مطار “رامون” الإسرائيلي يستهدف الأردن

/عبير بشير- أساس ميديا/

فجأة أصبحت خدمة سفر الفلسطيني القابع تحت الاحتلال الإسرائيلي محلّ تنافس. والفلسطيني المعذّب عند بوّابات الدول، الصديقة منها وغير الصديقة، صار “مادة تنافس” بين معبرين: الأول هو مطار رامون في إسرائيل، أما الآخر فهو “جسر الملك حسين” على الطريق إلى مطارات الأردن.

الجديد هو فتح أبواب مطار رامون الإسرائيلي الذي يقع في النقب والقريب من إيلات الساحلية أبوابه لسكان الضفة الغربية، وتسيير رحلات إلى المطارات التركيّة التي ستكون نقطة انطلاق للفلسطيني المحاصَر نحو دول العالم، ليكون بذلك منافساً لمعبر الكرامة الأردني أو جسر الملك حسين، وهو الجسر الوحيد الذي يربط الضفة الغربية بالأردن والعالم، ولمطار علياء الدولي.

بعد انطلاق أوّل رحلة للفلسطينيين من مطار رامون الإسرائيلي، تصاعد الجدل بين الفلسطينيّين والأردنيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فشدّد المغرّدون الأردنيون على ضرورة وجود حالة رفض شعبي فلسطيني لمطار رامون، لأنّ أيّ استخدام للمطار يشكّل تطبيعاً فلسطينياً، وخدمة للمصالح الإسرائيلية، ودعماً اقتصادياً للجانب الإسرائيلي على حساب المصالح الأردنية.

الفلسطينيون ونقاش المصالح

وعلى الرغم من عدم صدور أيّ موقف رسمي أردني واضح، إلا أنّ مسؤولين سابقين وكتّاباً أردنيين هاجموا الخطوة الإسرائيلية على أساس أنّها تحرم الأردن من شريان اقتصادي يدرّ مئات ملايين الدنانير على الخزينة سنويّاً، وانتقدوا عدم صدور إجراءات فلسطينية تردع استخدام مطار “رامون” الإسرائيلي.

على الجانب الفلسطيني الشعبي، يجري نقاش نشط حالياً يتّصل بفكرة سفر الفلسطينيين عبر مطار رامون الإسرائيلي: هل نسافر عبر هذا المطار، أم نستمرّ في السفر عبر جسر الملك حسين على الرغم من المعاناة التي يعانيها الفلسطيني في السفر بسبب طول ساعات الانتظار نتيجة الإجراءات الأمنيّة الأردنية المعقّدة على المعبر، وزيادة التكلفة، الأمر الذي حوّل الجسر إلى واحد من أكثر المعابر إرهاقاً للفلسطينيين بسبب الازدحام، خصوصاً خلال أوقات الأعياد أو مواسم الحجّ والعمرة والعطل الصيفية، وطبعاً ينافسه في ذلك معبر رفح البرّي؟.

لكنّ الموضوع بالنسبة إلى الرأي العام الفلسطيني لا يقتصر على اختصار مدّة السفر وإجراءات صعبة أو سهلة، أو تكلفة أقلّ أو أكثر، بل يتعلّق بأمور استراتيجية لها علاقة بالهويّة والبعدين الوطني والإقليمي. والأمر الآخر: لماذا على الفلسطيني أن يساهم في الاقتصادين الإسرائيلي والتركي، عبر استخدام مطار إسرائيلي وشركات طيران تركية وحرمان الاقتصاد الأردني من أموال المسافرين الفلسطينيين؟ 

مطار رامون ينسف حل الدولتين

بحسب الإحصاءات الرسمية يسافر عبر معبر الكرامة ما يقارب من 3 ملايين مسافر سنويّاً، إذ هو المعبر البرّي الرسمي الوحيد الذي يستخدمه سكّان الضفة الغربية للخروج إلى دول العالم المختلفة عبر المطارات الأردنية.

من ناحيتهم، ذهب محلّلون أردنيون أبعد من ذلك بقولهم إنّ خطورة تشغيل مطار رامون تتجاوز المصالح الأردنية إلى حزمة المشاريع الاستراتيجية المزمع تنفيذها بين الجانبين الإسرائيلي والأردني من جانب، ودول الخليج العربي من جانب آخر، خاصة سكّة حديد السلام، ومشروع بوّابة الأردن، ونقل الغاز الإسرائيلي عبر أنابيب الخطّ الأردني.

يتّضح من سياق الأمور أنّ الاحتلال الإسرائيلي يعبث بدهاء بالساحة الفلسطينية، فقد قام في شهر تموز الماضي بتعطيل حركة السفر عبر جسر الملك حسين لكي يدفع الفلسطينيين إلى التفكير في منفذ آخر. فهذه هي حال الاحتلال:يضيّق نافذة ويفتح أخرى ويغلق طريقاً ويفتح آخر ليدفع الفلسطيني نحوه.

يبدو أنّ إسرائيل تهدف من خلال هذه الخطوة إلى أمرين: أوّلهما القول للرأي العام الدولي إنّ بإمكان الفلسطيني أن ينتقل إلى كلّ أنحاء العالم من خلال مطار، وهو بذلك لا يقع تحت احتلال مهين. وثانيهما القضاء على خيار إنشاء مطار يُدار من الجانب الفلسطيني.

ويمكن اعتبار أنّ تشغيل الاحتلال لمطار رامون يأتي ضمن الحلّ الإسرائيلي الذي يتبنّاه رئيس الحكومة الحالي يائير لابيد تحت عنوان “الاقتصاد مقابل الأمن”، وفي ذلك إنهاء للقضية الفلسطينية وحلّ الدولتين الذي يقوم على وجود مؤسّسات سيادية كالمطار والميناء وغيرهما.

انكشاف “بن غوريون” دفع لبناء “رامون”

على المستوى الاقتصادي، يمكن لإسرائيل تشغيل مطار رامون “الساقط اقتصاديّاً” حاليّاً بسبب بعده عن مدن المركز الإسرائيلي على “أكتاف الفلسطينيين”. وهذا المطار، الذي بدأ الطيران منه في العام 2019، هو ثاني أكبر مطار في إسرائيل بعد مطار بن غوريون، وكان التوجّه لبنائه بعد حرب إسرائيل على قطاع غزّة عام 2014، حينما خلصت لجنة أمنيّة إلى أنّ مطار بن غوريون ساقط أمنيّاً بعد توقّف عمله عقب قصفه من قبل الفصائل الفلسطينية.

تدرك تل أبيب أنّ ثمّة حاجة ملحّة إلى إنقاذ مطار رامون من خلال تحويله إلى مطار فعّال بالسماح للفلسطينيين بالسفر منه، إذ أنّ استخدام مئات آلاف الفلسطينيين لهذا المطار سيسهم في إعادة تنشيطه، وتوظيف مئات الإسرائيليين من موظّفي الجمارك وسلطات المعابر والأجهزة الأمنيّة وعمّال النظافة، وإحياء السوق الحرّة، بل قد يسهم بشكل حقيقي في توفير الظروف الموضوعية لتوسيع المطار وتطوير بنيته التحتية. ويرى محلّلون أنّ ما ساهم في تشغيل المطار هي حالة التقارب بين الجانبين الإسرائيلي والتركي وذوبان الخلافات بين البلدين وتطوّر العلاقات الدبلوماسية بينهما.

السلطة الفلسطينية متمسكة بالعمقين العربي والأردني

أمّا بالنسبة إلى الموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية، فقد جاء على لسان رئيس الوزراء محمد اشتيه، إذ أعلن أنه “لن يتمّ استعمال مطار رامون بديلاً لمعبر الكرامة، فلا بديل لفلسطين عن عمقها العربي والأردني”، وذلك خلال تدشينه ونظيره الأردني بشر الخصاونة محطة الرامة لتحويل الكهرباء في الأغوار الجنوبية التي سترفع كميّات الكهرباء المحوّلة إلى فلسطين من 40 إلى 80 ميغاواط. وأوضح اشتيه أنّه إذا أرادت تل أبيب فعلاً أن تسهّل على الفلسطينيين، فعليها إعادة فتح مطار القدس “قلنديا” ومنح الفلسطينيين حقّهم في السيطرة عليه.

من المعلوم أنّ مطار القدس أقيم في العام 1920 في فترة الانتداب البريطاني، واستُخدم خلال الفترة الأردنية ما بين 1948 و1967. ويُعتبر مطار القدس المطار الاستراتيجي الثاني بعد مطار عمّان، وهو الميناء الجوّي الوحيد في الضفة، قبل أن تضع إسرائيل يدها عليه وتحوّله مطاراً لرحلات داخلية قليلة، إلى أن أغلقته نهائياً عام 2000.

وقبل عام أعلنت إسرائيل عن مخطّط يحوّل مدرج مطار القدس الدولي، الذي يطالب به الفلسطينيون حالياً، إلى مستوطنة سيتم بناء 10 آلاف وحدة استيطانية فيها وفنادق ومرافق عامّة على أنقاض المطار.


وتعرّض موقف السلطة الرسمي للسخرية والانتقاد من أوساط شعبية واسعة نظراً إلى تهديدها اللفظي بمعاقبة مَن يستخدم مطار رامون بدون إجراءات رادعة فعليّاً، ولأنّ الآلاف من كبار موظّفي السلطة والقطاع الخاصّ والمنظّمات الأهليّة وعائلاتهم والحاصلين على بطاقات VIP وBMC يستخدمون مطار بن غوريون.

من جهته، يرى وزير النقل الأردني الأسبق خالد وليد سيف أنّ أوّل خطوة لمواجهة تشغيل مطار رامون تتمثّل بـتطوير معبر الكرامة، وتخفيض الكلف المالية التي يدفعها المسافر لعبوره، وتقديم خدمة أفضل من حيث المرور والإقامة وانسيابية وسهولة الحركة على المعبر، وفتحه للعمل على مدار 24 ساعة لتسهيل أمر الركّاب والمسافرين، وبالطبع مع تنسيق أعلى مع المستوى الفلسطيني ما سيساهم في الخروج من الفخّ الإسرائيلي.

اترك رد إلغاء الرد