في أمريكا.. تطبيع الخداع،
دونالد ترامب كان “ماكينة كذب” متحركة

دراسة: “ترامب” أطلق 13 ألفا و435 كذبة خلال رئاسته بما يعادل 22 كذبة في اليوم!

فريدمان: من المستحيل الحفاظ على مجتمع حر عندما يشعر القادة ووسائل الإعلام بحرية “نشر الأكاذيب” دون عقوبة

/خاص: الرائد نيوز/ شريف عبد الحميد- رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية

باتت “ثقافة الكذب” أسلوب حياة لدى الساسة في الولايات المتحدة، وتم “تطبيع الأكاذيب” وجعلها بمثابة حقائق أمام الرأي العام الأمريكي شبه الجاهل سياسيًا، منذ تولى الرئيس السابق دونالد ترامب السلطة في يناير/كانون الثاني عام 2017، الأمر الذي أدى إلى تداعيات سلبية خطيرة على الثقافة السياسية الأمريكية، وجعل من ترامب “ماكينة كذب” متحركة، كما يرى بعض المحللين، خاصة أن جماعات اليمين المتطرف التي أوصلت ترامب إلى سدة الحكم، تعتمد سياسية ممنهجة في مواقع التواصل الاجتماعي لنشر الكذب على أوسع نطاق ممكن!

وكشف تحليل أجرته قاعدة بيانات مراجعة الحقائق “فاكت تشيكر” التابعة لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، ونشرته الصحيفة في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2019، أن ترامب أطلق 13 ألفًا و435 كذبة، بما يعادل 22 كذبة في اليوم، منذ وصوله إلى البيت الأبيض رسميًا في 2017، والتي وصلت في مجموعها إلى 933 يومًا.

وزعم ترامب كذبًا (204 مرة) أن الاقتصاد الأمريكي اليوم هو “الأفضل في التاريخ”، وبدأ يصدر هذا الزعم في يونيو/حزيران من العام 2018، وسرعان ما أصبح من أكثر الأقاويل الخاطئة التي ترجي على لسانه بين الحين والآخر.

وأظهر التحليل إلى أن قرابة خُمس الأقاويل الكاذبة التي أطلقها ترامب كانت تتعلق بالهجرة، وهو المعدل الذي تنامى على خلفية رفض الكونجرس تمويل مشروع ترامب الخاص ببناء جدار حدودي بين أمريكا والمكسيك. وأشار التحليل إلى أن كذبة ترامب التى نالت أكبر عدد من التكرار هي تأكيده على أن الجدار الحدودي يُنبى بالفعل، والتي وصلت إلى 218 مرة.

وأكدت البيانات أن المزاعم الكاذبة بشأن التجارة والاقتصاد والتحقيقات في التدخل الروسي، فضلًا عن أكاذيبه الشائنة بخصوص فيروس كورونا، التي جعلته أضحوكة أمام العالم أجمع، تمثل كل منها نحو 10% من إجمالي أكاذيب الرئيس السابق، كما أنها تعد من بين أكثر الأكاذيب التي رددها انتشارًا.

ولم يكن ترامب هو “الرئيس الكذاب” الوحيد في التاريخ الأمريكي، فالكثير من رؤساء الولايات المتحدة استخدموا الكذب وخدعوا شعبهم بكل السبل، حتى فى حياتهم الشخصية وليس في مسيرتهم السياسية فقط، فالرئيس الأمريكي الأسبق جون كيندى (1961- 1963) أخفى حقيقة مرضه عن الشعب، ودخل المستشفيات للعلاج سرًا مرات كثيرة، كما أن حادث مقتله الغامض بقي لغزًا حتى الآن.

تطبيع الكذب

تعليقًا على ذلك، قال الكاتب الأمريكي المعروف توماس فريدمان، إن الفترة الرئاسية لدونالد ترامب جعلت الكذب شيئًا طبيعيًا في الولايات المتحدة. وأضاف الكاتب في مقال له بصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية نُشر في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، أنه “تم تطبيع الكذب على نطاق لم يحدث من قبل، وإذا لم يتشارك الأمريكيون الحقائق لن يستطيعوا هزيمة فيروس كورونا، ولا الدفاع عن الدستور ولا طي صفحة زعيم سيء”.

واعتبر فريدمان أن “الحرب من أجل الحقيقة هي حرب للحفاظ على الديمقراطية، فمن المستحيل الحفاظ على مجتمع حر عندما يشعر القادة ووسائل الإعلام بحرية نشر الأكاذيب دون أي عقوبات، ودون الحقيقة لا يوجد طريق مُتفق عليه للمضي قدمًا”.

وأكد أن “الحقيقة هي مصدر الترابط بين أفراد الشعب الأمريكي، وترامب لم يرغب أبدًا في الالتزام بذلك، مثلما فعل وطلب ذلك من رئيس أوكرانيا وتوريط نجل جو بايدن في قضية فساد، ومثلما قاله بشأن فيروس كورونا أو حول نزاهة الانتخابات، وكاد أن ينجح في ذلك، فهو أثبت على مدى سنوات أنه يمكنك الكذب عدة مرات في اليوم، بل عدة مرات في الدقيقة، وليس فقط الفوز في الانتخابات بل ربما بإعادة الانتخاب، ولذا علينا أن نضمن أن أمثاله لن يظهروا مرة أخرى في السياسة الأمريكية”.

ولم يجد الأعضاء الكبار في “الحزب الجمهوري”، وفق الكاتب، أي غضاضة بشأن أكاذيب ترامب، طالما أنه حافظ على القاعدة التصويتية نشطة، ولم تهتم شبكة “فوكس نيوز” الإخبارية واسعة الانتشار أيضا بذلك، طالما بقي مشاهديها يتابعونها وارتفع تصنيفها، وبالكاد اهتمت الشبكات الاجتماعية الكبرى، طالما أبقى ترامب مستخدميها على الإنترنت وأصبحت أعدادهم في تزايد، ولم يهتم العديد من ناخبيه بكشف الحقائق، فهم ليسوا دائما من المؤيدين للحقيقة، ولكل تلك الأسباب، فإن الكذب الآن أصبح صناعة تنمو وتتضاعف!

واقترح الكاتب أن تتبنى كل مؤسسة إخبارية ذات سمعة طيبة، وخاصة التلفزيون ومواقع “فيس بوك” وتويتر ما أسماه “قانون ترامب”، ويعني إذا نطق أي مسؤول بكذب واضح أو ادعاء خالٍ من الحقائق، فينبغي إنهاء المقابلة على الفور. وشدد فريدمان، على أن ذلك يجب أن يصبح الوضع الطبيعي الجديد، فالسياسيون بحاجة إلى أن يكونوا خائفين في كل مرة يذهبون فيها لمقابلة تليفزيونية بأن المقابلة لن تكتمل إذا كذبوا، وفي الوقت نفسه، يجب تدريس “كيفية التثبت من المعلومات” ضمن المناهج الدراسية، وكيفية تحديد إذا كان هناك شيء تقرأه على شبكة الإنترنت صحيحاً، ولا يجب أن يتم منحك شهادة الثانوية دون ذلك، وتابع إن الأمريكيين بحاجة إلى إعادة وصم الكذب والكذابين بالعار قبل فوات الأوان.

كلهم كاذبون!

من جانبه، يقول الدكتور إبراهيم البهي “إن تاريخ الرؤساء الأمريكيين يؤكد أن الكثير منهم كان يكذب على الناخبين خلال حملته الانتخابية، وأيضًا بعد وصوله لسدة الحكم كرئيس، ويكفي للتدليل على كذبهم مع العرب علاقتهم بالقضية الفلسطينية، فتاريخهم جميعًا حافل بالكذب، ولم ينفذ أحدًا منهم أى وعد تحدث به في حملته الانتخابية، وأيضًا طوال فترته التى تولاها، فانحيازهم الصارخ لإسرائيل جعلهم ينسون ما وعدوا به، هل تحقق ما وعد به باراك أوباما بشأن القضية الفلسطينية؟ للأسف تنتهي فتراتهم ويبقى كذبهم.

ويرى المعلقون السياسيون أن ممارسة الكذب ليست بجديدة على السياسيين في معظم أنحاء العالم الغربي، وليس في الولايات المتحدة وحدها، فقد جاء وقت كان الكذب وحده يتحمل مسؤولية “الشك المتبادل” فى العلاقات المضطربة بين الشعوب من ناحية، والسياسيين من ناحية أخرى. ومن ثم، تدهور الوضع فلم يعد الكذب فى الرسالتين السياسية والإعلامية فى دول كثيرة ممارسة وقتية أو ظرفية، صار هو القاعدة بدليل أننا نناقش هذه الأيام ظواهر من نوع «الحقيقة البديلة» و«هيمنة الخبر الزائف» على وعي الرأي العام العالمي، بسبب تنامي دور السوشيال ميديا على نطاق واسع حول العالم، وعدم موثوقية الأخبار التي يتم نشرها في كل لحظة، وهو ما يجعل “البحث عن الحقيقة” أمرا صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1- فريدمان: ترامب جعل الكذب شيئًا طبيعيًا في الولايات المتحدة، موقع الوطن، 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

2- لماذا يكذب رؤساء أمريكا؟ موقع الأهرام، 23 مارس/آذار 2021.

3- أزهى عصور الكذب، موقع الشروق، 15 فبراير/شباط 2017.

4- دراسة: ترامب كذب على الأمريكيين 13435 مرة منذ دخوله البيت الأبيض، موقع المال، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

 

اترك رد إلغاء الرد