هل يتحرك ملف المرفأ من باب محاكمة الرئيس؟

منذ مدة لم يتحرّك ملف تفجير مرفأ بيروت، بسبب عدم توقيع وزير المالية يوسف الخليل على مرسوم تعيين قضاة محاكم التمييز، أو بفعل طلبات الردّ. فكان أن وجدت نافذة للعبور إلى هذا الملف بواسطة المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. 

تغريدة حرب

الخروج من نفق تعطيل ملف المرفأ، يُلقى هذه المرة على ثقل النواب. فأكثريتهم كما رأينا في الانتخابات هم ضد التعسّف الحاصل في هذا الملف والكيدية ويحمّلون فريق السلطة حجم المأساة. هذا، يزيد من مسؤوليتهم أمام الناس وأمام أهالي شهداء تفجير المرفأ وامام التاريخ. فهل يقدمون على خطوة فتح كوّة في جدار التعطيل؟

كانت لافتة تغريدة مجد حرب، عن محاكمة رئيس الجمهورية ميشال عون بملف تفجير مرفأ بيروت. إذ قال في تغريدته: “25 نائباً قادرين يطلقوا محاكمة رئيس الجمهورية بملفّ تفجير المرفأ أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. أسوأ عهد بتاريخ لبنان يجب أن ينتهي بأول محاكمة رئيس بتاريخ لبنان”.

حرب، تحدث لـ”النهار” ليؤكد أن الموضوع لا يدخل في إطار التمريك السياسي، إنما طالما أن هناك مجلساً نيابياً جديداً تشكّل، وهذا المجلس يضم أكثرية معارِضة، يجب الذهاب نحو اتخاذ إجراءات عملية، في ملف تفجير المرفأ، خصوصاً أن رئيس الجمهورية هو الوحيد الذي لم يشمله التحقيق رغم الحجج الخاطئة التي استخدمها، إذ كان بإمكانه، وله الصلاحية، طرح ملف النيترات من خارج جدول أعمال مجلس الوزراء أو دعوة المجلس الأعلى للدفاع للوقوف على خطورة المعلومات التي وصلته. فيما غيره من الوزراء والنواب شملهم التحقيق وبعضهم يوجد مذكرات قضائية بحقهم.

ويشدد حرب على أن “نظرية انه لم يكن لديه صلاحيات هي خاطئة، من هنا، فإن الإجراء الوحيد المطلوب حالياً هو الادّعاء على الرئيس، وهذا يتطلب خُمس أعضاء مجلس النواب، وهم برأيي موجودون، وبالتالي، فإن الخطوة العملية الناقصة في تحقيق المرفأ تكمن في استجواب رئيس الجمهورية. والأرجح أن لا نصل إلى اتهام، ولكن يمكن تحريك عجلة التحقيق، ويمكن للمرة الأولى بتاريخ لبنان أن يوجه اتهام لرئيس جمهورية يستأهل هذا الاتهام بسبب ممارساته وممارسات عهده”.

ويحرص حرب على التأكيد أن عدم ذكر آخرين في تغريدته سببه أن الرئيس هو الشخص الوحيد الذي لم يشمله التحقيق، فيما آخرون طالهم التحقيق وصدرت بحق البعض مذكرات توقيف.

أداء المحقق العدلي طارق البيطار لم يعجب الكثيرين، وفي طليعتهم “حزب الله” و”أمل” التي وُجه الاتهام لوزيرين منها، إلى أطراف آخرين، ما خلق جدلاً قانونياً كبيراً في البلد، دفع بالعديد من الأطراف ومن بينهم “تيار المستقبل” إلى المطالبة برفع الحصانات عن الجميع بموضوع الانفجار، في إشارة إلى إسقاط الحصانة عن رئيس الجمهورية أيضاً. 

العملية المعقدة

هذه السهولة بالطروحات لا تقابلها سهولة في الواقع العملي، أولا، بسبب المحميات الطائفية، وثانياً، بسبب المسار القانوني المعقد لمحاكمة الرؤساء.

وفي السياق، تحدث المرجع القانوني حسان الرفاعي، لـ”النهار” عن أن عملية محاكمة الرئيس أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء عملية معقدة جداً. ووصف خبراء قانونيون هذه العملية بـ”المسخ” وبأنها غير فاعلة، نظراً لأن إدانة المجلس لأي متهم تتطلب أكثرية موصوفة تربو إلى 10 أعضاء من أصل 15 يتألف منهم المجلس وهو لم يسجل أي محاكمة في تاريخه.

ويشير الرفاعي إلى أن المطالبة بمحاكمة رئيس الجمهورية موضوع معنوي ومؤثر جداً أكثر منه أمراً واقعياً، سائلاً: “الحشرة الكبيرة هو من سيتجرأ على أن يعارض هذا الإجراء غير نواب “التيار الوطني الحرّ”.

وإذ أوضح أن إدانة الرئيس تتطلب تصويت ثلثي المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء بحسب المادة 80 من الدستور، أشار الرفاعي إلى أن تحريك الموضوع يتطلب خُمس النواب في البرلمان لكي تسير الإجراءات

وتقول المادة 80: يتألف المجلس الاعلى، ومهمته محاكمة الرؤساء والوزراء، من سبعة نواب ينتخبهم مجلس النواب وثمانية من اعلى القضاة اللبنانيين رتبة حسب درجات التسلسل القضائي او باعتبار الاقدمية اذا تساوت درجاتهم ويجتمعون تحت رئاسة ارفع هؤلاء القضاة رتبة وتصدر قرارات التجريم من المجلس الاعلى بغالبية عشرة اصوات.

وتحدد اصول المحاكمات لديه بموجب قانون خاص.

وبحسب دراسة أجراها العقيد بشارة الخوري، وهو دكتور في الحقوق من الجامعة اللبنانية ورئيس الدائرة القانونية في وزارة الدفاع الوطني بشأن المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، يورد نص المادة 18 – الفقرة الأولى من ق.أ.م. التي تقول إنه أمام المجلس الأعلى، لا يمكن اتهام رئيس الجمهورية لعلّتي خرق الدستور والخيانة العظمى، أو بسبب الجرائم العادية، إلا من قبل المجلس النيابي الذي أُعطي وحده سلطة حصرية، من دون سائر السلطات الأخرى، ولا سيما القضائية فيها، باتهام رئيس الجمهورية.

ويقول: “إن ما يميّز إجراءات الاتهام أمام المجلس الأعلى هو أن الاتهام المذكور، وعلى خلاف القواعد العامة المطبّقة في الإجراءات الجزائية العادية، لا يحرّكه ولا ينفّذه غير المجلس النيابي الذي هو السلطة الوحيدة التي يعود إليها، عملاً بالمادة 18 من القانون الرقم 13 الصادر في 18 آب 1990، حق اتهام رئيس الجمهورية لعلّتي خرق الدستور والخيانة العظمى أو بسبب الجرائم العادية”.

ويضيف: “لقد أقرّ الدستور اللبناني مسألة عدم مسؤولية رئيس الجمهورية عن مجمل التصرّفات والأقوال التي تصدر عنه خلال قيامه بوظيفته، ولكن هذه الحصانة السياسية لا تحول دون ملاحقة الرئيس جزائيًا في حال ارتكابه الجرائم العادية أو الخيانة العظمى أو خرق الدستور. وفي هذه الحالات، يجب صدور قرار الاتهام عن مجلس النواب بغالبية ثلثي مجموع أعضائه. وعندما يتوقّف الرئيس عن ممارسة مهماته، تناط صلاحياته وكالة بمجلس الوزراء ويحاكم أمام المجلس الأعلى، حتى إذا ما صدر حكم بإدانته أعفي من منصبه وانتُخب رئيس جديد بدلاً منه ولولاية جديدة”.

واستنادا الى ما ذُكر أعلاه، إن أهم ما ذُكر أن “الحصانة السياسية لا تحول دون ملاحقة الرئيس جزائيًا في حال ارتكابه الجرائم العادية أو الخيانة العظمى أو خرق الدستور”. 

 من هنا، يشدد الرفاعي على أن المسار صعب ومعقّد، إذ يتطلب تأمين خُمس النواب لتحريك الاتهام ضد الرئيس، وتأمين النصف زائداً واحداً لتشكيل لجنة اتهامية، ومن ثم الإتاحة للرئيس توكيل محامين والدفاع عن نفسه، وعند اكتمال الادّعاء يتم الانتقال إلى المحاكمة.

وانطلاقاً من هذه السردية المعقّدة، لا بد من الإشارة إلى موقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي رفض منذ فترة الضغوط للطلب من الرئيس الاستقالة، مبرراً موقفه بوجود إجراءات معينة لإقالة رئيس الجمهورية، وهو ما عنته المادة 60 التي تتضمن آلية اتهام الرئيس.

وتقول المادة 60: “لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته الا عند خرقه الدستور او في حال الخيانة العظمى.

اما التبعة فيما يختص بالجرائم العادية فهي خاضعة للقوانين العامة ولا يمكن اتهامه بسبب هذه الجرائم او لعلتي خرق الدستور والخيانة العظمى، الا من قبل مجلس النواب بموجب قرار يصدره بغالبية ثلثي مجموع اعضائه، ويحاكم امام المجلس الاعلى المنصوص عليه في مادة الثمانين ويعهد في وظيفة النيابة العامة لدى المجلس الاعلى الى قاض تعينه المحكمة العليا المؤلفة من جميع غرفها”.

مع الإشارة إلى أن كثيراً من القضايا يمكن محاكمة رئيس الجمهورية بها، ومنها إلى جانب التقصير في ملف تفجير مرفأ بيروت، عدم توقيع التشكيلات القضائية، وخربطة الآليات التي يعتمدها النظام البرلماني بتشكيل الحكومات وغيرها… وهي كانت موضوع دراسات أعدها الرفاعي مع مجموعة من الحقوقيين وتحولت إلى كتيّب وجرى نشرها للرأي العام.

أمام هذه الوقائع القانونية والمسار المحفوف بالصعوبات، وتاريخ مجلس محاكمة الرؤساء والوزراء غير الفاعل، هل نجد من النواب من يقدم على المطالبة بمساءلة رئيس الجمهورية ولو معنوياً؟

/ النهار /

اترك رد إلغاء الرد