كيف رشّح اميل إده سامي الصلح بعد تجربة الشيخ الجسر؟

85 يوما على الشغور الرئاسي في لبنان، الذي يعيش كل أنواع الأزمات، من دون أن تلوح في الأفق أي بوادر بإنجاز هذا الاستحقاق قريبا، وبينما لم تسفر الجلسات الانتخابية الـ11 عن أي نتيجة، تستمر الحكومة الميقاتية الثالثة التي تعتبر مستقيلة منذ بدء ولاية مجلس نواب 2022 في 22 أيار الفائت في مهام تصريف الأعمال، في وقت يواصل الدولار الاعيبه وتحليقه وانخفاضه من دون أن يسجل أي تراجع في الأسعار مع تدهور حياة الناس الاقتصادية والمعيشية والصحية، فيتواصل الشغور الرئاسي ويستمر عداد فراغ الكرسي الأولى بالتصاعد، بانتظار إشارة مرور خارجية، عبر توافق دولي، وإقليمي وتحديدا عربي كان يطلق عليه «الوحي» الذي يحوّله النواب في صندوقة الاقتراع باسم الرئيس العتيد

بأي حال، فإن «كلمة السر» الحاسمة بشأن الانتخابات الرئاسية لم تصدر بعد، ليحوّلها نواب «الأمة» الى حقيقة في صندوقة الاقتراع الزجاجية، وبالتالي سيتواصل عداد أيام الشغور في الكرسي الأولى بالتصاعد «حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا»، فيما تتواصل معه مرارات اللبنانيين التي باتت تطال كل تفاصيل حياتهم اليومية، وخصوصا الصحية والاجتماعية والتربوية والاستشفائية والدوائية والغذائية، إضافة الى النور وحركة النقل.

في التجارب الانتخابية الرئاسية في لبنان، تكثر المناورات السياسية، ومحاولات ابعاد مرشح ما، لصالح آخر، زمنها محولتان لأميل إده لإبعاد بشارة الخوري عن الترشيح للمنصب الأول في البلاد في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي وفي العام 1943، ولو أدّى ذلك الى تعليق الدستور من قبل سلطات الانتداب الفرنسي.

المحاولة الأولى

في عام 1931، بدأت الولاية المجددة لأول رئيس جمهورية شارل دباس (كانت الولاية لمدة 3 سنوات) تقترب من نهايتها، وكان واضحا ان المنافسة هي: بين بشارة الخوري واميل إده (حقائق لبنانية – ج 1 – بشارة الخوري)، وعندما اقتربت ولاية دباس من نهايتها بدأ الصراع لانتخاب خلف له، واحتدمت المعركة بين بشارة الخوري واميل إده، ولكل منهما في المجلس النيابي وفي البلاد وبين رجال الانتداب أنصار ومؤيدون، وكل منهما يطمح الى الرئاسة، فان لم يرافقه الحظ فلا بد من الأمل للحؤول دون فوز خصمه (50 سنة مع الناس – يوسف سالم – دار النهار).

ويؤكد يوسف سالم ان الشيخ بشارة الخوري رشّح نفسه بموافقة دوائر الانتداب وفي مقدمها هنري بونسو المفوض السامي نفسه (50 سنة مع الناس – دار النهار)، وصارت المناورات السياسية جزءا من الوصول الى الحكم أو لإبعاد المنافسين، وهنا كاد المسلم السنّي الشيخ محمد الجسر أن يصبح رئيسا للجمهورية خلفا للأرثوذكسي شارل دباس، وفي التفاصيل كما يرويها يوسف سالم: «أدرك اميل إده ان لا أمل له بالرئاسة، فهمس الى الشيخ الجسر رئيس مجلس النواب أن يرشح نفسه لها، ووعده بدعم ترشيحه واعطائه صوته وأصوات الذين يماشونه في المجلس، وكانت تلك المرة الأولى التي يترشح فيها مسلم لرئاسة الجمهورية اللبنانية، ومن المفارقات اللبنانية التي تبدو غريبة لمن يجهل تعاريج السياسة اللبنانية الداخلية، وتصارع الأحزاب أن كثيرين من النواب المسيحيين وفي مقدمهم اميل إده كانوا يؤيدون الشيخ الجسر، وأن كثيرين من النواب المسلمين دعموا ترشيح الشيخ بشارة، وبعد أن أدركت المفوضية الفرنسية العليا ان ترشيح الشيخ محمد الجسر، لم يكن مناورة سياسية منه أو من اميل إده، بل قضية جدّية، بدأت تضغط على النواب لتأييد بشارة الخوري» (50 سنة مع الناس).

ويبدو أن الشيخ الجسر حاول أن يجسّ نبض الانتداب من مسألة ترشيحه، فيؤكد الرئيس صبري حمادة: «ان الشيخ محمد» كلّفني استمزاج رأي المفوض السامي. الذي قال لي بالحرف الواحد: 

‏« mon ami , la france n`est pas ici pour faire la volonte de cheikh Mohamed, dites-lui de nous ficher la paix»

أي «يا صديقي، ليست فرنسا هنا لتمتثل لإرادة الشيخ محمد، قل له أن يدعنا وشأننا..» (الأسبوع العربي 26/10/1967).

لم يستسلم الشيخ محمد الجسر، بل مضى في عزمه، على الرغم من الضغوط التي مارسها الانتداب الفرنسي ليحمله على الانسحاب.

بدوره، الرئيس شارل دباس حاول أن يوفق بينه وبين الشيخ الجسر، فلم يفلح، حيث قال الشيخ انه أقسم لمن يسانده من المسلمين وفي مقدمهم رياض الصلح ان لا يرجع عن ترشيحه أبدا، ومما قاله: «أن المفوض السامي رجل ضعيف، يمانع اليوم في ترشيحي ولكن إن نجحت أبرق الى حكومته مبررا موقفه ومبيّنا محاسن انتخابي» (50 سنة مع الناس).

ومساء الأحد الثامن من أيار 1932 ذهب بونسو بسيارة عادية الى بكركي، منعا للفت الأنظار، وهمس في أذن البطريرك عريضة انه سيحلّ المجلس النيابي ويقيل الحكومة ويوقف الحياة النيابية، وفي صباح التاسع من أيار، أصدر المفوض السامي قرارا حمل الرقم ل/56، كلّف بموجبه شارل دباس بصفته الحالية، بوظائف رئيس الحكومة، وبتكليف المديرين اللبنانيين مهمة إنجاز الأمور تحت سلطة رئيس الحكومة مباشرة واعتبار مهمة الوزراء الحاليين منتهية، وبوقف جلسات المجلس النيابي. وبشكل أدق علّق بونسو الحياة الدستورية في البلد. التي استمرت حتى 21 كانون الثاني 1934 (انظر «اللواء» عدد 13 حزيران 2022).

المحاولة الثانية: لم تمر على سامي الصلح

في العام 1943 حاول الرئيس اميل إده أن يكرر التجربة مع الرئيس سامي الصلح، لكنها لم تنجح، وكما يروي الرئيس سامي الصلح نفسه، أن اميل إده حضر الى منزله بصحبة كتلته النيابية، «وطلب مني أن أرشح نفسي لرئاسة الجمهورية على أن أتفاهم مع رياض الصلح، للحال انعكست في مخيلتي السابقة التي حصلت مع الشيخ محمد الجسر بسبب الخلاف بين المرشحين المارونيين إده وبشارة الخوري».

يتابع الرئيس سامي الصلح، انه قال لإده: «أن أوضاع البلاد لا تسمح بذلك، وأن محاولة كهذه مصيرها الفشل» مؤكدا هنا انه «أما أنا، فلم أكن مقتنعا بجدوى مثل هذه الخطوة، فشكرته واعتذرت له عن عدم موافقتي على مشروعه» (سامي الصلح: لبنان – العبث السياسي والمصير المجهول، ص 101 – دار النهار).

/ اللواء /

اترك رد إلغاء الرد