إقطاعي يُكبّل عمّالاً لبنانيين وسوريين ويجلدهم بأسلاك الكهرباء…

/خاص: الرائد نيوز/

ما المشاهد الصادمة التي نُشرت سوى جزء من سلسلة متواصلة قد تظهر حلقاتها في أي وقتٍ، طالما أن الإفلات من العقاب وغياب المحاسبة باتا سياسة مُكرّسة أوصلت لبنان إلى هذا الانحلال.

انشروها لكي يرى العالم ما يستطيع شربل طربيه فعله…”، قالها المُحرّض على ضرب وإذلال عمال سوريين ولبنانيين أغلبهم قُصّر، بعدما طلب توثيق الاعتداء بفيديوات ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. 

الفيديوات تعرض مجموعة من الشبان والمراهقين يتعرضون للجَلد والتعذيب في بلدة العاقورة في عكار شمال لبنان، فيما يظهرون في فيديو آخر وفي أفواههم رؤوس بطاطا بينما يقوم رجل بصفعهم على وجوههم وإهانتهم. أما عن السبب، فشربل طربيه، وهو أحد الإقطاعيين في المنطقة، استقدم الشبان للعمل لديه في قطاف الكرز. وبعد 4 أيام من العمل، اتهمهم بسرقة ساعة يد ونظارة شمسية، وذلك للتهرّب من دفع أجورهم. وبعدما نفى هؤلاء الشبّان تهمة السرقة، وأصروا على تقاضي حقوقهم، أرسل طربيه رجاله المسلّحين لربط العمّال وجلدهم بأسلاك الكهرباء وإذلالهم، مع توثيق الجريمة بفيديو يُذكّر بالعبودية الحديثة.

تتضافر عوامل كثيرة لتركيب ذلك المشهد القاسي، فلا دولة قوية تردع المستقوين عن استغلال الضعفاء، ولا إدارة للانهيار الذي بدأ اقتصادياً وتعمّقت آثاره اجتماعياً وأخلاقياً، فزاد منسوب القتل والسرقة والاستغلال والتفلّت.

وفق المعطيات التي حصل عليها “درج”، فإن “الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان” تقدّمت بشكوى معتبرةً أن هناك نقطة معيارية في حادثة العاقورة تتمثّل بضلوع جهاز إنفاذ قانوني في الحادثة عبر مشاركة جهاز أمني أو عسكري في الاعتداء على العمال. ففي حال ثبوت مشاركة أحد تلك الأجهزة عبر تنفيذ الاعتداء أو التغاضي، فإن الاعتداء يندرج تحت مفهوم التعذيب بحسب القانون اللبناني والاتفاقيات الدولية، أما إذا لم يثبت ذلك، فإن حادثة العاقورة لن تتعدى الأفعال الجرمية الجنائية، وفق القانون اللبناني. 

بعد شيوع الخبر، أعلنت “المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي” أن طربيه ادّعى يوم الإثنين 20 حزيران/ يونيو أمام مخفر العاقورة على عدد من العاملين لديه قائلاً إنهم سرقوا مبلغاً وقدره مئة مليون ليرة لبنانية. وبناء على إشارة القضاء تم تحويل الشكوى إلى قوى الأمن الداخلي مفرزة جونيه القضائية في وحدة الشرطة القضائية لمتابعتها. وبعد انتشار الفيديوات، “فتح المخفر المعني تحقيقاً بناءً على إشارة القضاء المختصّ وقد أخذت إشارة بإحضار الشخص الذي يعملون لديه للاستماع لإفادته بهذا الشأن”، وفق ما ورد في بيان المديرية.

من جهةٍ أخرى، أكّد مفوّض العلاقات الدولية في “الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان” بسام القنطار أن “ما من تحقيق حالياً في الحادثة”، على عكس ما ادّعت القوى الأمنية، مشيراً إلى أن الجاني متوارٍ عن الأنظار ولم يدلِ بإفادته أمام الجهة المعنية. وأشار القنطار إلى ضغوط تُمارس بحق الناجين من الاعتداء، خصوصاً أنهم رفضوا تقديم أي شكوى ضد طربيه.   

يقول القنطار لـ”درج” إن “القضاء أمام استحقاق جدي في حادثة العاقورة، لا سيما لجهة تطبيق المادة 5/65″، التي تنصّ على “ضرورة تولّي قاضي التحقيق الناظر في الدعوى لجميع إجراءات التحقيق دون استنابة الضابطة العدلية أو أي جهاز أمني آخر للقيام بأي إجراء باستثناء المهمات الفنية”. وعليه، فإن أي توكيل لعسكري لمتابعة التحقيق فيه مخالفة صارخة للقانون، هذا عدا إمكانية إخفاء الأدلة أو ترهيب الشبان المعتدى عليهم. 

قانون مناهضة التعذيب… خارج حيّز التنفيذ  

المشاهد التي كشفت تعذيب العمال ليست حالة استثنائية. إذ إن سجل لبنان في مجال التعذيب حافل، لا سيما في مراكز التحقيق والاعتقال، وسط غياب كامل لملاحقة الجاني. ففي حادثة العاقورة مثلاً، وعلى رغم بيان المديرية، إلا أن مصير الشبان لا يزال مجهولاً، وإلى حين اتّضاح خيوط الجريمة، قد يفقد بعضهم حياته جرّاء التعذيب، كما أنه لا توجد محاسبة فعلية لمرتكبي التعذيب.

على رغم مرور 5 أعوام على إقرار قانون مناهضة التعذيب 65/2017، يؤكّد المحامي فاروق المغربي لـ”درج” أنه “لم يصدر أي حكم قضائي بحقّ أي من مرتكبي جرم التعذيب”. ووفق المغربي، فإن نصّ القانون لا يُحدّد جهة معينة لتقديم شكاوى التعذيب، إذ إن بعضها يُحوّل إلى المحكمة العسكرية، فيما حُوّل الجزء الآخر من شكاوى التعذيب لا سيما في انتفاضة 17 تشرين، إلى محاكم أخرى. وهو ما يؤكّد عدم وجود توجّه واحد لدى القضاء في ملف التعذيب. 

فخلال انتفاضة 17 تشرين 2019 تعرّض عشرات المتظاهرين إلى التوقيف من قبل الأجهزة الأمنية، إذ وثّقت “المفكرة القانونية” بالتعاون مع “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” أكثر من 967 حالة توقيف و732 حالة عنف لغاية 15 آذار/ مارس 2020، ومورست على الموقوفين أنواع من التعذيب، حتى إنّ بعضهم تعرّض للصعق بالكهرباء، في مخالفةٍ واضحةٍ للقانون رقم 65/2017 الذي ينصّ على حظر تعذيب الموقوفين.

إذاً، فإن الإشكالية تعود بالأساس إلى تطبيق قانون مناهضة التعذيب من جهة، وإلى تجنّب القضاء لمحاسبة عناصر الأجهزة الأمنية من جهةٍ أخرى. وما المشاهد الصادمة التي نُشرت سوى جزء من سلسلة متواصلة قد تظهر حلقاتها في أي وقتٍ، طالما أن الإفلات من العقاب وغياب المحاسبة باتا سياسة مُكرّسة أوصلت لبنان إلى هذا الانحلال.

https://daraj.com/92195/

/مريام سويدان- درج/

اترك رد إلغاء الرد