيعطي الأمل وينعش الاقتصاد في لبنان ويحقق الاستقرار في المنطقة وسيكون جيداً لكل المعنيين”.
وأوضح أنه متفائل بالتوصل إلى اتفاق، “لكن يجب القيام بمزيد من العمل وأميركا ملتزمة متابعة العمل من أجل حل الثغرات المتبقية لمعرفة ما إذا كان يمكننا التوصل إلى الاتفاق الذي سيفيد الشعب اللبناني، وهذا هو الهدف الذي نطمح إليه لحل هذه الأزمة”. وأعلنت السفارة الأميركية أن “الولايات المتحدة ملتزمة المساعدة في صياغة اتفاق لشعب لبنان”.

وكان الوسيط الأميركي التقى المسؤولين اللبنانيين مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي حين قدموا له اقتراحاً جديداً قوبل بردود فعل متناقضة في إسرائيل بين جهات وجدت أنه مفيد، على الرغم من أنه يتطلب “تنازلات مؤلمة” من قيادتها، وأخرى تفضل تأجيل إنجاز الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية العامة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وكي لا يكسب “حزب الله” انتصاراً سياسياً بأن الاتفاق حصل بعد تهديداته بقصف منصة استخراج الغاز من حقل “كاريش” الغازي والنفطي.

/ INDEPENDENT /

اترك رد إلغاء الرد