ماهي خيارات برّي وميقاتي لمعالجة مسألة الحاكم؟

في اللحظة التي كانت فيها طائرة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي تحط في مطار جدة لترؤس وفد لبنان الى القمة العربية، كان ميقاتي يردّ هاتفياً على سؤال ورده من أحد أصدقائه في بيروت عن رؤيته لكيفية التعامل مع مسألة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بعد القرار القضائي الفرنسي الذي صدر بحقه.

ووفقاً ل”النهار” فحوى ردّ ميقاتي كان: “ما زلنا حتى الساعة نتداول في كل الاحتمالات الممكنة والخيارات المتاحة، فالأمر جلل ولا يمكننا الوقوف مكتوفين”. وعلى رغم أن جواب الرئيس ميقاتي يبدو في الشكل مكثفاً فإنه ينطوي ضمناً على أبعاد على قدر كبير من الأهمية واستطراداً على استشعار ببلاغة الحدث. وأبرزها:

– أن الدولة اللبنانية لم يعد بإمكانها بعد اليوم اعتماد سياسة التجاهل أو التسويف أو التلكؤ عن المبادرة الى اتخاذ القرار الحاسم الموازي في الأهمية.

– أن الرئيس ميقاتي ومعه بطبيعة الحال رئيس مجلس النواب نبيه بري وهما آخر رموز الحكم واتخاذ القرار يتأنّيان ويتبصّران في الخيارات المحدودة جداً أمامهما لمعالجة الموقف الطارئ والضاغط. ولكن من منطلق أساسي وهو أنه لم يعد بإمكانهما المضيّ قدماً في إجراءات من شأنها أن تؤمن دفاعات عن صديقهما القديم أو تحصينات حوله دأبا عليها في نهجهما السابق الذي اتبعاه منذ بدء أزمة الانهيار المالي والاقتصادي قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات، إذ لم يعد بقدور الرئيس بري أن يصل فجأة الى قصر بعبدا بمروحية أقلته من المصيلح الى القصر على جناح السرعة لكي يبلّغ مجتمعين فيه أنه يعارض بشدّة أي إجراء أو قرارات تفضي الى إقالة سلامة أو كفّ يده. كما لم يعد في إمكان ميقاتي أن يردّد مقولته الشهيرة بأنه لا يمكن سحب الضبّاط من جيوش كتب عليها المواجهة.


لا مجال للشك في أن القرار القضائي الفرنسي شكل عنصر مباغتة للرئيسين بري وميقاتي أو سواهما من المعنيين فهو كان بحكم المتوقع، ما يعني على نحو أو آخر أن سلامة صار بالنسبة لكل أصدقائه وحماته والمدافعين عنه القدامى منهم والجدد “عبئاً إضافياً ومكلفاً”. وبناءً على ذلك تؤكد مصادر على صلة بالرئيسين بري وميقاتي أنهما قد ولجا منذ فترة في رحلة البحث عن أمرين:

الأول، المعالجات الهادئة للأمر الساخن حالياً، والثاني البحث عن بدائل وحلول موضوعية لا تزيد في منسوب التوتر ولعبة تصفية الحساب.

وإن كان ثمة من يؤكد أن ميقاتي لا يجد غضاضة في أن يكون الحل في أن يتسلم النائب الأول للحاكم وسيم منصوري صلاحيات الحاكم في ظل تعذر تعيين حاكم جديد من حكومة تصريف الأعمال، فإن المشكلة البادية عند الرئيس بري هي أنه بكّر في “تكبيل نفسه ويديه” عندما أبلغ صراحة من يعنيهم الأمر بأنه ليس في وارد السماح بأن يتسلم منصوري صلاحيات الحاكم إن صار ملزماً بذلك انطلاقاً من اعتبارات ثلاثة:

– الأول أن بري ربما كان يراهن على انتخاب رئيس جديد قبل أن يحين موعد تقاعد سلامة (شهر تموز).

– الثاني أنه لا يريد أن يفتح مزيداً من خطوط التماس بينه وبين المسيحيين الذين هم على درجة من الاستياء نتيجة شغور منصب الرئاسة الأولى.

والثالث أنه لا يريد أن يتحمّل الشيعة مسؤولية نحو أربعة عقود من نهج مالي ونقدي تفرّد به سلامة وكان أن انتهى الى انهيارات مروّعة.

ومع ذلك كله هناك من يرى أن بري يملك من المرونة والقدرة على تدوير الزوايا فرصة التراجع خصوصاً أن الذريعة والضرورة حاضرة وعنوانها تسيير مرفق عام على هذا القدر من الأهمية.

وثمة من يعتبر أن الدعوة المفاجئة التي أطلقها نائب رئيس الحكومة الخبير المالي وواسطة العقد مع صندوق النقد الدولي سعادة الشامي الى سلامة طالباً منه الاستقالة هي بمثابة رسالة غير مباشرة من الرئيس ميقاتي نفسه. وبصرف النظر عن كل هذه المعطيات فإن هناك من يعتبر أن بري وميقاتي يدركان تماماً حساسية الاستحقاق الداهم ويعرفان أنهما مضطران الى سلوك حقل ألغام، لذا فهما ضمناً يفضّلان أن تأتي المبادرة من سلامة نفسه فيسارع الى تقديم استقالته أو وضع نفسه بالتصرّف وهو أمر ليس بالهيّن.

فعلى رغم موجة الضغوط العالية التي يتعرّض لها سلامة منذ أعوام من الداخل والخارج على حد سواء فإنه لا يزال متماسكاً ويتصرّف تصرّف الواثق من نفسه والذي لا يستشعر أي خطر داهم. وهذا استنتاج خرج به بعض من شارك في الاجتماع الأخير للمجلس المركزي لمصرف لبنان ونقلوه مباشرة الى بري وميقاتي.

وهذا ما أوحى للمعنيين بأن سلامة ليس من النوع القابل للاستسلام بل إنه على استعداد “للمقاومة” حتى النفس الأخير، خصوصاً أنه ما انفك قابضاً على أوراق قوة تشكل له حصون دفاع أبرزها:

– أنه يلوّح بخيار الورقة الأخيرة وقد تجلى ذلك بدعوته الى محاسبة السياسيين ومساءلتهم قبل أن يخضع هو للمحاكمة ويدان.

– أنه يملك ورقة استقرار الليرة وقد نجحت سياسته أخيراً في تأمين استقرارها وتوازنها.

وبناءً على ذلك يتصرّف سلامة على أساس أنه رقم صعب وأنه مصمّم حتى إشعار آخر على البقاء في منصبه حتى اليوم الأخير من ولايته الدستورية والقانونية.

اترك رد إلغاء الرد