القضاة الأوروبيون وتعرية لبنان مالياً وسياسياً

يمكن التقليل من أهمية زيارة الوفد القضائي الأوروبي إلى لبنان، كما في الوقت نفسه لا يمكن التعويل داخلياً على ما يمكن أن يصدر من نتائج للتحقيقات الأوروبية. إذ لن يكون لها آثار فعلية مباشرة على الواقع المالي والاقتصادي في البلاد، ولا حتى ستكون قادرة ربما على فرض أحكام بحق مسؤولين لبنانيين أو جهات مصرفية.
أهم ما في دخول القضاة الأوروبيين، وما ينجم عنه من صراعات قضائية بين من يريد التسهيل ومن يحاول العرقلة ومن يعترض على ذلك، تحت شعار رفض المس بالسيادة، يذكر بشكل أو بآخر، وإن بنسبة أقل، بآلية التعاطي الانقسامية التي شهدها لبنان مع تشكيل لجنة تقصي حقائق بقضية اغتيال رفيق الحريري، وانشاء المحكمة الدولية بعدها، وإن لم تكن لها نتائج مباشرة للأحكام، إلا أنها أرست ثوابت معينة، أو أظهرت الكثير من الحقائق والمعطيات.
ويذكر ذلك أيضاً بالانقسام اللبناني حول آلية التحقيق في تفجير مرفأ بيروت.

الأمن المالي الدولي
بناء عليه، يمكن تشبيه زيارة الوفد الأوروبي وتحقيقاته كأنها لجنة تقصي حقائق لن يصدر عنها أي قرارات قضائية ولن يتشكل بموجبها محاكم. لكنها ستؤشر إلى التكريس الدولي للبنان بوصفه دولة فاشلة، وستبقي الضغوط قائمة على الدولة اللبنانية، لفتح كل الخزائن والأسرار حول الحركة المالية في الداخل والخارج، مع رصد حثيث لعمليات تبييض الأموال، خصوصاً أنه بالنظر إلى مثل هذه الدول، فإن التعاطي بالأوراق المالية النقدية يفتح المجالات بشكل واسع أمام عمليات تبييض الأموال. وعليه ينظر المجتمع الدولي إلى لبنان كإحدى الساحات الخارجة عن المنظومة المالية العالمية. وهذا يمس الأمن المالي الدولي. كما أن عدداً من الدول تنظر إلى تفجير مرفأ بيروت بأنه تهديد للأمن الدولي والتجارة الدولية. ولذلك كان هناك حماسة حول إجراء تحقيقات بما حصل، على الرغم من أن التحقيقات لم تعلن ولن تنتج عنها محاكمات أو قرارات إتهامية.

سنوات طويلة
يسعى القضاة الأوروبيين إلى الإبحار في المغاور اللبنانية قضائياً ومالياً. وحسب ما تكشف مصادر متابعة، فإن التحقيقات تشمل كل الحركة المالية وعلى امتداد سنوات طويلة، تعود إلى فترة تهريب الأموال العراقية إلى لبنان، بالإضافة إلى تهريب أموال ليبية بعد الثورة وسقوط نظام معمر القذافي. كذلك تتركز التحقيقات على عمليات تحويل أموال إلى الخارج بعد ثورة 17 تشرين بمبالغ طائلة.

تأتي التحقيقات على وقع جزم لبناني وخارجي بأنه لن يكون هناك أي اتفاق بين صندوق النقد الدولي ولبنان. إذ أن اللبنانيين يرفضون مثل هذا الاتفاق وشروطه أولاً. وثانياً، هناك قناعة دولية بأن ما تقوم به الجهات اللبنانية الفاعلة بالتعاون مع حاكم المصرف المركزي، تهدف إلى عدم الذهاب إلى توقيع الاتفاق مع الصندوق، إنما ترك السوق المالي أن يعالج نفسه بنفسه، على الرغم من أن ذلك يحتاج إلى وقت طويل قد يتجاوز الثلاث سنوات. وهذا يقوم على مبدأ دولرة الاقتصاد والأسواق، في مقابل اتباع حاكم المصرف المركزي سياسة تسديد الديون عبر الآليات التي يبتكرها لإغلاق الكثير من الحسابات المالية. وهذا سيكون على حساب المودعين في مقابل الحفاظ على المصارف.

ورقة ضغط
هذه القناعة التي تتكون دولياً حول تهرّب لبنان من إبرام الاتفاق مع صندوق النقد والإلتزام بشروطه، تدفع القوى الدولية المهتمة بلبنان، والتي تريد منع أي تأثيرات مالية منطلقة منه على دول أخرى، تفكر جدياً في ابتكار آلية على المدى المتوسط للوصول إلى صيغة التخلي عن التعاطي النقدي بالأموال، والعودة إلى اعتماد المصارف كوجهة وحيدة للحركة المالية. في هذا السياق تندرج التحقيقات الأوروبية التي تبحث في مجمل حركة الأموال.

المشكلة الأبعد من ذلك، بما يعني لبنان سياسياً، هو أن مثل هذه التحقيقات، والاعتراف الضمني الداخلي والخارجي بأن لبنان دولة خارجة عن النظام المالي العالمي، ومرتعاً لتبييض الأموال، سيشكل ورقة ضغط أساسية وقوية للدول في فرض شروط قاسية للموافقة على الانخراط في أي تسوية سياسية أو تقديم المساعدات اللازمة التي تحتاجها البلاد للخروج من الأزمة. وهذا سيؤدي إلى إطالة أمد الوصول إلى تسوية، بسبب عدم نضوج الظروف الداخلية اللبنانية، لا سياسياً ولا مالياً، وعدم استعداد القوى الخارجية للانخراط في عملية سياسية أو رعايتها من دون تحديد الوجهة السياسية والمالية لما سينجم عن تلك التسوية.   

/ المدن /

اترك رد إلغاء الرد