لبنان بلا “بوليصة تأمين” وإلى فوهة البركان

/وسام أبو حرفوش، ليندا عازار- الراي الكويتية/

بين الترسيم البحري مع إسرائيل، الذي بدأ لبنان الرسمي يمهّد لـ «تمديد» المفاوضاتِ المكوكية في شأنه التي تُجرى بوساطة أميركية، لِما بعد أيلول، والترسيم السياسي لخطوط المواجهة المتعددة الجبهة التي اشتعلتْ على تخوم انتخاباتٍ رئاسية «فاز» فيها الشغورُ مسبقاً وسط مبارزةٍ طاحنة حول مَن يديره وكيف، بدت بيروت محكومةً بولوجِ «الخريف المُخيف» بلا أي «بوليصة تأمين» لمرحلةٍ موجعةٍ مرشّحة لأن يحصل فيها «الارتطامُ المميتُ» بسيناريوهاته السود التي قد يزيدها كارثيةً تصنيفٌ تكثر التلميحات إلى اقتراب «كأسه المُرة» لـ «بلاد الأرز» كدولة فاشلة.


وفيما اللبنانيون «في وادٍ» يستغيثون ولا مَن يجيب، على أبواب سنة دراسية تشقّ طريقها بين «أشواك» الانهيار المالي، وعلى مشارف شتاء قاسٍ سيواجهه قسم كبير منهم في عراء البرد وببطون خاوية، وعلى وقع «جرس الإنذار» الخطير الذي شكّله إضراب موظفي «اوجيرو» وما تسبّب به من اضطراب كبير في قطاع الاتصالات والانترنت (حتى على شبكتيْ 3G و4G)، والفوضى المرجّح أن تستعاد في قطاع المحروقات رغم رفْع الدعم الكامل الوشيك عن سعر البنزين، يَمْضي الأفرقاء السياسيون في «الرقص فوق جثة» دولةٍ تتحلّل تباعاً وتَناتُش ما بقي من مَظاهرها في مؤسساتٍ دستوريةٍ تتعطّل الواحدة تلو الأخرى ولم يبْقَ منها إلا… الاسم.

وإذ اكتمل العصفُ السياسي أمس مع المواقف النارية التي ردّ فيها رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، على كل من رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، كما الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي، الذين تقاطعوا (وإن من موقع مختلف لجعجع) عند تكبيلِ خيارات فريق الرئيس ميشال عون في ما خص مرحلة الشغور الرئاسي ورفض تحويل تشكيل الحكومة الجديدة منصةً لتعويم باسيل و«مكافأة العهد» في نهايته، فإنّ أسئلة كبرى تطايرتْ حول تداعيات انفجار المكاسرة الضارية الرئاسية على مجمل الواقع الداخلي الذي بدا وكأنه دَخَل «منطقة أعاصير» متلاحقة ستطبع الأسابيع السبعة المقبلة الفاصلة عن انتهاء ولاية عون وسينتقل لبنان «على بساطها» إلى حقبة فراغٍ مدجّجة بالعبوات السياسية والدستورية والمالية والمعيشية.


وفي حين كانت الأسئلة تصوِّب على مخاطر تحويل الاستحقاق الرئاسي بمثابة عود الثقاب الذي يتم إشعاله فوق «برميل بارود» مع ما قد يعنيه ذلك، إما من تحوّل المعركة على «رأس النظام» السياسي الذي «يكمن» له أطراف عدة، وإما من إفلات الوضع برمّته من أيدي اللاعبين المحليين كلهم مهما كانت «قوّة» بعضهم وتالياً استدراج تدخلات خارجية لفرض «مخرج طوارئ»، فإن «التخندق» المحلي بدأ يفرز اصطفافاتٍ، الأكثر وضوحاً بينها حتى الساعة ذاك الذي يجمع بري وميقاتي وزعيم «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط الذين يتلاقون بالحدّ الأدنى عند رفْض منح باسيل «علامات استلحاق» في الحكومة الجديدة التي عاد مسارها إلى «تحت الصفر»، وعند تأكيد دستورية وراثة حكومة تصريف الأعمال صلاحيات الرئاسة بعد 31 تشرين الأول (انتهاء ولاية عون).


وبعدما أعطى ميقاتي أوضح إشارة إلى أهْلية حكومة تصريف الأعمال لتولي مهمات الرئاسة الأولى بعد استقباله جنبلاط مساء الاثنين، قبل أن يزور بري أمس، ويبحث معه في مسألة عقد جلسة تشريعية للبرلمان الأسبوع المقبل لإقرار مشروع قانون الموازنة، فإن أولى تشظياتِ «الحرب الرئاسية» ظهرتْ في استبعاد تكرار الرؤساء الثلاثة مشهدية اجتماعهم معاً مطلع اغسطس مع الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين حين أبلغوه موقف لبنان الموحّد الذي قام على التمسك بالخط 23 كحدود لمنطقته الاقتصادية الخالصة مع جيْبٍ إضافي جنوبه لضمان كامل حقل قانا المفترض وما قد يكتنزه.


وعشية زيارة متوقَّعة لهوكشتاين، لاستكمال البحث في ملف الترسيم الذي توليه واشنطن أولوية وتحاول التوفيق فيه «على البارد» بين ثبات بيروت على شروطها وبين حسابات تل أبيب الطامحة لـ «كسْر» مهلة سبتمبر التي رَسَمها «حزب الله» لإنجاز الاتفاق وفق مطالب لبنان الرسمي و«إلا» وإلى تعويض تَراجُعها وتسليمها بالخط 23 + بآليةٍ مالية، برزت حركة نائب رئيس مجلس النواب الياس بوصعب (المكلف من عون ملف الترسيم) في اتجاه كل من عون وبري، في ما بدا «مفاوضات موازية» بـ «وسيط لبناني» لإبقاء الرئيسيْن ومعهما ميقاتي «على موجة واحدة» في ما خص ما سيحمله الوسيط الأميركي.


وحرص بوصعب بعد لقائه عون وبري على إبراز أن زيارة هوكشتاين التي سيتحدد موعدها النهائي في ضوء لقاءات سيعقدها في فرنسا واسرائيل والتي سيحمل فيها «عرضاً نهائياً بين يديه» لن تكون خاتمة المفاوضات، محاذراً الإفراط في التفاؤل أو القفز الى التشاؤم «فإذا أتى هوكشتاين بزيارة ولم ننته من الملف لا يعني هذا ان هناك شيئاً بالاتجاه السلبي»، والزيارة لا تعني أنها «ستحمل الحل النهائي ولكنها ستكون خطوة إيجابية إضافية نحو الحل، ويجب أن نعلم أن هذا الموضوع شائك ومعقد ولكنه يسير في الاتجاه الصحيح».


وقال بو صعب: «لم تتوقف الاتصالات خلال الأسبوعين الماضيين، رغم كل ما قيل في الإعلام من كلام غير دقيق وفي غير محله، على مثال توقيع اتفاق خلال الأسبوع الفائت أو عمل شركة واحدة لدى الطرفين اللبناني والإسرائيلي أو رفض تام من الإسرائيليين للطرح اللبناني. كل هذا الكلام غير دقيق، والاتصالات لا تزال قائمة، وستسبق زيارة هوكشتاين الى بيروت، زيارات سيقوم بها الى عواصم أوروبية والى إسرائيل. كما وضعتُ فخامة الرئيس في موضوع قد يعني طرفاً ثالثاً وهو شركة»توتال«، يمكن ان يساعد لبنان في الحل. هناك نقاط لا تزال عالقة وتحتاج الى حلول».


وأضاف: «التواصل سيزداد خلال الشهر الحالي، وسيعلو منسوب الاتصالات ونأمل الوصول الى نتيجة. الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، ويجب ان نبقي على أمل بانتهاء الملف خلال وقت ليس ببعيد. فهناك التزام أميركي بإعطاء الموضوع اولوية قصوى، وثمة تعقيدات كثيرة يتم حلها واحدة تلو الأخرى، وكل يوم نصعد خطوة على هذا الدرَج، وهذا لا يعني انه اذا لم نصل الى الدرجة الأخيرة او اذا تأخّرنا يوماً او أسبوعاً فإن شيئاً لم يحصل. الأمور تسير بوتيرة مقبولة، وشهر سبتمبر سيكون حاسماً، واذا تبين ان الإسرائيلي سيبقى على عناده ولا يرغب في الحل، فهناك خيارات أخرى أمام لبنان وامام الرئاسة الأولى تحديداً، لأننا جميعاً حريصون على الحفاظ على الحقوق اللبنانية بشتى الوسائل وبالتوقيت المناسب».


وبعد زيارته بري قال بو صعب «ان الجهد يُبذل والآن أودعتُ دولة الرئيس آخر المعطيات التي بين يدينا تحضيراً للزيارة التي ستحصل نهاية الاسبوع. وكلنا نعلم اليوم ان الرئيس عون يفاوض في هذا الملف وعدتُ وسمعتُ الآن من الرئيس بري ان كل اللبنانيين، وبالاخص الرؤساء الثلاثة يقولون ان الموقف الذي صدر منهم في قصر بعبدا موحّد والكلام الذي سيقوله فخامة الرئيس او الذي سيقوله في هذا الملف بناءً على هذا الاجتماع يعبّر عن الرؤساء الثلاثة. وهذا شيء أساسي يجب أن يعرفه الجميع وهذا موقف قوة للبنان».

اترك رد إلغاء الرد