لعنة التسريبات تلاحق رؤساء أميركا على الشاشات

/حميدة أبو هميلة- اندبندنت عربية/

يتحدث جو بايدن بثقة شديدة، مؤكداً أنه لا يعول كثيراً على أزمة الوثائق السرية، التي ظهرت في مركزه البحثي وملكياته الخاصة، فكما يبدو ظاهراً فإن الرئيس الأميركي، الذي اختاره الشعب لأنه قدم نفسه على أنه نقيض لسلفه دونالد ترمب، بدا على يقين من أن التحقيقات التي تجريها وزارة العدل لن تدينه بأي شيء.

لكن ما يخبرنا به التاريخ السينمائي الأميركي بأن هذا الاطمئنان الذي يبديه الرؤساء في الأزمات الكبيرة هو هدوء مصطنع، ومجرد غطاء هش لحال من التوتر والعصبية والقلق وعدم الثقة، حيث إن الكواليس تكون نارية تماماً.

السؤال الآن متى سنشاهد أزمة وثائق جو بايدن الرئيس الـ46 في عمل فني أو توثيقي؟ بعد أن كان نجله هانتر بايدن نجماً لامعاً بهذه النوعية من الإنتاجات على أثر اتهامات متعددة متعلقة بالفساد المالي والإدمان.

بايدن هو الرئيس الديمقراطي الذي طالما نعت هو وأنصاره سلفه ترامب بشتى الاتهامات، ووصفه بأنه غير مسؤول حينما تبين أنه احتفظ بوثائق سرية في منزله، والأمر أقسى بالطبع حينما يأتي الحديث عن قضية اقتحام “الكابيتول”، التي لا تزال التحقيقات فيها جارية حتى الآن، حيث بات بايدن في موقف غير بعيد بالمرة عن غريمه الأزلي.

المؤكد أن البلد، الذي يشغل العالم بمشكلاته السياسية، سواء أكانت عابرة أو عميقة ومؤثرة، هو نفسه الذي لا يترك فرصة للآخرين أن يتناولوا فضائحه العابرة للقارات عبر الأعمال الفنية، فهوليوود هي المصنع الأول لإنتاج الأفلام التي تكشف عن الجانب الآخر للمحطات الفارقة في حياة ساكني المكتب البيضاوي، وتظهر وجههم الأكثر ضعفاً وارتباكهم وتناقضهم وخداعهم، وأيضاً لحظات الصدق الاستثنائية، وهو ما حدث بأكثر من 100 فيلم حتى الآن.

إعادة اكتشاف الفضيحة

بالطبع الفضيحة المفضلة لصناع السينما والدراما التلفزيونية والوثائقيات في السياسة الأميركية هي “ووترغيت”، فاسم ريتشارد نيكسون من أكثر الأسماء ترديداً بهذه النوعية من الأعمال الفنية.

وإذا كان أبراهام لينكولن حكاية شبه مثالية للرؤساء الأميركيين حينما تعرضه الشاشات، حيث يعتبر من أكثرهم ظهوراً درامياً، فإن نيكسون يكون على النقيض، حيث تبدو قصة التلاعب التي أوصلته للمرة الثانية لمنصب الرئيس نموذجية درامياً وعامرة بكل ما يخدم التناول الفني.

ولا تزال أزمة نيكسون، التي سجلت في التاريخي الأميركي كأكبر فضيحة سياسية حتى الآن، التي على إثرها حدثت للمرة الأولى استقالة رئاسية في البيت الأبيض، بعد أن تفادى قرار سحب الثقة منه، الذي كان قادماً لا محالة، وذلك بعد أن تكشفت خيوط قضية تجسسه على منافسه في الحزب الديمقراطي الشرس جورج ماكغفرن بمبنى “ووترغيت”.

وعلى وقع الأزمة ألقي القبض على عشرات المتورطين وخضع نيكسون وفريقه للتحقيق وتخلى عنه كل الداعمين ليغادر منصبه مستقيلاً في (آب) 1974 في خضم محاكمته، وعقب أسابيع قليلة حصل على عفو رئاسي من خلفه جيرالد فورد، لكن شعور العار لم يغادره قط، وهو ما جسدته الشاشة مراراً.

فعلى رغم أن المشكلة كانت ضاغطة ومثلت فترة عصيبة ومتأزمة على أعلى مستوى بالإدارة الأميركية حينها، لدرجة أن الجمهور شعر بأن كل شيء تم الكشف عنه على الملأ، وأن الانكسارات التي عصفت بنيكسون وفريقه تم استعراضها كاملة، لكن تلك الهزيمة الساحقة لم يكن من الكافي أن تظل فقط معروضة عبر نشرات الأخبار الجافة، فالتجسيد والتشخيص له قول آخر.

لعبت السينما دوراً محورياً في إعادة اكتشاف “الفضيحة”، وفي تقديم رؤى متنوعة لم تخل من الطابع الإنساني لهذا الحدث المدوي، وعلى رغم أن الأعمال التي تقدم بعد وقت قصير من الوقائع الكبرى تكون غالباً هي الأكثر ضعفاً، لكن هذا الأمر لم ينطبق بالمرة على فيلم (All the President’s Men – كل رجال الرئيس)، الذي عرض عقب استقالة نيكسون من منصبه بعامين فقط.

الفيلم الذي أدى بطولته جاستن هوفمان وروبرت ريدفورد وتكلف ثمانية ملايين دولار أميركي فقط، حقق نحو عشرة أضعاف موازنته، إذ ركز على مهمة الصحافيين كارل برنستين وبوب ودورد اللذين حققا في الوثائق التي فجرت الأزمة، وصعدا باسم جريدتهما “واشنطن بوست” إلى مراتب رفيعة، ولطخا سمعة الرئيس الـ37 للولايات المتحدة إلى الأبد.

وصنف السجل الوطني للأفلام بمكتبة الكونغرس العمل، الذي أخرجه آلان جاي باكولا، على أنه واحد من أهم وأجمل الأعمال التاريخية، وهو حتى الآن يعتبر مرجعية سينمائية مهمة للأعمال السياسية التوثيقية، بل يعتبره كثيرون وكأنه الفيلم الرسمي لـ”ووترغيت”، حتى إن ليام نيسون قدم عام 2017 ما بدا وكأنه تنويعة جديدة على العمل من خلال فيلم “Mark Felt” ودار حول قصة المحقق الثالث الذي عمل في الظل لصالح الصحافيين بوب وودوارد وكارل برنستين، وهو مأخوذ عن كتاب لصاحب القصة الرئيسة مارك فيلت نفسه، وأخرجه بيتر لانديسمان.

بين الإعلام والسينما

الإعلام أيضاً كان دوره محورياً في فيلم آخر استند إلى حبكة تتحدث عن اللقاء التلفزيوني الذي أجراه نيكسون بعد ثلاث سنوات من مغادرته المنصب مطأطأ الرأس، في محاولة منه لتحسين صورته، لكن النتيجة جاءت عكسية تماماً، الفيلم عرض عام 2009 وحمل عنوان “Frost/Nixon” مستنداً إلى اسم الرئيس واسم المذيع البريطاني اللامع ديفيد فروست، الذي قام بكل ما هو ممكن ليقنع نيكسون بالظهور وإجراء الحوار الذي اكتشف متأخراً أنه كان سقطة وأضيف إلى سجل أخطائه الفادحة، وجسد شخصية المحاور بتميز شديد النجم البريطاني مايكل شين، بينما بدا فرانك لانجيلا بارعاً في أداء دور ريتشارد نيكسون.

الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون يتحمل المسؤولية الكاملة عن فضيحة ووترغيت خلال خطاب تم بثه للشعب الأمريكي (أ ف ب)

أيضاً سيرة نيكسون الشائنة لم تفت المخرج المفتون بالسياسة أوليفر ستون، حيث قدم عام 1995 فيلماً حمل عنوان “نيكسون” قام ببطولته أنتوني هوبكنز، بالطبع هذا إلى جانب عدد ضخم من الوثائقيات التي تناولت القضية، وكذلك المسلسلات، ومن أحدثها “Gaslit” الذي قامت ببطولته جوليا روبرتس إلى جانب شون بن وعرض العام الماضي.

وبعدها بأشهر قليلة استقبل الجمهور مسلسلاً آخر عن فضيحة رئاسية أميركية أخرى لا تسقط بالتقادم، تتحدث عن طريق تسريب وثائق إدانة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بعد إنكاره علاقته بالمتدربة في البيت الأبيض منتصف التسعينيات مونيكا لونيسكي.

المسلسل حمل اسم “Impeachment: American Crime Story”، وركز على كيفية خروج المعلومات إلى العلن من خلال موظفة في البيت الأبيض كانت على معرفة بمونيكا، وقدمت فيها بياني فيلدشتاين شخصية مونيكا لونيسكي، التي اتخذت القضية اسمها والتصقت به.

“مونيكا غيت”

وباتت تعرف شعبياً باسم “مونيكا غيت”، إذ نفى كلينتون علاقته بالمتدربة الشابة التي كانت في مقتبل العشرينيات حينها بينما هو في منتصف الأربعينيات، وحينها اتهم بعرقلة تحقيقات العدالة والشهادة الزور، حيث أثبت المكالمات المسربة أن علاقتهما استمرت منذ عام 1995 وحتى 1996.

بيل كلينتون الرئيس السابق للولايات المتحدة (أ ف ب)

ومن جهتها، قررت العشيقة السابقة للرئيس الأميركي الـ42 في عام 2018 أن تضع حداً للتسريبات وأن تروي حكايتها بنفسها، من خلال حلقات وثائقية كاشفة وجريئة حملت عنوان “The Clinton Affair”، وتحدثت خلالها من دون مواربة عن طريقتها في إغواء كلينتون، وعلى رغم شعورها بالخزي في أوقات كثيرة وبأنها سببت لعائلتها فضيحة لن تمحى، لكنها أصرت على أن تكون هي مصدر المعلومات هذه المرة.

كل رجال البيت الأبيض

بينما لا تزال التحقيقات جارية في ما يتعلق بضلوع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في جريمة اقتحام مبنى الكونغرس (الكابيتول) في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021، إذ يواجه حتى الآن تهماً بالاشتراك في مؤامرة متشعبة الأطراف والتحريض على الانقلاب على نتيجة الانتخابات التي أوصلت خصمه جو بايدن لسدة الحكم، لا تتوقف الأعمال الفنية التي تنال من شخصيته.

فبخلاف عشرات الحلقات الكوميدية الساخرة من البرامج الشهيرة، هناك أيضاً فيلم “Four hours at the capitol”، الذي عرض نهاية 2021 وأخرجه جامي روبرتز، وهو يدين من خلال شهادات عدة ترمب ويعتبره المسؤول الأول عن التخريب الذي صاحب عملية الاقتحام من قبل أنصاره الذين عبروا عن رفضهم لخسارته الانتخابات بطريقة عنيفة وغير متوقعة، إذ لم يعترفوا بنتيجة التصويت.

لكن أيضاً، وعلى رغم أن ترمب لا يزال يواجه بين الحين والآخر تشكيكات في نزاهة فوزه بالفترة الرئاسية الوحيدة له حتى الآن عام 2016، فإن أنصاره يحاولون رد الضربة بطريقة المعارضين نفسها، إذ عرض العام الماضي عمل وثائقي نال استحساناً من مؤيديه حمل عنوان “2000 “Mules ويسرد على مدار ساعة ونصف وجهة النظر الترمبية في قيام الحزب الديمقراطي بالتزوير والتلاعب بصناديق الاقتراع لصالح بايدن عام 2020.

وينتصر الفيلم لنظرية المؤامرة، التي يروج لها أنصار المرشح الجمهوري السابق، لكن في كل الأحوال فإن نصيب ترمب من النقد اللاذع هو الأكبر حيث لم يتأخر المخرج مايكل مور في الإدلاء بدلوه من خلال فيلم “Michael Moore in TrumpLand” الوثائقي الذي عرض قبيل وصوله إلى الحكم بوقت قصير.

ويشتهر مور بحسه السياسي في الأعمال التي يقدمها ومن أشهرها “فهرنهايت 11/9” 2004 الذي يؤرخ بطريقة ساخرة وقاسية في الآن ذاته لفترة إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش ويلومه بشدة على حرب العراق.

كما كان بوش بطلاً أيضاً لفيلم “دبليو”، الذي قدمه أوليفر ستون عام 2008 وهذه المرة كقصة درامية لسياسي شاب وجده صانع الفيلم لا يستحق ما وصل إليه، لأنه لا يمتلك أي مؤهلات لهذا المنصب.

كما عرف أوليفر ستون باهتمامه الخاص بقصة اغتيال الرئيس الأميركي السابق جون كيندي، التي قدم حولها أكثر من عمل مستنداً إلى وثائق أفرج عنها على أكثر من مرحلة، وأيضاً إلى شهادات حية من معاصري الحدث، وبينها “جاي أف كي”.

تقريباً جميع رؤساء الولايات المتحدة الأميركية السابقين ظهرت شخصياتهم بشكل أو بآخر على الشاشة، وذلك منذ عشرينيات القرن الماضي، حيث كانوا مادة خصبة للغاية درامياً ووثائقياً، فمنذ جورج واشنطن الرئيس الأول مروراً بأبراهام لينكولن وصولاً إلى ترمب وقبله أوباما، فالكل حياته المعلنة والسرية معرضة لأن تروى وفق سيناريو إبداعي خالص يستند في أغلب الوقت إلى المعلومات المسربة والمؤامرات التي تكشف عنها الكواليس بعد حين.

اقتحام أنصار ترمب للكابيتول (غيتي)

اترك رد إلغاء الرد