سيادةٌ وسياديّون وحكومة

خاص الرائد نيوز: بقلم الوزير السابق جوزيف الهاشم

كلّّفوهُ ، كأنَّ ما كلَّفوهُ وَهُـمُ الحكْمُ : أُمُّـهُ وأبـوهُ .

      كلَّفوه … وأيَّ حكومةٍ سيؤلِّف …؟ ما هو إسمها وشكلُها ولونها ، وأيَّ رداءٍ ترتدي التماثيل العارية ..؟ 

      تتكرَّر المسرحيات الدستورية على مـدى السنوات الستّ ، تصدُرُ مراسيم “التجنيس” السياسي للحكومات ، وتكثر التسميات باسم الوطنية والوحدة الوطنية لتحسين ِ صورةِ الجسم بالإسم ، كالعبدةِ التي تُطلِقُ على مولودها إسمَ القمر . 

      حكومةٌ وطنية في وطنٍ مدمَّـر ، ووحدةٍ وطنية في وطنٍ مبعثر ، لا هي حكومة ، ولا وطنية ، ولا وحدويّة ، بل تكاد تُشبهُ تلك الإمبراطورية الرومانية المقدسة ، التي كان البابا فيها يسيطر على أرواح الناس والأمبراطور يسيطرُ على أجسادِ الناس ، وفيها يقول الفيلسوف الفرنسي “فولتير” : “إنَّ الأمبراطورية الرومانية المقدسة ، لم تكن رومانية ولا أمبراطورية ولا مقدسة” … 

      ولكن ، هذا النابغة “فولتير” ، عندما تخلَّـى عن وظيفـةٍ في القصر الجمهوري للإنصراف إلى العمل المسرحي ، لم يكن يدرك أنّ أبـرز الأعمال المسرحية هي التي تُمثَّلُ في القصور . 

      كلّ التسميات عندنا ، أكثـرُ ما تكون ألقـاباً مستعارة : حكومةٌ سياديّة ، رئيسُ حكومةٍ سيادي ، حقائبُ وزارية سياديّة ، نـوابٌ سياديون ، الحدود البحريّة سياديّة ، والحدود البرّية سياديّة جداً ، والسيادة عندنا مكبّلة بسلاسل العبودية ، والذين يحكمون باسم السيادة يموتون في سبيل الحكم وهـمْ أحياءٌ عند لبنان ، يُرزقون ويسترزقون . 

أيَّ حكومةٍ سيؤلَّف المكلَّف ، إذا ما اصطدم بهذا “الغـول” الذي إسمه الميثاقية ، أو إذا رُسمَتْ في وجهـه شروطٌ كأنّها البيان الوزاري : وزارة الخارجية في مواجهة العقوبات الأميركية ، وزارة الطاقة لمواجهة استخراج الغاز ، وزارة العدل للتحَّكُم بالقرارات ، وطائفةٌ سمينة راجحة من التعيينات الإدارية والمالية والقضائية والعسكرية ، لتبرير الإقتناع بها تتـمُّ مطاردةُ حاكم مصرف لبنان بوصفه الطريدة التي يطيب للشعب استهدافها بالإتّهام . 

      بمعنى آخـر ، إذا تعذّر الإستمرار بالحكم بواسطة امتلاك الرئاسة الأولى ، فليكن الإستمرار بامتلاك أجهزة الدولة ، تطاولاً على العهد الذي يأتي ومصادرة نفوذه السلطوي . 

      هكذا … مع كل استحقاق تُفرض الشروط : فإمّا أنْ تكون وإمّـا الفراغ ، وهي محكومةٌ بقبضتين : القبضة التي تحمل قلم توقيع المراسيم ، والتذرُّع بقبضة القـوّة الظاهرة أو القـوّة المستترة ، والسلامُ لإسمِـه مـار مخايل المقيـم في الشياح . 

      وطـنٌ يتهاوى على حبال الإنهيار ومشارف الهلاك ، ونحن نتسابق على مكاسب ذاتية “سيادية” وعلى بقايا دولةٍ أصبحت جماداً وهيكلاً عقيماً .  

      ماذا … ونحن في ظلالِ معمعةٍ من التصارعات الدولية والإقليمية ، مشحونةٍ بالتحولات التاريخية والجغرافية في المنطقة والعالم …؟  

فهل تستطيع هذه الدولة السيادية أنْ تؤلّف حكومة ، أو تنتخب رئيساً للجمهورية من دون إرادةٍ دولية …؟  

وإلاّ … فلا تقولوا : في لبنان دولـةٌ وحكمٌ وحكومةٌ وسيادة وأسياد وسياديّون … بل هو بلـدٌ : البابُ فيه أكبر من البيت .

 

عن جريدة الجمهورية 

بتاريخ : 24/6/2022

اترك رد إلغاء الرد