ملف الترسيم: حقائق ومغالطات

رغم الحيز الذي يشغله ملف التفاوض غير المباشر في ملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، ما زال هذا الملف فاقدًا بوصلة طريقه على الأقل من الجانب اللبناني، تتقاذفه آراء ومواقف سياسية وقانونية متباينة حينًا ومبهمة حينًا آخر، ما أدخل المواطن اللبناني في متاهة خطوط ومعادلات، أسقطت كل آماله في الإنقاذ على طاولة الساسة والمحللين.

فما حقيقة هذه الخطوط؟ ومَن اخترعها؟ وهل هي مجرد أرقام وهمية أم خطوط تقنية لها مرتكزات تستند إليها؟ وهل هي أوراق سياسية يمكن الدولة أن تفاوض عليها في ملفاتها الإقليمية والدولية على حساب المواطن من دون حسيب ولا رقيب؟

نعود إلى الوراء مع بداية مسار ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، أي إلى العام 2007، حيث وقّع لبنان في 17 كانون الثاني 2007 اتفاقاً ثنائياً مع قبرص لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين، والتي بموجبها اعتمد لبنان على رسم إحداثياته الجغرافية بين نقطتين مؤقتتين (1) و(6)، تبين في ما بعد عدم صحتها. وفي عام 2008، وبموجب قرار مجلس الوزراء الرقم 107 تاريخ 30/12/2008، تمّ تشكيل لجنة مشتركة من ممثلين عن الوزارات المعنية في الحكومة، لوضع تقرير مفصّل حول حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، وبنتيجة أعمال اللجنة توصلت في 29/4/2009 إلى أنّ النقطة (23) هي النقطة الثلاثية بين لبنان وقبرص وفلسطين المحتلة بدلًا من النقطة (1).

وفي 14/7/2010 أودع لبنان الأمين العام للأمم المتحدة الإحداثيات الجغرافية لحدوده الجنوبية للمنطقة الإقتصادية الخالصة له المتمثلة بالخط (23). في 17/12/2010 وقّع العدو الإسرائيلي اتفاقاً ثنائياً مع قبرص لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين، مستغلًا الخطأ الذي وقع فيه لبنان في اتفاقه مع قبرص، فانطلق من النقطة المؤقتة (1) بدل من (23). وقد أبدى لبنان في 3 أيلول 2011 اعتراضه على الإحداثيات الجغرافية للعدو الإسرائيلي في المنطقة الاقتصادية الخالصة، والتي تضمّنها الكتاب الإسرائيلي الذي أودعته بعثة إسرائيل لدى الأمم المتحدة في 12/7/2011.

وفي 17/8/2011، أي قبل إصدار المرسوم الرقم 6433 /2011 صدر تقرير عن المكتب الهيدروغرافي البريطاني UKHO والذي كان مكلّفاً من الحكومة اللبنانية آنذاك بإعداد تقرير حول الحدود البحرية اللبنانية، يتضمن اقتراح تعديل الخط (23) إلى آخر يُعرف اليوم بالخط (29). غير أنّ هذا التقرير بقي في أدراج مجلس الوزراء وصدر المرسوم الرقم 6433 في1/10/2011 محتفظًا بالخط (23) بدلًا من الخط (29).

وفي العام 2013 أعدّ العقيد مازن بصبوص دراسة قانونية وتقنية إنطلاقًا من اقتراح المكتب الهيدروغرافي البريطاني UKHO بيّن فيها أحقية لبنان بالخط (29) طبقًا للأعراف الدولية والسوابق القضائية في منازعات ترسيم الحدود البحرية. ومن هنا بدأ نزاع الخطوط بين (1) و(23) و(29). أما خط هوف، فهو الخط الذي اقترحته الولايات المتحدة الأميركية عبر سفيرها فردريك هوف في عام 2012 كاقتراح لحلّ نزاع الحدود البحري مع العدو الإسرائيلي، والذي يقضي بتقاسم المنطقة التي تقع بين الخط (1) والخط (23)، بحيث يكون للبنان الثلثان وللعدو الإسرائيلي الثلث.

مما لا شك فيه، أنّ حالة النزاع التي نشأت بين الخطوط منذ 2007 حتى اليوم سببها الرئيسي إهمال الدولة وفسادها في إدارة ملفاتها، ما أتاح للعدو الإسرائيلي الاستفادة من الإهمال والخطأ لتحقيق مكاسبه.

كما أنّ استمرار الدولة في اعتماد الموقف المبهم في عدم الإعلان عن النهج الذي تعتمده في سياستها التفاوضية في هذا الملف، والتردّد بين الخط (23) تارة والخط (29) تارة أخرى، يثيران كثيراً من الشكوك والتساؤلات التي تخوّل الشعب اللبناني الحق في المطالبة بالشفافية والمساءلة.

وفي ظلّ إصرار الدولة على عدم التصريح بحيثيات اللقاء الذي دار مع الموفد الأميركي آموس هوكشتاين، يبدو أنّ المشهد لا يخرج عن التصور التالي: إنّ الدولة اللبنانية لم تثر في لقائها مع الموفد الأميركي أحقيتها في المطالبة ببدء التفاوض انطلاقًا من الخط (29)، بل انطلقت من حدود الخط (23)، فتكون بذلك سحبت صفة النزاع عن المنطقة الواقعة بين الخط (23) والخط (29) والمتضمنة حقل «كاريش». وما أثير في الإعلام عن مقايضة حقل قانا بحقل «كاريش» هو محض «بروباغندا» إعلامية، تهدف الى ذرّ الرماد في العيون، للتغطية على حقيقة المشهد. فالمعادلة غير سوية، فكيف نقايض حقل قانا وهو حقل احتمالي غير مكتشف، بحقل «كاريش» المكتشف منذ عام 2013، والذي خضع للتنقيب والتطوير؟!

واقعًا، إنّ زيارة الموفد الأميركي كانت بالفعل إيجابية من المنظور الأميركي والإسرائيلي، لجهة ما حققته من سحب صفة النزاع عن المنطقة التي يقع فيها حقل «كاريش» وإخراج الخط (29) من ملف التفاوض. هذه الإيجابية دفعت إسرائيل في اليوم التالي لانتهاء زيارة هوكشتاين، إلى توقيع مذكرة تفاهم ثلاثية مع مصر والاتحاد الأوروبي لتصدير الغاز، والتي يُعتبر حقل «كاريش» أحد الحقول محل هذا الاتفاق.

قد يكون ما أفصح عنه هوكشتاين حول زيارته الأخيرة للبنان، كاشفًا لحقيقة المركز الذي تلعبه السلطة في ملف الترسيم. فإذا كان الوسيط في ملف التفاوض يرى أنّ لبنان حاليًا لا يملك شيئًا وعليه القبول بما يُعرض عليه من فتات، بغض النظر عن حجم وأهمية الملف القانوني الذي يرتكز إليه، فما الذي يمكن أن نأمله بعد…

/خديجة حكيم- الجمهورية/

اترك رد إلغاء الرد