رئاسياً.. سباق لتجميع النصف +1

أشارت “الجمهورية” الى ان أي مراقب لكرة النار التي تتدحرج على كل مفاصل دولة باتت شبه متحللة، لا يحتاج الى جهد كبير لكي يتوقّع الأسوأ، ويعتبر ان ما نشهده في هذه الايّام، من وقائع انحدارية وانهيارية، لن يقف عند هذا الحد، بل انّ هذه الوقائع التي باتت ملازمة ليوميات اللبنانيين، ليست سوى تحضير للمسرح الداخلي، لسيناريوهات أكثر قساوة وتطرّفاً من شأنها أن تزجّ البلد وأهله في آتون تنعدم فيه فرص النجاة والخلاص.

لم يعد ممكناً لأحد أن يقنع أبسط مواطن لبناني بأنّ العدّ التنازلي لفقدان قدرته نهائياً على الاستمرار والبقاء على قيد الحياة، ما يزال بعيداً من أن يبلغ الحدّ الأخير، فكل المؤشرات تَشي بأنّ تلك اللحظة المشؤومة باتت مع الوقائع المتدحرجة، قاب قوسين أو أدنى. فيما الضفة السياسيّة تعاني انفصاماً غير مسبوق، وانفصالاً مُفجعاً عن الواقع. وتشهد سباقا خبيثا بين شياطين السياسة وعقاربها، على إحداث ثقوب اضافية في بطن السفينة اللبنانية وهي تغرق.

الملف الرئاسي أخضع مكونات الانقسام الداخلي لامتحان العقل والواقعية والمسؤولية والدخول مجدداً الى الوطن من باب الحرص على استمراره والانتصار لشعبه في محنته، ولكنّها سقطت جميعها في هذا الامتحان، وضيّعت بوصلة الوطن في سياسات لئيمة معادية للتلاقي والوئام، وملطخة بنزعة التدمير والتخريب والنفاق على اللبنانيين، وتشويش أذهانهم بشعارات شعبوية فارغة وادعاءات كاذبة. والنتيجة الطبيعية لهذا المنحى: وطن على كفّ عفاريت، ومصير في مهب الريح.

عقارب الساعات اللبنانية مضبوطة على التوتير، الداخل مفخّخ في كل مفاصله؛ في الجانب الاقتصادي والمالي حريق مفتعل كسر الحدود امام الدولار، بحيث لم يعد بعيداً عن عتبة الستين الف ليرة للدولار الواحد، يوازيه تحليق في اسعار السلع الحياتية والاستهلاكية، وقفزٌ مريع لصفيحة البنزين الى ما فوق المليون ليرة. وفي هذه الصورة مواطن تموج به الاعباء، يعبّر عن غضبه بحراكات، احتجاجية محدودة وقطع طرقات هنا وهناك، قد لا يطول الوقت ويتّسع نطاقها وتصبح شاملة، ومفتوحة على كل الاحتمالات والخطوات التصعيدية.

كل ذلك يجري على مرأى ومسمع حكومة مشلولة لا قدرة لها على القيام بشيء، وعلى عين طبقة سياسية مُتلهّية بالبحث عن المشاكل وتوسيع دائرة الاشتباكات السياسية فيما بين بعضها البعض، والاطاحة بكل الابواب والمنافذ والمخارج التي يمكن من خلالها العبور الى انفراج رئاسي.

وبحسب معلومات موثوقة لـ»الجمهورية» فإن الثابت الوحيد في الصورة الرئاسية، هو جمودها في مربع التعطيل، وبالتالي لا حراك جدياً حتى الآن، واكثر من ذلك، لم تبرز حتى الآن، على سطح الازمة الرئاسية جهة سياسية داخلية صالحة لقيادة تحرّك في هذا الاتجاه، فيما ما يُحكى عن حراكات تجري لفتح كوة في الجدار الرئاسي، لا يعدو اكثر من محاولات اعلامية محدودة تقارب الملف الرئاسي من باب التمنّي على الاطراف السياسية سلوك الطريق السريع نحو انتخاب رئيس الجمهورية، فيما هذه الاطراف مُمترسة خلف تناقضاتها، ورفضها القاطع بالكامل لأي طريق يؤدي الى الانتخاب، بالتوافق او بغير التوافق».

في هذه الاجواء، ابلغت مصادر سياسية واسعة الاطلاع الى «الجمهورية» قولها: ان الملف الرئاسي في جو التناقض السياسي المتحكّم به، لا يتوقع ان يتحرك في الاتجاه الذي يكسر تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية، وبمعنى أدق يكسر التوازن العددي القائم بين الاطراف المتصارعة على ضفتي الملف الرئاسي، الا اذا حدثت معجزة تدفع الى الكسر.
وفيما اكدت مصادر مجلسية لـ»الجمهورية» انه مع الخريطة النيابية القائمة من المستحيل على اي من اطراف الصراع الرئاسي توفير الاكثرية الكبرى المتمثلة بأكثرية الثلثين (86 نائباً)، كما يستحيل على هذه الاطراف بلوغ الاكثرية المطلقة من عدد النواب (65 نائباً)، من دون جهود خارقة مع مختلف الكتل والتوجهات النيابية»، مع الاشارة هنا الى ان بعض هذه الاطراف يبدو منخرطاً في سباق محموم لتوفير اكثرية النصف زائدا واحدا، عبر محاولة جذب من يسمونهم «المترددين» من النواب المستقلين.

وقالت مصادر ثنائي حركة «أمل» و»حزب الله» لـ»الجمهورية» ان الاساس الذي ننطلق منه هو التوافق على انتخاب رئيس للجمهورية، وفق الخريطة التي رسمها رئيس مجلس النواب نبيه بري، والتي من دون هذا التوافق لن يكون في الامكان تَخطي الازمة الرئاسية. ومن هنا فإننا في الوقت الذي نمدّ فيه يد التوافق الى مختلف الاطراف نؤكد اننا لن نعدم وسيلة في الاتجاه الذي يعجّل بإجراء الانتخابات الرئاسية، رحمة ببلدنا، ورحمة باللبنانيين الذين يذوقون المرارات في كل مفاصل حياتهم».

واشارت المصادر الى «اننا منفتحون على اي حراك واتصالات تحققان غاية التوافق، ولم يعد خافيا على احد اننا بلغنا مرحلة ما فوق الخطر، والوقت داهمنا، علينا ان نختار بين التوافق والانتخاب وبين إبقاء البلد مهدداً بالسقوط الى مكان لن يكون في مقدور احد ان ينتشله منه».

وقالت مصادر نيابية معارضة لـ”الجمهورية”: ثمّة أولويتان نلتزم بهما، الاولى هي التعجيل في انتخاب رئيس للجمهورية، عبر عقد جلسات مفتوحة لمجلس النواب تحقق هذا الهدف. امّا الاولوية الثانية فهي انه لا بد من أن تجتمع قوى المعارضة على موقف واحد وتتوحد خلف مرشّح، سواء أكان النائب ميشال معوض او غيره. فمن خلال هذه الحالة تؤكد المعارضة انها الاكثرية التي توصِل الى رئاسة الجمهورية رئيسا سياديا وطنيا، يُعيد الثقة بلبنان، ويفتح امامه مجال الاصلاحات، وكذلك الآفاق الخارجية خصوصاً في اتجاه الدول الصديقة واشقائه العرب. وبذلك فقط تقطع الطريق امام فريق الممانعة من إيصال رئيس يبقي لبنان يخضع لبنان لإرادة غريبة عنه.

من جهة أخرى، كشفت مصادر “الشرق الأوسط” أن هناك “سيناريو” بدأ العمل عليه، للوصول إلى انتخاب رئيس حتى لو كان ذلك بالنصف زائداً واحداً، وهو إجراء قانوني ينص عليه الدستور اللبناني، لافتة إلى أن العمل اليوم، يتركز على تأمين نصاب الجلسة في الدورة الثانية، أي تأمين حضور أكثرية الثلثين، ما يتيح للحاضرين انتخاب الشخص الذي يرونه مناسباً، علماً أن هذه المعضلة يحاول حزب الله تفكيكها مع التيار الوطني الحر الذي يرى أن رئيسه النائب جبران باسيل هو معبر إلزاميّ لأي حل للملف.

ولا تضع البطريركية المارونية موانع أمام انتخاب الرئيس بأكثرية النصف زائداً واحداً في حال تأمّن نصاب الثلثين، وفق ما تقول مصادر مطلعة على موقف بكركي، لـ”الشرق الأوسط” مشددة على أن البطريرك الراعي لم يتوقف عن الدعوة لانتخاب الرئيس، ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وملء الشغور في الموقع الأول في البلاد.

اترك رد إلغاء الرد