عشق البندقية يقتل المناضل والقضية

إرتأت قوى الفساد والطغيان أنّ أمضى سلاحين لقتل الحركات الشعبية المطالبة بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب هما إمّا تسليح المنتفضين أنفسهم كي يقتلهم سلاحهم ويدفن قضيتهم ما يؤدّي إلى إعادة إنتاج طبقة تحالف الفساد بحماية سلاح الطغيان، أو ضربهم واختراقهم وتشتيتهم فتتآكل وحدتهم وتتشرذم قواهم فيتناثر ثقلهم.

الشعب اللبناني أصاب السلاحان منه مقتلًا. من حمل السلاح للدفاع عن كرامته في مواجهة الإحتلال الفارسي كما الأسدي وقبلهما الإسرائيلي، كالشيخ أحمد الأسير حكم بالإعدام، ومن تظاهر سلمياً مطالباً بالشفافية والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب كثورة 17 تشرين 2019 لم يقمعه الجيش اللبناني لكن لم يدافع عنه في مواجهة اعتداءات زعران الطغمة فتشتتت قواه بين من التجأ إلى الطغمة التي كان ضدّها ومن خان الأمانة التي على أساسها انتخب، ما فتح الباب واسعاً أمام تحالف طغمة الفساد وطغاة السلاح لمحاولة إعادة استيلاد سيطرتهما على الكيان.

منذ رعى الإحتلال الأسدي إنهاء الحرب الأهلية لمصلحته بالقضاء على تمرد رئيس نصف الحكومة العسكرية العماد ميشال عون ومغادرته قصر بعبدا إلى السفارة الفرنسية طلباً للحماية في 13 تشرين الأول 1990، مروراً بتحالف مار مخايل بين أمين عام حزب السلاح الفارسي حسن نصر الله وعون العائد من المنفى الفرنسي الإختياري في 6 شباط العام 2006 وصولاً إلى سيطرة الإحتلال الفارسي على قصر بعبدا عبر انتخاب مرشحه ميشال عون رئيساً للجمهورية في 31 تشرين الثاني 2016، وبعد تمرّد على الدستور إستمرّ لأكثر من سنتين حلّت نهاية عهد جهنم الذي خلّف “وطناً” متشظياً بلا رئاسة فيما البلد ما زال يبحث عن تحالف بين جهد دولي وثورة غير مسلّحة لتنفض عنه غبار المنظومة وتنتشله من قعر الهاوية التي ألقي فيها.

مع وفاة حافظ الأسد في 10 حزيران العام 2000 بعد أسبوعين من انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وانتقال سلطة الإنتداب العربي على لبنان إلى خليفته بشار، أسندت إلى حليف دمشق المفضّل، الرئيس إميل لحود، مهمّة التسويق لنظرية تحرير مزارع شبعا باعتبارها أرضاً لبنانية من دون المطالبة بترسيم الحدود مع سوريا الذي يبين وحده لأي دولة تتبع المزارع، والإعتماد في “التحرير المزعوم” على ميليشيا إيران بقيادة نصرالله المسماة “مقاومة” لتمييزها عن الميليشيات التي حلها إتفاق الطائف، لتحرير هذه المزارع كما مرتفعات كفرشوبا التي لا شك في لبنانيتها على نقيض المزارع التي احتلتها إسرائيل من قوات الدرك السورية في حرب العام 1967.

وبعد إغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005 وانسحاب جيش بشار الأسد من لبنان بعد شهرين صار الإحتلال الفارسي وريثاً واقعياً للإحتلال الأسدي الذي ودّع جنودَه المغادرين بشعار “شكراً سوريا”، ربما لأنّها أورثته لبنان الذي أكمل توسّعه فيه كما في سوريا وسيطرته عليه… لبنان يعيش خيار خاسر-خاسر لأنه عندما إعتمد خيار البندقية كان سلاحه ملك من زوّده به لا ملكه، ويوم أراد إطلاق ثورة سلمية، تخلى عنه حامي الشعب أي الجيش الوطني.

وهو ما أصاب أيضاً الثورة السورية التي كانت لدى إنطلاقتها في 18 آذار من العام 2011 مجرّد تظاهرات تطالب بإصلاحات ديمقراطية وتردد هتاف “سلمية سلمية”، فقمعتها أجهزة النظام التي أطلقت الرصاص الحي على المتظاهرين ما أدى إلى انشقاق أول جندي عن الجيش ورفضه تنفيذ الأوامر في 23 نيسان من العام نفسه وهو المجند وليد القحمي وتبعه الملازم أول عبد الرزاق طلاس.

وبدأت الثورة السورية السلمية تستقطب عطفاً عالمياً، خصوصاً في ضوء وحشية قمع الأجهزة الأمنية للمدنيين والمجازر التي ارتكبت بحقهم، فقرّرت القيادة الأمنية تسليح الثوار كي تتمكن من إطلاق صفة إرهابيين عليهم ما يتيح لها قمعهم دون حساب.

وهكذا كان، فتمّ تزويد الثوار السلميين بسلاح من مخازن حلفاء نظام الأسد في لبنان وتم تسديد ثمن السلاح من قبل إحدى الدول العربية الثرية التي لا تسمح بانتشار سابقة إطاحة بحاكم من قبل شعبه كما حصل في تونس حيث أدى إحراق الشاب طارق الطيب المحمد بوعزيزي نفسه في 17 كانون الأول العام 2010 إلى الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.

إنتصرت الثورة السلمية في تونس كما إنتصرت إنتفاضة الحجارة الفلسطينية غير المسلحة التي إنطلقت يوم 8 كانون الأول العام 1987 في جباليا بقطاع غزة ثم إنتشرت في كل فلسطين المحتلة بقيادة “القيادة الفلسطينية الوطنية الموحدة ومنظمة التحرير الفلسطينية” ونجحت في فرض توقيع إتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في العام 1993 ما أنتج السلطة الوطنية الفلسطينية وهو ما عجزت عنه حروب البندقية منذ تأسيس منظمة التحرير في 28 أيار العام 1964 في القدس.

أما المثال الأسطع على الإنتصار الأعزل والهزيمة المسلحة، فيرجع إلى الشيخ أحمد الأسير الذي هز عرش تحالف منظومة الفساد وسلاح الطغاة بتظاهراته واعتصاماته السلمية في بيروت وصيدا إلى أن ظهر حاملاً البندقية مدافعاً عن الثورة السورية فرفعوا عنه الغطاء السني الشرعي بانكفاء دار الفتوى عن التدخل لاحتوائه فتم اقتحام مسجد بلال بن رباح الذي كان يحتضن قيادته شرقي مدينة صيدا في حزيران 2013، حكم غيابياً بالإعدام في العام 2014، واعتقل في مطار بيروت وهو يحاول المغادرة بجواز سفر مزور في العام 2015 وفي 28 أيلول 2017 حكم بالإعدام وجاهياً.

كشفت مراجعة سريعة لمسارات الثورات الشعبية في العالم العربي في الربع الأخير من القرن الماضي والربع الأول من الحالي أن ما انتصر منها هو فقط الحركات غير المسلحة، أما الحركات المسلحة فانتهت إلى التناحر في ما بينها، بحيث تولّت، عن إدراك أو عدم إدراك، المهمة القذرة المقتصرة على الإنتحار والتشتت… والرقص في أعراس العدو أو البكاء على أطلال “النضال”، والتوبة على عتبات منظومات الفساد وطغيان السلاح.

/ محمد سلام / هنا لبنان /

اترك رد إلغاء الرد