الثوّار والقوّات: “لا” لنوّاف سلام

لا أحد من الكتل النيابية يريد تسمية السفير نواف سلام لتكليفه تشكيل حكومة في الاستشارات النيابية الملزمة المنتظرة في المقبل من الأيام، ويبدو أنّها تنتظر التوافق، واضعة “العربة قبل الفَرَس”!

تكشف أوساط نواب التغيير لـ”أساس” أنّ تسمية سلام دونها عقبات جمّة، وربّما يتحمّل سلام نفسه جزءاً من هذه العقبات. فالمأخذ الأكبر على الرجل من هؤلاء النواب مردّه في الدرجة الأولى إلى عدم إرساله أيّ إشارة دعم لكتلة التغيير، وإلى انسحابه من خوض الانتخابات في 15 أيار، وتفضيله البقاء على الحياد في معركة وطنية من هذا النوع.

هذا الانسحاب يراه بعض النواب نوعاً من أنواع تحاشي المعركة، فيما يعتبره بعضهم الآخر هروباً منها بعد المفاضلة بين المكتسبات الحالية نتيجة بقائه بمنصبه في محكمة العدل الدولية، وبين احتمال خوضه الانتخابات والخسارة أو في أضعف الإيمان عدم قدرته على بناء نواة كتلة نيابية يمكن الانطلاق منها. خصوصاً أنّ الحماسة للانتخابات في بيروت وحجم التأييد الشعبي للتغيير ولسلام نفسه لم يكونا بارزين قبيل الانتخابات بشكل كبير، وكان أبناء العاصمة يعطون انطباعاً بأنّ بيروت ستذهب إلى المقاطعة الشاملة وقوفاً عند خاطر الرئيس سعد الحريري المعلِّق لعمله السياسي، أقلّه في الظاهر!

كما يضاف سبب آخر تتحدّث عنه أوساط نواب التغيير ويتعلّق بقرب سلام الزائد من رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، فتراه قريباً من طبقة سياسية أخذت على عاتقها مهمّة الوقوف بوجهها، وهذا ما قد يكون أبعد نواف سلام عن جوّ الثورة والتغيير.

أمّا أجواء سلام نفسه فتفيد، بحسب أكثر من شخصية التقته أخيراً بعد الانتخابات، بأنّه محبّذ لفكرة تسميته لرئاسة الحكومة، ولو أنّه يُظهر في كلامه اعترافاً بصعوبة وصوله إلى السراي. وبناء على ذلك، لا تخلو تعابير سلام، بحسب من التقاه وناقشه في هذا الملف، من إشارات تعبّر عن الندم على عدم خوض المعركة.

ماذا عن الخيارات البديلة؟

تؤكّد أوساط النواب التغييريين أن لا قرار نهائيّاً موحّداً يتعلّق باسم الشخصية التي سيقع الاختيار عليها بعد استبعاد نواف سلام بشكل كلّيّ، وأنّ الخيارات المتوافرة إلى الآن ما زالت تُدرس بعناية وعبر اجتماعات يعقدها هؤلاء النواب فيما بينهم دوريّاً من دون أن تستبعد الأوساط أن تؤول الأمور إلى احتمالين:

1- الإحجام عن تسمية أحد من باب اليقين المسبق بأنّ الرئيس ميشال عون لن يسهّل مهمّة أيّ رئيس مكلّف ما دام هذا المرشّح، مهما كان اسمه، لم يحظَ بموافقة صهر الرئيس جبران باسيل ويذعن لشروطه.

2- تسمية شخصيّة سنّيّة تحظى بأكبر قدر ممكن من التوافق ضمن كتلة النواب التغييرين الـ13، لكن لا تسميات واضحة حتى الآن ما عدا اسم شخصية سنّيّة طرابلسية متقاعدة من السلك الدبلوماسي، اقترحها واحدٌ من بين هؤلاء النواب الجدد ورماها في أحد الاجتماعات للنقاش، لكن لا توافق عليها بعد، ويقال أنّ هذه الشخصية هي سفير لبنان السابق لدى القاهرة وجامعة الدول العربية.

معايير التغييرين والقوات

إذاً سيكون نواب التغيير أمام احتمالين، أوّلهما الذهاب إلى قصر بعبدا موحّدين، وهذا إن حصل فسيكون النواب الـ13 قد توصّلوا إلى تسمية اسم واحد، أو اتّفقوا بالإجماع على عدم تسمية أحد. أمّا إذا ذهبوا فرادى (وهو الاحتمال الأرجح حتى اللحظة) فهذا سيعني بأنّهم اختلفوا في الوصول إلى جوامع مشتركة فيما بينهم، وكلّ واحد منهم سيذهب إلى القصر الجمهوري حاملاً قراره الشخصي.

يفتح هذا كلّه نقاشاً أوسع في ما يمكن أن تفعله الكتل المعارضة الأخرى، ومنها القوات اللبنانية. يقول الموقف الرسمي للقوات إنّ تسمية أيّ رئيس مكلّف يجب أن تستند إلى “معايير وطنية وشخصيّة واضحة”، وهذه المعايير هي بمنزلة “مساحة التلاقي أو الافتراق مع القوى الأخرى”، فالمعيار دوماً هو السيرة الذاتية والبرنامج السياسي، خصوصاً أنّ الانقسام في لبنان هو بين مشروعين سياسيَّيْن.

من بين المواصفات التي تضعها القوات ألاّ تحوم حول الرئيس المكلّف شُبُهاتٍ فساد وصفقات، ويتعهّد بالابتعاد عن حكومة الوحدة الوطنية، ويضع في أولويّاته إقرار النظام الداخلي لمجلس الوزراء، وأن يرفض تكريس أيّ حقيبة لأيّ طائفة، مثبّتاً منطق “أكثريّة تحكم مقابل أقلّية تعارض”، مع التزام بمبدأ فصل النيابة عن الوزارة.

وعليه فإذا تعهّد نواف سلام بهذه المعايير، فلن يكون مستبعداً من التسمية، على الرغم من أنّ الأجواء الداخلية لدى القوات تبوح بأنّ تسميته أمر غير وارد. إذ تبدي أوساط القوات امتعاضها المبطّن من سلام بعد تسميتها له بشكل طوعي في السابق فيما هو لم يلاقِ “اليد القواتية الممدودة” بكثير من الودّ، ولو بعربون شكر يخصّ به كتلتها برسالة واضحة المعالم. بل اكتفى سلام في حينه بتوجيه الشكر لعموم الناس التي أيّدت وصوله إلى السراي الحكومي من دون أن يخصّ جهة كان لها الفضل الأكبر في حصوله على عدد وازن من الأصوات حينذاك.

انقسامات الـ13

يضاف إلى ذلك، بحسب بعض المراقبين، تبعات الإطلالة التلفزيونية الأخيرة لسلام التي أظهرته في مظهر “المُربَك والحائر” بين تعابير ومفاهيم القومية العربية، التي لم تعد تحاكي واقع أزمتنا اللبنانية، وبين الخطاب اللبناني السيادي الهادف، الذي يعرف أين المشكلة ويصوّب نحوها.

أمّا عن خيارات القوات الجدّية، فلا يبدو أنّها تُخفي مفاجآت، إذ يبوح مقرّبون منها باستعدادها للسير بأيّ مرشّح جدّي تجتمع فيه المواصفات أعلاه حتى لو كانت هذه الشخصية واحداً من خيارات النواب التغييريين. وهنا يمكن وضع هذا الكلام في إطار “حسن النيّة” التي تتعمّد القوات إظهاره تجاه التغييريين، الذين يُبدي بعضهم، بشكل غير مفهوم، الكثير من الحذر المبالغ فيه تجاه القوات وبعض النواب المستقلّين.

لا ينسحب هذا الحذر على نواب التغيير الـ13 كلّهم، وإنّما على جزء بسيط منهم، لكنّه يؤسّس في كلّ مرّة، بحسبما تكشف المعلومات، لظهورهم بمظهر الانقسام، فتعود الخلافات لتدفع النقاش صوب خيارات توافقية، وغالباً تكون أقلّ تأثيراً وفعّالية، نتيجة خفض السقوف إلى حدودها الدنيا بغية التلاقي. وكلّ ذلك من أجل عدم انفراط عقد الكتلة و/أو الخروج أمام الناس بصورة التشرذم.

إذاً لِمَن ستؤول رئاسة الحكومة إذا كان نواب التغيير لن يسمّوا سلام، ولا تتحمّس القوات له بلا ضمانات مسبقة، ويرفضه ثنائي “حزب الله” و”حركة أمل” By default؟

نجيب ميقاتي مجدّداً

سيُعاد بحكم الأمر الواقع طرح اسم الرئيس نجيب ميقاتي، الذي كانت كتلة “سعد الحريري المتنكّرة”، إذا صحّ القول، أوّل من تبنّى خيار تسميته مجدّداً. هذه الكتلة قوامها مجموعة من النواب السُنّة “المستقلّين”، ومطعّمة بعلويّ وأرثوذكسي، وتضمّ نبيل بدر، عماد الحوت، بلال الحشيمي، عبد الكريم كبّارة، وليد البعريني، محمد سليمان، محمد الخير، سجيع عطيّة، وأحمد رستم… وآخرين.

اجتمع هؤلاء في أوّل جلسة في دار النائب نبيل بدر، ونُقل عن نائبٍ منهم (عاد وأنكر الواقعة في اتصال مع “أساس”) أنّهم حصلوا على “التعليمة” للتصويت للرئيس نبيه بريّ من سعد الحريري نفسه، وبواسطة اتصال هاتفي خلال الاجتماع، مع ترك خيار تسمية نائب الرئيس مفتوحاً.

اجتمعت الكتلة مرّة أخرى قبل انتخابات اللجان في دار النائب محمد سليمان، وأعلنت أنّها ستسمّي الرئيس نجيب ميقاتي، وذلك من باب تأكيد الاتفاق والتنسيق بين ميقاتي والحريري على ما يبدو. وبحثت، بحسب المعلومات، انضمام شخصية سنّيّة جديدة إليها، هي النائب الطرابلسي الجديد إيهاب مطر، الذي لم يكن بعيداً عن “تيار المستقبل” هو الآخر، وقد تلقّى من أزلامه دعماً إعلامياً واضحاً خلال الحملة الانتخابية.

في المحصّلة، وربطاً بكلّ ما سبق، يبدو أنّ أفضل خيار أمام نواب التغيير، وحتى المعارضين، سيكون مقاطعة الاستشارات. فبذلك يمكنهم إيصال “رسالة بالغة القوّة” ما دام حضورهم الاستشارات لن يأتي بجديد، وخصوصاً إذا كانت مقاطعتهم معلّلة بالدوافع والأسباب التعطيلية التي ستواجه أيّ رئيس مكلّف من حلف 8 آذار، ومنسّقة مسبقاً مع كُتل مثل القوات والكتائب وبعض النوّاب المستقلّين.

/عماد الشدياق- أساس ميديا/

اترك رد إلغاء الرد