ميقاتي رئيسًا… للمسلمين فقط؟

لم يخرج يوم الاستشارات النيابية الملزمة عن السياق المتوقّع له، أقلّه قبل ساعات من الموعد الصباحيّ الأوّل في جدول مواعيد استشارات “القصر”. عشيّة اللقاءات المنتظَرة بين رئيس الجمهورية ميشال عون والكتل النيابية والنواب والمستقلّين، كانت المشهديّة تدلّ بوضوح على عودة نجيب ميقاتي إلى السراي الحكومي بفعل عاملين أساسيَّين:

– العامل الأوّل هو خروج “القوات” من اصطفاف التصويت للسفير السابق نواف سلام، في خطوة بدت مفاجئة بالنسبة إلى البعض، ومتوقَّعة بالنسبة إلى البعض الآخر. ولذا حملت تفسيرات كثيرة، أبرزها تسليف ميقاتي “دفعة مُسبقة” على أن يكون الردّ في أولى حكومات العهد الجديد إذا ما كان ميقاتي هو المكلّف أيضاً. مع العلم أنّ المطّلعين على العلاقة الثنائية يشيرون إلى أنّها عبارة عن “حبّ من بعيد لبعيد”.

فيما علم “أساس” أنّ أصوات القوات، لو صبّت لسلام، الذي لا حظوظ له، كانت سترفع من قدرات جبران باسيل على ابتزاز ميقاتي للحصول على ما يريده من حقائب والتزامات، مقابل تأمين تكليفه. وتصويت القوات بورقة بيضاء نزعت ورقة القوّة هذه من يد “العهد”.

– العامل الثاني هو التشظّي الذي أصاب المجموعات المعارِضة، التي تخبّطت فيما بينها بين تكليف نوّاف سلام والتصويت بـ”لا تسمية”، وهو ما أتاح لميقاتي استعادة الموقع المتقدّم بين غيره من المرشّحين. وقد يكون رئيس آخر حكومات عهد الرئيس ميشال عون. خصوصاً أنّ ثمّة مؤشّرات إضافية راحت تتراكم لدى رئيس حكومة تصريف الأعمال تشي بأنّ الاستحقاق الرئاسي سيحصل في موعده، وقد يكون في قصر بعبدا رئيسٌ قبل شهر تشرين الأول المقبل. وهذا يعني أنّ عمر الحكومة المنتظَرة لن يتعدّى الأشهر القليلة.

ميقاتي غير مهتمّ

بهذا المعنى لم يبدِ ميقاتي اهتماماً لـ”السكور” الذي سيناله في نهاية اليوم الطويل، ولم يكن مكترثاً لعدم تصويت الكتلتين المسيحيّتين الكبريَيْن، القوات والتيار الوطني الحرّ، ومعهم كتلة الكتائب وعدد من النواب المسيحيين المستقلّين، والمسيحيين من بين التغييريين، ولا الكتلة الدرزية بعد انقلاب “اللقاء الديمقراطي” عليه لمصلحة نوّاف سلام، مع العلم أنّ كلّ المعطيات التي توافرت لدى ميقاتي تفيد بأنّ موقف الجنبلاطيين ينطلق من اعتبارات شعبوية بفعل الاعتراض الذي سجّلته قواعد الحزب التقدّمي ومسؤولوه بعد التصويت لنبيه برّي لرئاسة مجلس النواب. ولذا اختار وليد جنبلاط أن يدغدغ مشاعر ناسه من خلال التصويت الاعتراضي لرئاسة الحكومة، وهو العارف أنّه ممرّ إلزامي للتوزير الدرزي ولا يمكن القفز فوقه.

على هامش اليوم النيابي، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

– بلغ رصيد ميقاتي من مخزون الأصوات السنّيّة 15، توزّعت بين تكتّل الاعتدال الوطني (وليد البعريني، محمد سليمان، أحمد الخير، عبد العزيز الصمد)، نائبَيْ “الأحباش” (عدنان طرابلسي وطه ناجي)، نائب الجماعة الإسلامية عماد الحوت، حسن مراد، بلال الحشيمي، نبيل بدر، عبد الكريم كبّارة، النائب في كتلة الرئيس نبيه برّي قاسم هاشم، ونائبي كتلة حزب الله من بعلبك – الهرمل ملحم الحجيري وينال الصلح، والنائب في تكتل جبران باسيل محمد يحيى.

أطلق الياس بو صعب إشارة صباحية دشّن فيها شريط الاستشارات من خلال إعلانه عدم التصويت لأيّ مرشح لرئاسة الحكومة، فبدا جليّاً أنّ “تكتّل لبنان القوي” سيهمل ورقة نواف سلام في ختام اليوم الطويل.

– جهاد الصمد خرج عن سياق سُنّة قوى الثامن من آذار، وسمّى سعد الحريري لاعتبارات طرابلسية.

– وزّع نعمة إفرام صوتَيْ كتلته المركّبة عشوائياً، بين الـ”لا تسمية” وبين ميقاتي، ليضرب عصفورين بحجر واحد: الشعبوية، والإبقاء على خيط رفيع مع رئاسة الحكومة.

– لم يتّفق النوّاب السُنّة المعارضون على مرشّح واحد، فاختار كلّ من فؤاد مخزومي، وعبد الرحمن البزري، وأسامة سعد “اللا تسمية”، فيما قاطع أشرف ريفي المشاورات.

– سجّل النائب إيهاب مطر صوتاً استعراضياً من خلال تكليف الدكتورة روعة الحلّاب.

– لم تفلح محاولة نواب “17 تشرين” في استخدام “الصورة الجامعة” خلال لقائهم مع رئيس الجمهورية، لتغطية عورة خلافاتهم، بعدما انقسموا في الرأي بين مَن كلّف نوّاف سلام ومن اختار “اللا تسمية”. إذ إنّ النواب مارك ضو ونجاة صليبا وملحم خلف وميشال الدويهي وبولا يعقوبيان ورامي فنج ووضّاح صادق وياسين ياسين وإبراهيم منيمنة وفراس حمدان سمّوا نوّاف سلام، فيما النواب الياس جرادي وسينتيا زرازير وحليمة قعقور لم يسمّوا أحداً.

وقد تبيّن أنّ الانقسام وقع بسبب عدم اقتناع هؤلاء النواب بمقاربة نوّاف سلام الاقتصادية، ولا سيّما في ما يتّصل بشبكة الأمان الاجتماعية المفترض توفيرها من أجل صمود الناس خلال هذه المرحلة التي تتضمّن إجراءات قاسية، وذلك وفق أحد النواب. وقد تمّت مناقشة خطّة سلام خلال اجتماعه معهم. لذا لمّا صارت حظوظ السفير السابق معدومة، خصوصاً بعد انكفاء القوات، فضّل ثلاثة نواب من هؤلاء عدم تسمية أحد، واختار عشرة منهم تكليف نواف سلام.

اللافت أنّ سلام تكبّد عناء شرح خطته الاقتصادية لأكثر من ثلاث ساعات أثناء اجتماعه مع هذه المجموعة، بينما “اشتكت” القوات من عدم اطّلاعها على مشروعه وأفكاره، وهي التي سبق لها أن كلّفته في المرّة السابقة.

– خرج النواب الأرمن كما النائب محمد يحيى عن “انضباط” تكتّل لبنان القوي، وسمّوا ميقاتي.

هكذا يبدأ ميقاتي اليوم رحلته الحكومية الجديدة، ولو بتكليف ضعيف بلغ 54 صوتاً، وذلك بلقاءات بروتوكولية مع رؤساء الحكومات السابقين، ثمّ يلتقي النواب خلال الأسبوع المقبل لإجراء استشارات غير ملزمة وسط كلام يرجِّح عدم استعجال رئيس الحكومة المكلّف لوضع أوّل تصوّراته الحكومية التي لن تتجاوز بعض التعديلات على الحكومة الأخيرة، إذا ما صدقت التوقّعات وسارع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الدعوة إلى عقد جلسة انتخابية لاختيار خلف للرئيس عون، مطلع شهر أيلول المقبل.

كريستال خوري- أساس ميديا/

اترك رد إلغاء الرد