كيف يمكن لمهرجان الاقتصاد النجاة من “كورونا”؟

انخفض عدد المشاركين في أكبر مؤتمر عالمي لخبراء الاقتصاد إلى النصف هذا العام، الأمر الذي جعل بعض الحاضرين يشعرون بالقلق من أن التجمع السنوي كان عرضة لخطر التفكك كمثل السترة المحبوكة. وتقول النظرية إن الأشخاص الذين أصيبوا بخيبة أمل لعدم رؤية أصدقائهم في مؤتمر «جمعيات العلوم الاجتماعية المتحالفة» لهذا العام في نيو أورليانز الأميركية، سوف يكونون أقل عرضة لحضور مؤتمر يناير (كانون الثاني) المقبل في سان أنطونيو، مما يسفر عن انخفاض عدد الحضور في سان فرانسيسكو عام 2025… وهلم جراً في دوامة من التراجع من دون أن تكون هناك نقطة توقف واضحة.
هذا سيكون سيئاً. يُذكر أن الاجتماع السنوي الذي يستمر ثلاثة أيام هو بمثابة مهرجان للاقتصاد. وهو عبارة عن موضع للالتقاء ومنتدى للتعلم. وعوضاً عن الموسيقى والفن والميزات الدنيوية الأخرى، هناك عروض «باور بوينت»، التي تتضمن ابتكارات في الاقتصاد القياسي. إن حائزي جائزة نوبل يحتكون ويختلطون بمن سوف يحصلون عليها في المستقبل. وفي أي فترة زمنية معينة، قد تعقد 60 جلسة متزامنة حول كيفية تمكن الاقتصاد من مكافحة تغير المناخ، أو الحد من التفاوت في الدخول، أو مساعدة الناس على الادخار للتقاعد، أو كبح جماح عمالقة التكنولوجيا. وإليكم لقاء أشير إليه بصورة عشوائية: الجمعة، 2:30 إلى 4:30. قاعة باخوس، فندق «نيو أورليانز ماريوت»: لقاء بعنوان «محفزات لاستهلاك الكهرباء والمياه في المنزل بكفاءة».
من زاوية خبراء الاقتصاد، فإن هذا هو الفردوس ذاته. وفي سنة نموذجية، كان الاجتماع السنوي لجمعيات العلوم الاجتماعية المتحالفة يجتذب نحو 13 ألف خبير منهم، تمثل نسبة 30 في المائة تقريباً مؤسسات خارج الولايات المتحدة. كانت الرابطة الاقتصادية الأميركية، ولا تزال، المنظمة المحورية. وهناك 64 منظمة أخرى مشاركة، بما في ذلك الرابطة الأفريقية للمالية والاقتصاد، وجمعية تحليل المنافع والتكاليف، والاتحاد من أجل الاقتصاد السياسي الراديكالي.
غير أن الأمور اختلفت هذا الشهر في نيو أورليانز، حيث عقدت الجمعيات المتحالفة أول مؤتمر شخصي لها منذ يناير 2020، وكان ذلك قبل تفشي فيروس «كورونا» مباشرة. كان الحصول على حجوزات في الفنادق والمطاعم أسهل بكثير. وكانت الممرات أقل ازدحاماً. والقليل من الجلسات كانت تُعقد في غرف للواقفين فقط. وكان عدد الحضور أكثر بقليل من 6 آلاف، وفقاً لبيتر روسو، الخبير الاقتصادي في جامعة فاندربيلت، الذي يشغل منصب أمين صندوق الرابطة الاقتصادية الأميركية.
كانت جائحة «كوفيد» هي العامل الكبير الذي أدى إلى تراجع عدد الحضور هذا العام، وكان له تأثيران؛ أحدهما مؤقت والآخر دائم على الأرجح. التأثير المؤقت أن بعض الناس ابتعدوا عن نيو أورليانز لأنهم كانوا مرضى بـ«كوفيد» أو كانوا قلقين من الإصابة به.
التغيير المحتمل والدائم أنه خلال العامين لم يُعقد المؤتمر بشكل مباشر، فقد اختفت إحدى وظائفه المهمة. كان من المعتاد أن يحضر نحو 1500 من مرشحي درجة الدكتوراه للبحث عن وظائف، ويحضر نحو 2000 أستاذ لمقابلة هؤلاء، في أجنحة الفندق. والآن تجرى هذه المقابلات الأولية عبر الإنترنت عن طريق الفيديو، ولا يبدو أن أحداً مُهتم بالعودة إلى الطريقة القديمة، التي كانت غير مريحة للجميع وغير مريحة للعديد من المرشحات الإناث. (ومن بين عوامل الاكتئاب الأخرى هذا العام أن بعض خبراء الاقتصاد أحجموا عن الحضور احتجاجاً على حظر الإجهاض الذي فرضته ولاية لويزيانا، والذي كان راجعاً إلى الانقلاب الذي شهدته قضية «روي ضد وايد»).
السؤال الذي كان يشغل الناس بعضهم ببعض في نيو أورليانز هو ما إذا كان الحدث يمكن أن يستمر من دون السبب الحقيقي لوجوده لدى الكثيرين: ألا وهو التوظيف. في بداية عطلة نهاية الأسبوع كنت قلقاً، ولكن في النهاية بدأت أشعر بالاطمئنان. وقد أخبرتني سوزان آثي، الخبيرة الاقتصادية في كلية الدراسات العليا للأعمال بجامعة ستانفورد، ورئيسة الجمعية الاقتصادية الأميركية، أنها تتوقع أن يكون الحضور في العام المقبل في سان أنطونيو أعلى قليلاً مما كان عليه في نيو أورليانز، «استناداً إلى التجارب الإيجابية التي مر بها الناس شخصياً، والتحسينات الإضافية التي اقترحها الأعضاء للسنة المقبلة».
قال الرئيس الجديد إن الاتساع والعمق يشكلان أهمية بالغة. هناك الكثير من المؤتمرات الاقتصادية الأصغر حجماً والأضيق مجالاً، لكن إذا كنت ترغب في التعرف على موضوعات خارج تخصصك أو اللحاق بزملائك القدامى الذين سلكوا اتجاهات أخرى، فلا يوجد شيء أفضل من الاجتماع السنوي «لجمعيات العلوم الاجتماعية المتحالفة»، كما قالت السيدة آثي، وهي أيضاً كبيرة الاقتصاديين بقسم مكافحة الاحتكار في وزارة العدل الأميركية.
أبلغني دارون أسيموغلو، الخبير الاقتصادي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أنه استمتع باجتماع هذا العام أكثر من الاجتماعات السابقة، لأنه كان قادراً على المشاركة في المزيد من الجلسات بدلاً من مقابلة الطلاب الجامعيين طوال عطلة نهاية الأسبوع. وقال إن المستوى الحالي للحضور قد يكون إلى حد ما هو الوضع الثابت الجديد. وقال جاستن وولفرز، أستاذ السياسة العامة والاقتصاد بجامعة ميشيغان، إن أهم جزء في المؤتمر هو المحادثات التصَادُفِيّة في الردهات.
بصفتي صحافياً يُغطي الأخبار الاقتصادية، فإنني أتمنى استمرار هذه الفعالية بمزيد من الازدهار. فلا يوجد مصدر أفضل منه لأفكار القصص الإخبارية.
في الصيف الماضي، نشر الاقتصاديون أوليفييه بلانشارد، وأليكس دوماش، ولورانس سامرز، ورقة متخمة بالتشاؤم حول سوق العمل في الولايات المتحدة، وخلصوا إلى أن الأمر سوف يتطلب زيادة كبيرة في معدل البطالة لتخفيض عدد الشواغر – أي الوظائف غير المشغولة. وقالوا إن هذا يرجع إلى أن السوق لا تقوم بعمل جيد في التوفيق بين العمال المتاحين والوظائف المتاحة. لكن سيمون مونجي، كبير خبراء الاقتصاد البحثي في بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، كان أكثر تفاؤلاً، وخلص إلى أن كفاءة مطابقة الوظائف انخفضت في ظل الركود بسبب الاضطرابات في سوق العمل، ولكنها تعافت منذ ذلك الحين، وبالتالي يمكن للشواغر أن تنخفض من دون زيادة كبيرة في البطالة.

/ الشرق الأوسط /

اترك رد إلغاء الرد