البلد كلّه في “عصفورية”

حفلة جنون بامتياز ما يشهده لبنان على كافة المستويات السياسية والقضائية والمالية والمعيشية والصحية، فبموازاة جنون الدولار الذي تخطى الـ57 ألفاً، هناك الجنون السياسي المعطّل لانتخاب رئيس الجمهورية ما يؤدي الى تدمير مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى، والجنون المعيشي الذي عكسه ارتفاع الدولار على أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والمحروقات والدواء. كل ذلك في خانة، وما يجري داخل الجسم القضائي في خانة أخرى، ليتحوّل البلد بالفعل الى “عصفورية” بكل ما للكلمة بالمعنى.

مصادر قضائية وصفت في اتصال مع “الأنباء” الالكترونية ما يجري في أروقة قصر العدل بحفلة جنون كبيرة لم يشهد القضاء اللبناني مثيلاً لها في تاريخه، معتبرة أن ما جرى في اليومين الماضيين لم يحصل شبيه له لا في زمن الحرب الأهلية ولا خلال فترة الوصاية السورية.

وفي سياق التعليق على ما يجري داخل الجسم القضائي، أشار النائب أديب عبد المسيح الى أن ما يجري داخل القضاء يؤشر الى نهاية النظام اللبناني، فعندما  يتقاتل القضاء كما يتقاتل أهل السياسة هذا يعني أننا وصلنا الى نهاية النظام.

عبد المسيح وفي حديث مع “الأنباء” الالكترونية وصف ما جرى بـ”الجرصة”، فكل قاض يريد أن يفسّر القانون على مزاجه، قائلاً: “يبدو أن القاضي طارق البيطار كشف خيوط اللعبة واتضح أن هناك أمور خطيرة أزعجت جهات معينة، فقامت الدنيا ولم تقعد، مستغرباً قرار مدعي عام التمييز إخلاء سبيل جميع الموقوفين، وهذا بالطبع شكّل مصدر قلق لأهالي الضحايا الذين يطالبون بكشف الحقيقة.

وفي تفسيره لردة فعل مدعي عام التمييز القاضي عويدات من خلال إخلاء جميع الموقوفين، رأى عبد المسيح أن القاضي البيطار على ما يبدو أحرج عويدات بإخلاء سبيل 5 موقوفين، فقرّر أن يخلي سبيل جميع الموقوفين فيكون بذلك أصاب عصفورين بحجر واحد، معتبراً ما فعله عويدات بأنه مناورة لا أكثر ولا أقل.

ولكن ما رأي القانون؟ الخبير الدستوري المحامي سعيد مالك اعتبر في اتصال مع “الأنباء” الالكترونية ما يجري بحفلة جنون وإطاحة بكافة القوانين، سائلاً: “كيف يمكن لمدعي عام التمييز أن يخلي سبيل جميع الموقوفين بهذه الطريقة فهذا ينسف القانون برمته، فلا يحق له أن يخلي سبيل موقوفين على حساب قضية هي من اختصاص المحقق العدلي”.

وقال مالك: “عندما يصدر مدعي عام التمييز قراراً كهذا يجب أن يبلّغ للضابطة العدلية”، مبدياً أسفه لما حصل، مكرراً القول بأنه حالة جنون وما نشهده يؤكد عجز القضاء اللبناني عن التحقيق في هذا الملف ما يجعلنا أمام المطالبة بتحقيق دولي ولجنة تقصي حقائق دولية لأنه لا يمكن للقضاء اللبناني البت بالأمر.

موقف أهالي الضحايا عبر عنه الناشط وليام نون شقيق الشهيد جو نون، الذي أكد في اتصال مع الأنباء الالكترونية بأن موقفهم اليوم حيال ما يجري في القضاء كما كان من لحظة حصول الانفجار ولم يتغيّر، فما زلنا نطالب بتحقيق دولي لأن القضاء اللبناني مع الأسف تحوّل الى مزرعة وكل قاض “فاتح دكان على حسابه”، فلم يعد لدينا ثقة بشيء وما يحصل ينطلق من خلفية شخصية، فالقاضي عويدات ليس لديه الحق بأن يخلي سبيل كل الموقوفين وما فعله جريمة بحق القضاء، معلناً عن تحرك لهم صباح اليوم أمام قصر العدل بالتزامن مع جلسة مجلس القضاء الاعلى.

انقسام خطير ما يشهده الجسم القضائي، ويشكّل سابقة ستترك انعكاسات مقلقة على مختلف المستويات، وتنزع ثقة المواطنين بكل شيء، وتجعلهم عراة من أية حماية أو عدالة، كما اعتبرت مفوضية العدل في الحزب التقدمي الاشتراكي في بيانها أمس، والرهان على جلسة مجلس القضاء الأعلى اليوم ومدى قدرته على وضع حد للفوضى الحاصلة. 

شقير: وفي سياق متصل، اعتبر الوزير السابق ورئيس الهيئات الإقتصادية محمد شقير في حديث الى “نداء الوطن” أن “الوضع خطير والخوف من إنزلاق البلاد نحو المجهول مع ما يحصل من تدهور “مخيف” لكل نواحي الحياة مدفوعاً بتسارع إنهيار الليرة امام الدولار وفي الفراغ الرئاسي والشلل السياسي”.

وعبر شقير عن تفاجئه بحصول التدهور السريع لسعر صرف الدولار منذ نحو ثلاثة أيام بعد نهاية للعام 2022 محفوفة بالتفاؤل بالنسبة الى القطاعات الإقتصادية. فالأخيرة سجّلت أرقاماً جيدة لم تكن متوقّعة بعد “الصيفية” وعيدي الميلاد ورأس السنة، حتى ان المطاعم عادت لتفتح أبوابها مجدّداً وسجّلت 30 مطعماً جديداً ما خلق 450 فرصة عمل. إلا انه ومنذ ثلاثة أيام “تخربط” الوضع، وشهدنا تدهوراً دراماتيكياً مخيفاً وغير محسوب، نتج على ما اعتقد من تدخلات خارجية وأخرى داخلية لديها مصلحة باللّعب بالأوضاع لغاية ما، خصوصاً ان الأمور لم تكن تظهر في وقت سابق على أنها على هذا المستوى من الهشاشة.

وإذ أبدى تخوفه من حصول إنفجار إجتماعي “سيطيح بكل شيء”، إستعجل القيام بحلول جذرية قبل فوات الأوان، مشدداً في هذا الإطار على ان “الحلّ الوحيد لكبح التدهور المستمرّ هو إستقامة الوضع السياسي الذي يشكل إنتخاب رئيس الجمهورية ركيزة أساسية له، فهذه الخطوة بحدّ ذاتها من شأنها أن تخفّض سعر صرف الدولار من 56 ألف ليرة الى تحت عتبة الـ40 ألف ليرة، لأن من شأنها أن تعطي الأمل بدخول البلاد بآفاق جديدة. فكيف اذا ما استتبعت تشكيل حكومة وإقرار القوانين الإصلاحية العالقة وتوقيع الإتفاق مع صندوق النقد الدولي”. وحذّر من أننا “مقبلون على أيّام أصعب في أمننا الغذائي من تلك التي نشهدها اذا لم يكن لدينا وعي كاف داخلياً لانتخاب رئيس. فالناس لغاية الساعة لا تزال تؤمن حاجاتها من مأكل ومشرب، أما اذا تابع الإنهيار مساره الإنحداري السريع فالآتي أعظم”.

/ المركزية /

اترك رد إلغاء الرد