التعلّم في لبنان “مُنتَهَك”


الحق في التعلّم واحد من الحقوق الأساسية التي كفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم، مروراً بالإعلان العالمي حول التربية للجميع، وغيرها من البروتوكولات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

لبنان عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما جاء في مقدمة الدستور، والذي نص في المادة العاشرة منه على حرية التعليم، لكنه لم ينص صراحة على الحق في التعليم وعدم التمييز بين المتعلمين، الا أن الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو بحد ذاته إقرار ضمني بكل ما ورد فيه ووجب السير بمقتضاه لا سیّما المادة ٢٦ من هذا الإعلان والمتعلقة بالحق في التعليم. وصادق لبنان على مختلف الاتفاقات الخاصة بالتعليم لا سيما اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم، والاتفاقية الدولية لبقاء الطفل وحمايته ونمائه.

ورغم ورود نصوص واضحة متعلّقة في ضمان الحق في التعليم في خطة النهوض التربوي عام ١٩٩٤، والاهداف العامة لمناهج ١٩٩٧، وفي الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم في لبنان، ومشروع الانماء التربوي، ومشروع الخطة الوطنية للتعليم للجميع، إضافة إلى إقرار القانون رقم ٦٨٦ عام ١٩٩٨ المتعلق بإلزامية التعليم الابتدائي ومجانتيه، والقانون رقم ٢٢٠ عام ٢٠٠٠ الذي أكد في المادة ٥٩ على حق المعوّق بالتعلم، الا أن الواقع يدلل كما تظهر دراسات وتقارير دولية رسمية، على عدم حصول التلامذة على حقهم الكامل في التعلم كما تستوجب الاتفاقات والمواثيق الدولية.

صحيح أن نسب الالتحاق بالتعليم في مختلف أنواعه ومراحله كانت مقبولة قبل الازمات الاخيرة، الا ان تقرير البنك الدولي في حزيران ٢٠٢١ حول التعليم في لبنان، بيّن تراجعاً بمعدلات إتمام مراحل التعليم الاساسي والثانوي، وأن الإكمال المدرسي يفتقد الى التكافؤ بين الفئات الاقتصادية في المجتمع، مع بروز مؤشرات بتراجع معدلات الإتمام أكثر في الأعوام المقبلة نتيجة حالات التسرب العالية المتوقعة في ظل التردي الاقتصادي لغالبية الأسر اللبنانية. كما أشار التقرير الى تفاوت كبير في تقديم الخدمة التعليمية للتلامذة السوريين في مدارس بعد الظهر عن أقرانهم اللبنانيين في مدارس الدوام الصباحي.

الالتحاق بالتعليم يشوبه عدم تكافؤ الفرص بين المناطق الجغرافية، وبين المدارس الرسمية والخاصة المجانية والخاصة غير المجانية، خصوصاً في مرحلتي الروضة والتعليم الاساسي اللتين تستوعبان ثلثي التلامذة الملتحقين بهاتين المرحلتين، لأن غالبية المدارس الرسمية والمدارس الخاصة المجانية غير مجهزة مادياً وبشرياً لاستقبال الأولاد في عمر ثلاث سنوات، وضعيفة تعليمياً في مرحلة التعليم الاساسي على عكس غالبية المدارس الخاصة غير المجانية، وقد ساءت الأمور أكثر مع تفاقم الازمة الاقتصادية وضعف تمويل التعليم الرسمي.

وزادت عملية التعليم عن بعد خلال فترة وباء كورونا في تضاؤل فرص التكافؤ والعدالة بين المتعلمين، اذ اتسعت الفجوة التعلمية بين التلامذة أنفسهم، وبين المدارس في تقديم الخدمات التعليمية والتربوية، كما لم يحظ معظم التلامذة بدعم نفسي ومعنوي وتعليمي، والبيئة التعليمية الخاصة بالتعلم عن بعد لم تكن جيدة، ولم يتم مساعدة كثير من التلامذة لتخطي العوائق الاقتصادية والتعليمية، وحتى تمكينهم من تعويض الفاقد التعليمي المتراكم على مدى ثلاثة سنوات بسبب تقليص المناهج وسوء التعليم عن بعد وانقطاع المعلمين عن التدريس لسوء أوضاعهم الاقتصادية لا سيما في المدارس والثانويات الرسمية. وما زاد من فجوة الفاقد أكثر هو تقليص عدد كبير من الدروس واعتماد مواد اختيارية في صفوف الشهادات بهدف انقاذ الامتحانات الرسمية على حساب التحصيل العلمي الضروري للتلميذ.

كما أن حق التلامذة في التقويم الحقيقي يُنتهك من خلال اخضاعهم لامتحانات مدرسية ورسمية تفتقر الى معايير التقويم التربوي الحديث ولا تتناسب مع قدراتهم واستعداداتهم، وقاصرة عن قياس المهارات المختلفة ومراعاة الفروقات الفردية والذكاءات المتعددة ويغيب عنها فرص التكافؤ في الاستعداد والظروف الداعمة خصوصاً لدى تلامذة المدرسة الرسمية الذين يواجهون ظروفاً تعليمية قاهرة نتيجة ضعف إمكانات المدارس والإضرابات المتتالية للمعلمين، مما سيفضي مستقبلاً الى غياب التكافؤ والعدالة والمساواة في فرص العمل والانتاج. وما نتائج الامتحانات الرسمية الشكلية الأخيرة، المتورمة في نسب النجاح والدرجات في الشهادة الثانوية، والمتفاوتة جداً بين التعليم الرسمي والخاص في الشهادة المتوسطة، خير دليل على سوء الية التقويم المعتمدة.

كما أن فرص التكافؤ في الحصول على بيئة مدرسية تتفاوت بشكل كبير بين المدارس صحياً وتربوياً وتعليمياً ولوجستياً، خصوصاً في كثير من المدارس الرسمية وبعض الثانويات الرسمية وعدد لا يُستهان به من المدارس الخاصة لا سيما التجارية منها. وقد اشار تقرير البنك الدولي في حزيران ٢٠٢١، إلى أن عدد كبير من المدارس مستأجر وغير مصمم في الاساس ليكون بناءً مدرسياً، وبحاجة الى إعادة تأهيل وتجديد، اذ تبلغ نسبة المدارس المستأجرة في بيروت ٥٨.٧ بالمئة ، وفي جبل لبنان ٥٥.٦ بالمئة . وفي الشمال ٤٥.١ بالمئة .

أما حق التلميذ في بيئة تعليمية ديموقراطية لا يسير كما ينبغي، فالتلامذة لا يمارسون حق التعبير عن الرأي والنقاش والحوار بشكل فعلي في مدارسهم، فضلاً عن اقصائهم عن المشاركة في اتخاذ القرارات المدرسية والتربوية التي تعنيهم وتلبي طموحاتهم وميولهم وتبدد هواجسهم.

وقد أشار أيضا تقرير البنك الدولي، الى أن ٣٢ بالمئة من تلامذة المدارس في لبنان يتعرضون للتنمر بأنواعه المختلفة (لفظي، جسدي، نفسي…)، ما يدل على عدم توافر بيئة آمنة للتلامذة بالشكل المطلوب، فضلاً عن النقص في الخدمات التربوية والإرشادية والتوجيهية لمعالجة مشكلات التلامذة، وضعف في إعداد المعلمين المختصين بالتلامذة من ذوي الاحتياجات الخاصة كما تشير العديد من الدراسات.

اما الحق بتعليم جيد النوعية، فالمؤشرات سلبية. فمناهج عام ١٩٩٧ عاجزة عن مسايرة متطلبات العصر وتكوين مواطن يتمتع بالمهارات المتكاملة، وطرائق التدريس يسودها التلقين، ونسبة عالية من المعلمين غير معدين للتعليم ولا يخضعون لتدريب ويحملون شهادات مختلفة عن المادة التي يدرسونها خصوصاً في التعليم الأساسي. كما أن هجرة عدد كبير جداً من المعلمين الأكفاء، سيزيد من تردي نوعية التعليم المقدمة للتلامذة، فضلاً عن قلة توافر التجهيزات والوسائل التعليمية والموارد المادية واللوجستية اللازمة في غالبية المدارس، وعدم توافر راحة نفسية ومعنوية وتعليمية كافية للمتعلم بسبب عدد الحصص المدرسية اليومية، والواجبات المنزلية المرهقة، والاختبارات المكثفة دون خطة علمية، وإهمال المواد الحس حركية والفنية والإبداعية. كل هذا لا يحقق الجودة في التعليم ولا يضمن بيئة مدرسية ومنزلية داعمة وملائمة للاستعداد والدافعية للتعلم، الامر الذي يحرم تلامذة كثر من حقهم من الراحة واللعب خلال السنة الدراسية، ما ينعكس سلباً على تحصيلهم الدراسي ويزيد حالات الرسوب والتسرب المعنوي والمادي، أضف الى ذلك أن المخرجات التعليمية لا تلبي المتطلبات العصرية تقنياً وتكنولوجياً وعلمياً ومجتمعياً.

/النهار/

اترك رد إلغاء الرد