القطاع التربوي في لبنان يحتضر

يأتي العام الدراسي  بأعباء ثقيلة على الأهل عادة، إنما يبدو أن العبء سيكون أكبر هذه المرة مع “دولرة” الأقساط المدرسية في معظم المدارس في لبنان، استحقاق جديد يواجهه الأهل وأزمة تهدد بارتفاع معدلات التسرّب المدرسي، وإن كانت هذه الزيادة قد بدأت تسجّل بشكل واضح من بداية الأزمة، ولا يوفر الأهل جهداً للصمود ولتعليم أطفالهم على الرغم من التحديات ومنهم من يختارون الانتقال إلى مدارس أخرى أو إلى المدارس الرسمية، وهي ظاهرة سجّل أيضاً ارتفاع فيها من العام الماضي. أما الضحايا هنا فهم الطلاب الذين لم يتمكن أهلهم من الاستمرار بتحمّل تكاليف المدراس الخاصة، لاعتبارهم لم يتعلموا أكثر من 60 يوماً بسبب الإضرابات المتكررة والإقفال في معظم أيام العام الدراسي في المدارس الرسمية.

بين الدفاع والمعارضة

أزمة جديدة تطاول اليوم القطاع التربوي تنقسم فيها الآراء بين جهات مدافعة عن هذا الارتفاع الجنوني في الأقساط المدرسية الذي شكّل صفعة للأهل وتلك الرافضة هذه الزيادة “غير القانونية” بالدولار، لأن القانون 515 لا يفسح المجال لدولرة الأقساط المدرسية، ومن المفترض أن تحدّد الأقساط بناء على الموازنة السنوية التي توضع بالليرة اللبنانية. وتتضمن نفقات المدرسة من مصاريف تشغيلية وأجور أساتذة وغيرها. وبالنسبة إلى الجهات المدافعة وإدارات المدارس الهدف من هذه الزيادة بالدولار هو الحفاظ على الجسم التربوي والمؤسسات التربوية، علماً أن الأقساط المدرسية للعام الدراسي المقبل انقسمت بين جزء بالدولار الأميركي ارتأت المؤسسات التربوية تسميته بـ “صندوق الدعم” للأساتذة بهدف الاستمرار، وهو بمعدل يتراوح بين 500 دولار وصولاً إلى  4000 دولار، إضافة إلى قسم بالليرة اللبنانية هو عبارة عن القسط المدرسي الأساسي الذي تضاعف في العديد من المدارس من العام الماضي. وقد حاولت قلّة من المدارس الالتزام بالقانون عبر عدم وضع قسم من القسط المدرسي بالدولار الأميركي، وإن كانت الزيادة لديها قد حُددت “بما يضمن استمراريتها”، بالليرة اللبنانية.

“صندوق الدعم للمعلمين ودولرة الأقساط المدرسية بدعة أوجدتها المدارس بعد أن فشلت في تعليق العمل بالقانون 515 الذي يحدد نسبة 65 في المئة من الأقساط المدرسية لأجور المعلمين والعاملين في المدارس ونسبة 35 في المئة للمصاريف التشغيلية. وقد ارتأت إدارات المدارس أن تدغدغ المشاعر بإعفاء أبناء العسكريين من الدفع بالدولار الأميركي في وقت يتحمل بقية الأهل تبعات هذا الإعفاء وليس المدارس”. هذا ما أشار إليه منسق لجان الأهل في اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة قحطان ماضي، مؤكداً أن الاتحاد وقف مراراً في وجه محاولات لتعليق العمل بالقانون، أما المطالبات بإدخال الواردات كافة في موازنة المدرسة، فلم تلق أي صدى لاعتبار أن ذلك قد يلزم المدارس بإدخال المساعدات التي تصلها أيضاً في الموازنة ما يتعارض مع مصالحها. كما تبين أن المدراس الكاثوليكية تدخل أجور الرهبان أحياناً في موازناتها إضافة إلى الضرائب بينما هي في الواقع معفاة من الضريبة ومن المصاريف البلدية التي توضع في الموازنة ويتحملها الأهل كأعباء إضافية. على حد قول ماضي يتحكم “كارتيل” رجال الدين بالمدارس ومنها 600 مدرسة كاثوليكية إضافة إلى مدارس أخرى تجارية في البلاد تمشي في الاتجاه نفسه، بالتالي هم يمسكون بأعناق الأهل الذين يشكل تعليم أطفالهم أولوية لهم.

الحل قد لا يكون إلا بالشفافية في الموازنة وبالكشف عنها وبخفض البنود الفضفاضة التي تتناولها معظم موازنات المدارس والتي تهدف إلى النهب وتحقيق الأرباح وعدم خفض مستوى الأرباح التي كان من الممكن تحقيقها في السنوات السابقة، على الرغم من الأزمة التي تعصف بالبلاد، وذلك في ظل غياب الرقابة على هذه الأرقام. ولا تقتصر المخالفة القانونية على دولرة الأقساط بل إن المدارس تخالف القانون بزيادة الأقساط المدرسية بالليرة اللبنانية قبل بداية العام الدراسي، في وقت من المفترض أن تقدّم موازناتها مع نهاية العام الحالي، فكيف لها أن تستبق الأمور وتحدد موازناتها قبل أشهر وترفع الأقساط على هذا الأساس قبل بداية العام الدراسي؟

وشدد ماضي أيضاً على أنه بيد الوزير سحب الرخص من المدارس المخالفة وإقالة مدرائها، حتى أن القانون يعطي لرئيس مصلحة التعليم الخاص صلاحية إقالة المدير في مثل هذه الحالة، لكن حتى اللحظة لم تنجح جهود الاتحاد إلا بالوقوف في وجه مخالفات المدارس الصغيرة، ولم يكن من الممكن مواجهة تلك الكبرى “في ظل انعدام الثقة بالوزارة وبمصلحة التعليم التي تتهرب من مسؤولياتها القانونية وبإدارات المدارس. اجتمعنا كاتحادات مع الأهالي والأساتذة ونطالب بالوصاية الخارجية للإشراف على المؤسسات التربوية وحماية هذا القطاع المهدد بالانهيار. لا ننكر أن المدارس بحاجة إلى الدعم، إنما لا يمكن تحميل الأهل هذه المسؤولية كاملة في ظل كل الأعباء المترتبة عن الأزمة. من هنا أهمية الحرص على الشفافية في وضع الموازنة والنفقات، قد يتقبل الأهل الزيادة بالليرة اللبنانية إنما ما ليس مقبولاً أن توضع الأقساط بالدولار الأميركي بينما كثيرون لا يتقاضون أجوراً بالعملة الصعبة، فإما أن يتعلّم الطلاب كافة أو فلتقفل المدارس كافة لأن التعليم لا يمكن أن يصبح للأغنياء فقط”.

موقف واضح لوزارة التربية

الزيادات الخيالية وغير المشروعة للأقساط المدرسية تؤكد على تفلّت بغياب الحسيب والرقيب، ويرغب الأهل بالحفاظ على المستوى التعليمي لأولادهم باعتبار أن العلم هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقدموه لهم في هذه الظروف الصعبة، إنما في الوقت نفسه، هل إن الجميع قادرون على تحمل هذه الأعباء؟ يُطرح السؤال هنا حول موقف وزارة التربية والتعليم العالي ونوع الرقابة التي تقوم بها لتحقيق التوازن بين مصالح المدارس من جهة ومصالح الطلاب والأهالي من جهة ثانية. وأكد رئيس مصلحة التعليم الخاص في لبنان عماد الأشقر أن موقف الوزارة واضح من دولرة الأقساط المدرسية وتعتبر هذه الخطوة مخالفة لأحكام القانون، إنما بغياب الشكوى وطالما أن المدارس لم تتقدم بموازناتها مع بداية العام لا يمكن التحرك. وقد أكد وزير التربية عباس الحلبي أنه بغياب النص الذي يسمح له بالتصرف، فهو على استعداد للذهاب إلى مجلس النواب للتصرف وقد توجه بخطاب عالي النبرة إلى المؤسسات التربوية في هذا الشأن أخيراً، وهناك مشروع اقتراح يتم التداول فيه حالياً بين المؤسسات التربوية ونقابة المعلمين والوزارة لإيجاد حل يرضي مختلف الأطراف،  كما سيصدر وزير التربية قراراً قريباً وسيقوم بتحرك في مواجهة هذا التفلّت الحاصل “لا ننكر أن الوضع صعب على الجميع، لكن نحن لا نشرّع الخطأ، والشفافية مطلوبة واعتماد موازنات تقشفية في ظل الأزمة ضروري. يجب أن يكون الإنفاق بحسب قدرة كل مدرسة وبحسب قدرة الأهل على الدفع من دون المطالبة بالكماليات، لتمرّ الأزمة بالحد الأدنى من الضرر على الطلاب، مع ضرورة الحفاظ على مستوى التعليم وعلى القطاع التربوي”

رفض الدولرة

من جهته، أكد الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر على الرفض التام لدولرة الأقساط كمدارس كاثوليكية وعلى الالتزام بالقانون 515 الذي يقضي بوضع الموازنة بالليرة اللبنانية، إلا أن الظرف الاقتصادي الراهن وعدم ثبات سعر الصرف ألزم المدارس بإنشاء صندوق دعم بالدولار الأميركي يموّله الأهل والمساعدات الخارجية والداخلية بإدارة المدارس وإشراف لجان الأهل والمعلمين ووزارة التربية “فلا يمكن أن تحدد كل مدرسة أقساطاً على هواها، بل تُحتسب الحاجة الحقيقية من دون تحميل الأهل أعباء زائدة، مع رقابة وزارة التربية وإشرافها”، علماً أن صندوق الدعم يقضي بتغطية المصاريف التشغيلية التي لا يمكن تغطيتها على أساس التسعيرة بالليرة اللبنانية، خصوصاً مع الارتفاع الجنوني لسعر المازوت، إذ إن المصاريف التي نسبتها 35 في المئة في الموازنة بلغت نسبة 300 في المئة مع ارتفاع سعر صرف الدولار “ويبقى القسط الرسمي للمدارس بالليرة اللبنانية ونلتزم به، لكن لإيجاد حل في الظرف الراهن الصعب، كان لا بدّ من إنشاء صندوق الدعم خارج إطار الموازنة لتأمين مساعدة اجتماعية للأساتذة بالدولار لأن الراتب بالليرة اللبنانية لم يعد كافياً وإلا فلن يستمروا في التعليم. وجود صندوق الدعم بالدولار هو ظرفي واستثنائي خلال الأزمة حفاظاً على مؤسسات التربوية وليس وجوده توجهاً إلى تشريع دولرة الأقساط “.

في مقابل إنشاء صندوق الدعم المموّل من قبل الأهل، شددت الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية على ضرورة الحرص على وجود مكاتب المساعدة الاجتماعية في المدارس لأن قسماً كبيراً من الأهل غير قادر على الدفع بالدولار الأميركي أياً كان وضعهم الاجتماعي، فهم ليسوا بالضرورة من العسكريين أو من القطاع العام، وكثيرون لا يتقاضون أجورهم بالدولار الأميركي من موظفين ومعلمين ومزارعين وغيرهم، بالتالي التوازن مطلوب في المؤسسات التربوية بين المقتدرين وغير المقتدرين من الأهل وهنا يأتي دور المساعدات والحس الإنساني لمساعدة الجميع على الاستمرار، وفي الوقت نفسه ضمان استمرارية المؤسسات التربوية في ظل الأزمة. ولا يمكن التغاضي عن أن شريحة واسعة من المواطنين غير قادرة على تسديد هذه الأقساط وتعليم أبنائها من دون التضامن الاجتماعي. وقد يكون توفير التمويل والدعم من الجهات المانحة والمغتربين وسيلة للتخفيف من الأعباء على الأهل، مع الإشارة إلى أن على المؤسسات التربوية أن تدرك أن الوقت ليس اليوم للتطوير أو التوسع أو تحقيق الأرباح، بل الصمود في مواجهة الأزمة التي تعصف بالبلاد، والأهم أن تستمر رسالة التعليم بالوصول إلى الجميع وأن يبقى التعليم متاحاً للجميع ولا يصبح حكراً على الأغنياء.

/ INDEPENDENT /

اترك رد إلغاء الرد