قصة زهرة التوليب المثيرة التي أسرف العثمانيون في الاهتمام بها.. لماذا وصل بهم الحد لتقديسها؟

ما إن يحل شهر أبريل/نيسان من كل عام حتى تستعد تركيا لحدث بارز يهتمُّ به الكثيرون حول العالم، وهو إقامة “مهرجانات التوليب” بطول البلاد وعرضها، تتزّين فيه الشوارع والحدائق والمتنزهات بآلافٍ من الزهور مختلفة الأشكال والألوان، التي بلغ عددها عام 2016، 30 مليون زهرة، في إحياءٍ لتقليد عثماني قديم كان شاهداً على مرحلة هامة من تاريخ الخلافة الإسلامية، ولم يكن غائباً عن الدولة التركية حين قررت تصميم مبنى بعثتها الدبلوماسية في نيويورك على شكل زهرة توليب، باعتبارها أيقونة للتاريخ العثماني بأسره.

اشتهر عددٌ من قادة الدولة العثمانية بإحياء تلك المهرجانات، أبرزهم السلطان أحمد الثالث (1703-1730)، الذي كان يقضي أغلب وقته خلال فصل الربيع في حضور مهرجانات التوليب، بصحبة وزيره الأعظم إبراهيم باشا، لدرجة عجز معها السفير الفرنسي فيل لينوف -ذات يوم- عن نيل فرصة للقائه، إلا بعد توسُّط الأميرة العثمانية الشهيرة فاطمة سلطان، ابنة الخليفة العثماني سليم الأول، وزوجة الصدر الأعظم إبراهيم باشا، الذي وافق على ترك مهرجان التوليب ولقاء سفير فرنسا كرامةً لشفاعة زوجته.

ووفقاً لشهادة الليدي ماري ورتلي مونتاجو (Mary Wortley Montagu)، زوجة السفير البريطاني لدى الدولة العثمانية خلال تلك الفترة، فلقد اشتهر السلطان أحمد بالتفنّن في تدشين تلك المهرجانات التي كان يستضيفها قصر توبكابي كل عام، حيث تُعرض صفوف زهور التوليب الواحدة تلو الأخرى من مختلف الأشكال والألوان في صفوفٍ متراصّة، ثُبّتت فوقها مصابيح صغيرة، أضفى ضوؤها البريق على وريقات التوليب.

وكان يتعيّن على ضيوف تلك المهرجانات -مسؤولي الدولة وكبار الدبلوماسيين الأوروبيين- ارتداء ألوان متناسقة مع ألوان زهور التوليب، حتى يغدو الحدث كاملاً كرنفال ألوان، برعاية الدولة، لم تكن تلك المهرجانات مجرد كرنفال، وإنما تدشين لمعالم عصرٍ جديد يتجلّى في أراضي الأناضول، قائم على البهجة والألوان والبذخ، عصر اعتُبرت التوليب رمزه الأوحد والأشهر.

ما قبل المهرجانات

تقول الباحثة راشيل فراي في أطروحتها “إعادة فحص عصر التوليب العثماني”، إن الاستعانة بالتوليب لم تكن جديدة على الذائقة الثقافية التركية، ففي الوقت الذي تخلو فيه المنحوتات والزخارف البيزنطية واليونانية والرومانية -بشكلٍ قاطع- من الاستعانة بالزهرة، نجدها تظهر عدة مرات في مشغولات تركية قديمة، ليس في عهد العثمانيين وحسب، وإنما كانت إحدى أشكال التزيين التي عرفها شعوب الأناضول في زمن السلاجقة.

كما ظهرت التوليب في أشعار الشاعر جلال الدين الرومي -عاش ومات في تركيا خلال القرن الـ12 الميلادي- مثل قوله الشهير “روح التوليب تبحث دوماً عن حديقتها”.

وهكذا، فعندما قامت الدولة العثمانية عام 1299م، كانت زهور التوليب قائمة في المرجعية الفنية التركية، في العصر العثماني سُمِحَ للفنانين بنشر رسوم الزهرة أكثر وأكثر في ربوع الدولة، بدءاً من واجهات البيوت والمساجد وحتى سجّادات الصلاة، ومن أشهر الأمثلة على ذلك مسجد رستم باشا، الذي جرى تشييده ما بين عامي 1561م و1563م، وكُسيت جدرانه ببلاط محلّى برسومات التوليب بأنواعٍ مختلفة لا تزال قائمة حتى اليوم.

اتّسق هذا النشاط مع الثوابت الإسلامية الفنية التي اعتنت بالنقش والزخرفة والتخطيط، عوضاً عن التجسيم والتمثيل والنحت التي حرّمها الإسلام، فاهتمَّ الفنّان المُسلم بزخرفة جدران المساجد وتحليتها بأجود الخطوط عن تجسيد ملامح النبي وكبار الصحابة.

هذا الشغف بالتوليب لم يأتِ اعتباطيّاً، وإنما -وبحسب بعض التحليلات الفنية- فإن رأس زهرة التوليب اعتُبر مرادفاً لكلمة الله، لذا أسرف العثمانيون في العناية به وحفره في كل ميادين حياتهم، كإحدى تجليات الله في الطبيعة، وإحدى تجليات احتفائهم بعقيدة التوحيد في نفوسهم، وبالتأكيد كانت هذه وجهة النظر التي اعتمدت عليها إيران لانتقاء رمز علمها الجديد، الذي أقرّته عقب اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979م، وهو رأس “التوليب الحمراء”.

في عهد الخليفة سليمان القانوني بدأت الجهود الأولى لتوطين زراعة التوليب في الأراضي العثمانية بشكلٍ نَظامي ترعاه الدولة وتؤطِّر أساليب عمله. وهو ما أدّى لقيام عمليات تهجين منتظمة أنتجت المزيد من أشكال الزهور التي أطارت عقل النبلاء العثمانين، ودفعتهم لرعاية المزيد من جهود التلقيح تلك، أملاً في ظهور المزيد من السلالات

وأيضاً، في عهد سيلمان القانوني، خرجت زهرة التوليب الأولى من تركيا إلى هولندا عبر الكونت أوغيير دي بوسبيك (Ogier Ghiselin de Busbecq) سفير آل هبسبورغ في الدولة العثمانية، والذي حمل إحدى الزهور معه. سريعاً حقّقت التوليب رواجاً كبيراً في أوروبا، وهو ما تتجلّى ملامحه من سيرة فرانسيسكو كايتاني دوق سيرمونيتا (Sermoneta) الإيطالية، الذي أصبح مهووساً بالتوليب لدرجة دفعته لزراعة 15 ألف زهرة في حديقته، كما بلغ هوس الهولنديين بالتوليب حدّاً أدى لارتفاع أسعارها، حتى وصلت قيمة الزهرة الواحدة لثمن منزل!

وبحسب وصف كتاب “ألف اختراع واختراع: التراث الإسلامي في عالمنا”، فإن التوليب كان “غزواً ملوناً” اقتحم به العثمانيون حدود العالم الغربي.

وهو ما يتَضح بأبرز ما يكون حين نعرف أن محمد الفاتح عقب سقوط القسطنطينية بين يديه، أمر بإنشاء قصر “طوب قابي” ليكون مقرَّا جديداً لحُكم المدينة تحت الراية المُحمدية. تضمّنت محتويات القصر 12 حديقة فاخرة اشتملت على كافة أنواع الزهور، على رأسها التوليب، التي خُصِّص لها قرابة 900 بستاني للعناية بها على النحو الأمثل.

ولم يكن هذا المسلك غريباً على الحضارة الإسلامية التي لطالما اهتمَّ ملوكها بتدشين الحدائق الملكية في قصورهم. يقول أندرو واتسون في كتابه “الابتكار الزراعي في بداية الإسلام”: حيثما حلَّ المُسلمون الأوائل أنشأوا جنّاتٍ أرضية تُعطي ملامح الجنة المرتقبة في الآخرة، إن قائمة المدن الإسلامية التي تفاخرت بالنفقات الهائلة على الحدائق طويلة جداً، كان في مدينة دمشق 110 آلاف حديقة”.

هذا الغرام العثماني بالتوليب تعمّق أكثر وأكثر عبر تنظيم ما عُرف بـ”مهرجانات التوليب”، والتي عرفتها الدولة العثمانية منذ القرن الـ18 الميلادي، كمعبِّرٍ عن تلك الروح الجديدة -والقصيرة- التي تلبّست الدولة العليّة حينها عبر الانفتاح على الغرب وتبنّي أساليبه في الإدارة وفي التخلّي مؤقتاً عن الجهاد والحرب وإعلاء التوجهات الترفيهية والاستهلاكية عند العثمانيين.

عصر التوليب

وبحسب ما روته الباحثة راشيل فراي، فإن هذه الفترة بدأت بتوقيع معاهدة باساروفيتش، في يوليو/تموز 1718، التي أنهت حالة الحرب بين إسطنبول والبندقية، وهو ما دفع المؤرخين لتصنيفه كـ”عصر نهضة عثماني”.

بدعمٍ من الخليفة شخصيّاً تسابق رجال الحاشية العثمانية على اقتناء تلك الزهور، فانتشرت بشكلٍ هائل في كافة أسواق إسطنبول، وهو ما انعكس على مظاهر الحدائق العامة والحدائق الملكية التي ازدانت جميعاً بالتوليب. حالة الهوس تلك انعكست على فنّاني ذلك العصر، الذين انصاعوا للموضة وللهوى السُّلطاني، فأسرفوا في استخدام التوليب في زخرفة البلاط وواجهات المباني واللوحات المرسومة والمنسوجات.

وبحسب شهادة الليدي ماري، فإن “حدائق التوليب والنوافير العامة والمتنزهات” باتت بؤرة للتفاعل الاجتماعي بين الأتراك وأماكن للترفيه على النخبة العثمانية وكذلك رجال ونساء الطبقة الوسطى.

في هذه الأجواء، شهدت بداية القرن الـ18م حدوث زيادة هائلة في سكان إسطنبول، وهو ما شكّل أزمة اقتصادية عانت منها الأسواق بسبب انخفاض قيمة العُملة، ما أدّى لتراجع ثروة التجار، فحاوَل بعضهم الحصول على ثروة إضافية عبر رفع أسعارها، مستغلين حالة الإقبال الدائم عليها، وهو ما رفضته الحكومة العثمانية وتدخلت عبر تحديد تسعيرة جبرية لكل فصيلة، كما توعّد الخليفة كل مَن يُخالف ذلك القرار بالإعدام.

الإقبال على اقتناء التوليب كان خير مُعبِّر عن ذلك العصر الذي عاشته الدولة العثمانية ما بين 1718 و1730، والذي أبدت فيه إسطنبول تبنيّاً متزايداً للإصلاحات الأوروبية، فعبر استغلال حالة السلام النسبي الذي عاشته الدولة العثمانية مع جيرانها الأوروبيين، انفتحت الدولة على الغرب، وأقامت جسور تعاون ثقافية عِدة معه، ورغب قادتها في إعادة بناء الدولة على النسق الأوروبي، بدءاً من الاقتصاد والثقافة (جرى تأسيس أول مطبعة عثمانية سنة 1726م)، وحتى قطاعات الجيش الذي حاول الخليفة ووزيره إعادة هيكلته وفقاً للنُّظُم الغربية.

بطبيعة الحال لم تكن كافة تلك المهرجانات كافية لحلِّ المشاكل العميقة التي ضربت أساس الدولة العثمانية، وإنما كان الأمر أشبه بطلاء منزلٍ مصدّع بطبقة دهان سرعان ما ستزول، وهو ما حدث تحديداً في نهاية الأمر.

يقول المؤرخ الشهير أحمد جودت باشا في كتابه “تاريخ وقائع الدولة العثمانية”، إن ذلك العصر ظهر فيه ميل الدولة إلى السير على طريق المدنية، غير أنها تركت الرؤوس وتمسّكت بالأذناب، بل شرعت في زخرفة البنيان من غير أن تنظر إلى أساسه”.

أحرقوا زهرة السلطة

كنتيجة طبيعية لاقتران زهرة التوليب بالنُّخبة الحاكمة العثمانية، بداية من الخليفة وحتى كبار رجال الدولة، كان عليها أن تتحمّل سخط الغاضبين عليهم. أغضبت الإصلاحات العثمانية طبقات كثيرة من المجتمع العثماني -على رأسهم رجال الدين والانكشارية- الذين جاهروا بمعارضة نفقات السُّلطان الباهظة على مهرجانات التوليب، ما أدّى إلى تمرُّد بعض فرق جنود الانكشارية، بقيادة القائد الألباني بترونا خليل عام 1730م، والتي اشتملت تدمير حدائق التوليب الرسمية وتحويلها إلى مراعٍ للماعز والأغنام.

أُجبر السُّلطان أحمد على التخلي عن عرشه لصالح ابن أخيه، وهو ما شكّل نهاية عصر التوليب العثماني سياسياً، لكنها لم تكن نهاية لغرام العثمانيين بالزهرة، ففي عهد السلطان مصطفى الثالث جرى تصميم مسجد “لاليلي” (Laleli) في إسطنبول، والذي زُخرف بالزهور في كل مكان، حتى إنه بات يُعرف بـ”مسجد التوليب”، وهو اللقب الذي لا يزال يحمله حتى الآن، ليكون شاهداً حيّاً على قصة غرام جمعت الأتراك وزهرة التوليب، يبدو أنها ستستمر إلى الأبد

/ عربي بوست /

اترك رد إلغاء الرد