ندوة في الصفدي بعنوان “مدينة التحولات.. حداثة طرابلس والحقبة الذهبية 1945-1975”
ناغي: مدينة العراقة تستحق الكثير ونعمل على ذلك

/زائدة الدندشي-الرائد نيوز/
عقد ندوة في مسرح الصفدي بطرابلس، ضمن فعاليات طرابلس عاصمة الثقافة العربية 2024، برعاية وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال القاضي محمد وسام المرتضى تحت عنوان “مدينة التحولات.. حداثة طرابلس والحقبة الذهبية 1945 -1975″، وذلك بدعوة من الجمعية اللبنانية للعمران البلدي حضره إلى جانب المرتضى النائب مصباح الأحدب، الوزير السابق سمير الجسر، النائب إيهاب مطر ممثلاً بالدكتور موسى العش، رئيس بلدية طرابلس رياض يمق، نقيب المهندسين في طرابلس والشمال المهندس بهاء حرب، الرئيس التنفيذي لجمعية “عمران” طه ميقاتي وحشد من المجتمع المدني والمهتمين.
بداية اللقاء بالنشيد الوطني، ثم كلمة تعريفية للدكتور محمود درنيقة، فكلمة جمعية “عمران” ألقاها رئيس مجلس أمناءها محمد مطرجي فقال: “مدينتنا ضاربة الجذور بمجدها وعراقتها عبر الزمن، بل عبر الأزمنة، فطرابلس الشام التي بشر ببركتها نبي لا ينطق عن الهوى، ووصى أهلها بالصلاح ومحاربة الفساد فيها، وكما كانت الشام مهد الرسالات السماوية، كذلك كانت ملتقى الحضارات، وأرضَ التعايش، واحترام المعتقدات، وكان لطرابلس حصة وازنة من تاريخ الشام وتفاعله السياسيِ والاقتصادي والعمراني، فكنا مركزًا في محيطنا ومقصدًا في عالمنا”.
واستتبع: “ونحن أبناء طرابلس الشام، أكلنا من خير مدينتنا، ونشأنا في حاضرها وارتوينا من ماضيها، وصمدنا أمام تحدياتها، وآن الأوان لنشمر عن سواعدنا ونخوض معاركنا أمام الفساد والإهمال والجهل والتردي الذي سكن أحياءنا وأتلف مؤسساتنا وأفقر مقدراتنا” .
وأكد: “أن الكثير من شبابنا حققوا النجاح على الصعيد الفرديِ علميًا واقتصاديًا وإداريًا، ولكننا اليوم بأمسّ الحاجة إلى نجاح جماعي مؤسس على التقوى والإخلاص لمصلحة المجتمع، فبثقافة العمل المؤسساتي القائم على علوم الإدارة الرشيدة وروحِ الفريق المتعاون، الذي يبني البنيان الواحد المرصوص، اجتمعت إرادة عمران”.
وختم مطرجي: “واخترنا التطوير العمرانيَ موضوعًا لرسالتنا، بما يضمه من بعد استراتيجي وتنظيمي لمرافقِ المدينة، ويحقق احترام حق المواطن الطرابلسي في العيش في مدينة مستقرة في خدماتها وتنظيمها ومرافقها”.
/المرتضى: طرابلس حتى اليوم تحتفظ بأصالة القيم والعيش الواحد/
بدوره قال وزير الثقافة محمد وسام المرتضى: “طرابلس حكايةُ الإنسان والزمان”، عبارة سيكررها لبنان والعالم العربي هذا العام، عند التأمل في الشعار المرفوع عنوانًا للفعالية الثقافية الطرابلسية، الذي يضم رموزًا عن أبرز المعالم العمرانية في الفيحاء، بصورة تجسد تعاقب الحضارات على المدينة، وما تركت فيها من آثار باقيات، تحكي قصتَها مع الإنسان والزمان، والحضارةُ أيها الأحباء، عادةً ما تقولُ نفسَها بلسانين ناطق وصامت فأما اللسانُ الناطق فهو الفنون على أنواعها، وأما الصامت فهو الحجر الذي يمنح العصر الذي يكون فيه هوية ثقافية متميزة عن العصور السابقة أو اللاحقة. فالعِمارة هندسة وابتكار وفن بلا شك، لكنها وقبل كلِّ شيء، وثيقةُ سفَر الزمان في المكان”.
وتابع: “طرابلس، تسافر بين بحرها وبرِّها أزمنةٌ كثيرة، منذ عهدِها الفينيقيِّ الأول المعروف في التاريخ حتى يومِها الحاضر، بكلِ رجائِه وعثراته. ولها في كلِ زاوية من زواياها ذاكرة عمرانية تروي قصة حضارة نزلت في أرجائها، فابتنَتْ لها أزقَّة وأسواقًا وقلاعًا، ومعابدًا وتكايًا ودُورًا، فإذا كل حجر لسان يُنبئُ وصوت يخبّر. ولعل أكرم ما حباه الله تعالى للفيحاء، أن معالمها التاريخية لم تخلُ من الحياة مرة، فقد ظلت مأهولة، يترددُ الناسُ بين أنحائها القديمة والحديثة بلا انقطاع، منذ أن بُنيت إلى اليوم. يُضاف إلى ذلك أن هذه المدينة بسبب تراكم الحضارات المتعاقبة عليها، عرفتْ نعمة التنوع وجسدته على مرِّ العصور، فكان تأثيرها الاجتماعي الإنساني عظيمًا، إذ راحت تصهرُ في مصهر العيشِ الواحد ناسًا من مشارب ومناطق شتى، قَدِموا إليها واستقرُّوا فيها، وصاروا خلاصةً اجتماعيةً تحقق المفهوم الحضاري للمدينة كمتَّحَدٍ بشري، حتى إن كثيرًا من إفْرَنْجِ الحملات الصليبية، اندمجوا فيها وباتوا جزءًا أصيلًا من مجتمعِها. والكلام نفسُه يَسْري على أهل الجوارين البعيد والقريب، الذين جاؤوا إليها وصاروا منها ولها. إنها جاذبية الأرض التي كانت منذ نشأتها ملتقًى وفضاءَ حوار”.
وأكد: “أنه بهذه المعاني فإن الفيحاء كبساتين طرابلس، نجتمعُ اليوم لنشهد عرضًا تاريخيًّا عن العمران فيها، منذ عشية الاستقلال حتى مطالع الحرب المشؤومة. إنّها الحِقبة الذهبية كما يقول عنوان المؤتمر لكن هل طرابلس حتى في عزِّ فقرها وانعدام تنميتها، إلا ذهبًا خالصًا؟ أليست المدينةَ التي ما زالت إلى اليوم تحتفظ بأصالة القيم، وتعبر عن معنى العيش الواحد؟ وهاتان الركيزتان الأساسيتان لبناء الوطن: العيش الواحد والقيم، كما رددت في مجالس كثيرة، هما السببُ المباشِرُ الذي حملَ وزير الثقافة على الانتقال إلى طرابلس في دوام أسبوعي، ذلك أنَّ كلَّ معاني الوجود الوطني تتجسّد في طبيعة المدينة وطبائع ناسِها، وهي بهذا المعنى عاصمةٌ أولى لا ثانية للبنان. فمن هنا، بالعيش الواحد والقيم العليا نقاوم. من هنا، بالعيش والقيم نصون الوطن من أعدائه، ونحفظ عمرانه، تراثًا مستمرًّا مدى الآتي، من الهمجية التي أفلتت من عقال الإنسانية في غزة وجنوب لبنان، تلك التي تسعى لتعيث خرابًا في الأرض، إيمانًا منها بأنه لا رسوخ لها في منطقتنا قبل أن تقضي على لبنان النموذج النقيض لها، وايماناً منها أيضًا ان الدمارَ يعجِّلُ في تسليطِها على شعوب العالم كافةً” .
وختم المرتضى: “طرابلس تواجه اليوم الحرمان والإهمال الرسمي بالحراك الثقافي الذي سوف يؤتي أوكْلَه بتضافر جهود ابنائها، ومنهم الأخ والصديق العزيز الدكتور وسيم الناغي، وهي بتمسّكها بالعيش الواحد والقيم الوطنية والإيمانية الجامعة وتاريخِها الذهبي البهيِّ تؤسّس لمستقبلٍ ماسيِ الواقع والتطلّعات، يضيءُ على الوطن كلّه.
بارك الله في طرابلس وأزال عنها الغمّة لتحيا على الدوام أبيّة بهيّة”.
واختتم اللقاء بمحاضرة للمعمار وسيم ناغي، قدم فيها عرضًا تاريخيًا لتطور طرابلس منذ دخولها مطلع القرن العشرين حتى الحرب الأهلية ١٩٧٥ بكل التحولات التي مرت بها، سواء الاجتماعية العمرانية، نمط الحياة، الخدمات والبنى التحتية، التي كانت تتمتع بها المباني في طرابلس، والتي تشكل الرافعة الاقتصادية والإنمائية عبر القطاع الخاص والمؤسسات العامة، وقال: “طرابلس كانت في مكان آخر قبل الحرب الأهلية، وصارت تفقد أدوارها تدريجياً في السبعينيات والثمانينات حتى وصلت الأمور إلى مستوى من التدهور لم يعد محتملاً”.
وتابع ناغي: “يجب علينا للتخطيط للمرحلة القادمة، لا بد من تحليل الماضي وتشريحه والإستفادة من العبر والدروس ، ومعروف الدور المستقبلي للمدينة بكل ما تختزنه، مؤكدا “دور طرابلس الكبير في السياحة الثقافية وبدورها في أهمية رفع مستوى الأداء البلدي لرفع كفاءة البنى التحتية بالحد الأدنى وتحضيرها، لتكون مدينة مفتوحة للسياحة والنشاطات الثقافية والفنية والتجارة أيضاً”.
ليختم كلمته بالتطرق لمعرض رشيد كرامي الدولي ودور مؤسسة تراث نيامير في طرابلس، بمسيرة إنمائه عبر تحديث للقوانين ومنها قانون خاص للمعرض الذي أعده الوزير السابق سمير الجسر وتصنيف المعرض كتراث عالمي في سنة ٢٠٢٣.
وأعلن ناغي عن ثلاث مبادرات (لمؤسسة تراث نيامير في طرابلس) الأولى: تتضمن إصدار أول دليل تعريفي لزيارة معرض رشيد كرامي الدولي، كتعاون بين جمعية عمران ومؤسسة تراث نيامير في طرابلس وإطلاق فكرة بناء نصب لتخليد ذكرى نيامير داخل المعرض وذلك بتمويل من سفارة البرازيل والتحضير لإطلاق مشروع ترميم وتأهيل المسرح التجريبي المغلق داخل المعرض.
وجرت في الختام جولة تعريفية في المعرض وما يتضمن.