أبطال بلا اسم
منذ ما يزيد على شهرين قرأت خبراً عن إصدار فيلم وثائقي بعنوان «إنيو». يروي الفيلم قصة حياة المؤلف الموسيقي الراحل الإيطالي إنيو موريكوني. ولأنني لست ملماً بشؤون السينما العالمية، لا يرتبط اسم موريكوني عندي إلّا بأعمال مواطنه المخرج سيرجيو ليوني. وبالنسبة لي، ليوني رمز تغييري كبير. ثوري إن جاز التعبير
ثورة طليان في الغرب المتوحش
في منتصف ستينيات القرن الماضي، أحدث ليوني ثورة في السينما الأميركية عبر ثلاثية أفلامه المعروفة بثلاثية «الدولار» أو «الرجل بلا اسم»، والتسمية الثانية هي الأكثر شهرة. وقوبلت الأفلام الثلاثة، «من أجل حفنة من الدولارات» و«من أجل مزيد من الدولارات» و«الجيد، السيء والقبيح»، بعاصفة من ردود الفعل السلبية بين النقاد السينمائيين الأميركيين، وذلك قبل أن تُحدث تأثيراً عارماً غيّر شكل السينما الأميركية. يختلف النقاد حول تعريف بداية عصر أفلام «السباغيتي الغربية» – غربية نسبة لأفلام الغرب الأميركي – ولكنهم يتفقون على أن ما رسّخها في قلب صناعة السينما الأميركية كان هذه الثلاثية. لماذا سباغيتي؟
بكل بساطة لأن فرق عمل هذه الأفلام كانت تتألف من إيطاليين بشكل أساسي، بالأخص في أقسام الإخراج والتصوير والموسيقى التصويرية. هذا اللقب العنصري كان جزءاً من اعتراض الأوساط النقدية والسينمائية الأميركية على دخول الإنتاجات الأوروبية لأفلام الغرب الأميركي (الويسترن) إلى هوليوود. وشمل الاعتراض بالأخص ما أحدثه ليوني وفريق عمله – الإيطالي – من هزة في نمط هذا النوع من الأفلام. هزة سرعان ما وصلت ارتداداتها إلى أنواع أخرى من الأفلام، بالأخص بعد موجة المراجعة النقدية في السبعينيات. موجة أعطت أعمال ليوني حقها الفني، وأسهمت في نشر استحداثاته على وسع خريطة السينما الأميركية. وما استحدثه ليوني بدأ من التصوير السينمائي، ومرّ بالتصوير الواقعي لبيئة الأعمال – كما فعل مع بيئة الغرب الأميركي القذرة – بالإضافة إلى الموسيقى التصويرية، وربما الأهم كان رسم وتقديم الشخصيات في الأفلام الثلاثة.
ويمكن القول إنّ ليوني فعلاً أتقن تركيبته، التي جعلت من الثلاثية غزواً للسينما الأميركية، في آخر أفلام السلسلة «الجيد، السيء والقبيح». يتمحور الفيلم حول ثلاث شخصيات تتقاسم ريادته، وبطبيعة الحال بطل الفيلم هو «الجيد»، أو «الرجل بلا اسم»، وهو أساساً بطل أوّل فيلمين في السلسلة. وما أثار حنق النقاد في البطل الرواقي للفيلم هو أنّه لم يكن كما بقية أبطال نوع «الويسترن»، لم يكن فاضلاً ونقيّاً. لم يكن بطلاً أميركياً حقيقياً. ولم يكن بإمكان المشاهد تمييزه عن خصومه من خلال اللمحة الأولى. «الرجل بلا اسم» لم يكن يبحث عن العدالة أو الحقيقة أو القضايا التي تتخطى حيّز وجوده.
بل كان ينطلق من قوانينه الخاصة والمستقلة عمّا هو ميزان مطلق الخير والشر، قوانين تعكس «الشرف» في شخصيته المتمحورة حول غريزة النجاة. وهذا البطل «الجيد» لا يرسو على ضفة الحق إلّا لأنّ الأشرار لا يوالونه. والأشرار هم الذين يكونون أكثر وحشية وجشعاً منه، بما يتخطى الحدود التي يراها هو مناسبة. ففي الحقيقة المحرّك الأوّل لكل أفعال البطل «الجيد» هو الجشع والبحث عن المال.
وفي مقابل «الرجل بلا اسم»، أو «الجيد»، ينصّب ليوني «عيني الملاك»، أو «السيء»، شريراً رسمياً للفيلم. فـ«السيء» هو نظير «الجيد» ولكنّه أكثر قتامة، فشخصيته لا تقل جاذبية وكاريزما عن شخصية «الجيد»، ولا يقل عنه جشعاً ولكنه يفوقه خطورة. وما يجعل «الجيد» يتفوق عليه هو قانون «الشرف» آنف الذكر. لذا فإنّ «السيء» قاس وخائن، يمارس العنف بما يفوق ما يمكن أن يتحمله «الجيد»، ولا يتوانى عن ارتكاب أي موبقة للوصول إلى هدفه.
وتقع شخصية «القبيح» ما بين «الجيد» و«السيء»، في عالم ليوني الذي هز صورة الغرب الأميركي الذي كانت تسوده عدالة جون وين. ولكن «توكو»، «القبيح»، ليس قبيح الشكل كما يشي عنوان الفيلم. فهو كما «الجيد» و«السيء»، يتحرّك بدافع الجشع ولا يقل عنهما وحشية، ولكنه قبيح لأن جشعه يتفوّق على جشعهما، حتى وإن أعطى ليوني للمشاهد كل الأدوات للتعاطف معه. «فالقبيح»، المكسيكي في وسط البيض، عاش طفولة سيئة، ويلمّح ليوني في أكثر من مفصل في الفيلم بأنّ جشعه إنّما فرضه خوفه من الجوع الذي عاشه في مختلف مراحل حياته.

/الأخبار/