ثورة 17 تشرين لم تنكفئ ومسارها يتمأسس

17 تشرين الأول 2019. في ذلك اليوم، نزلت مجموعات من المواطنين إلى شوارع بيروت والساحات للتظاهر ضد تدهور الأوضاع الاقتصادية وفساد الطبقة السياسية الحاكمة، وبين ليلة وضحاها تحول الحراك العفوي إلى انتفاضة شعبية غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث، وبات مؤكداً أن الصّحوة التي طال انتظارها من خلال سلطة الشعب، وما كان أشبه بالحلم صار أقرب إلى الحقيقة وأكثر من أي وقت مضى.

ما يستحيل إنكاره في ذلك اليوم بالذات، أن اللبناني كان بألف خير على رغم الضائقة الإقتصادية.، فالدولار كان يصرف على سعرالـ 1500 ليرة  والدواء كان متوافرا واسعار المحروقات بين 30و 40 ألفا . إلا أن أهداف ما سمي بثورة 17 تشرين اندثرت ووجد” منظموها” أنفسهم في صراع مع الواقع والصعوبات في تحقيق التغيير السياسي في لبنان، وأمام كوارث ملحمية لا يتصوّرها إنسان: انهيار اقتصادي لا يرحم- وهو علّة وجود الثورة – جائحة عالمية تسبّبت بإغلاق تاريخي أفضى إلى صدمة اقتصادية واجتماعية وسياسية دولية، فضلاً عن وقوع أكبر انفجار غير نووي في القرن الحادي والعشرين في مرفأ بيروت.

وفي حينه أيضا كانت “الرغبة بالثورة” أو ما يعرف ب”إرادة الثورة”  هي الأساس وإن لم يكن البديل واضحا أو الاستراتيجية منظمة في المرحلة الأولى. لكن في أي مجتمع تستيقظ فيه هذه الرغبة أو تتهيّأ فيه إرادة ثورة  وتنزل إلى الشارع كما هي، أكان بعفوية أم بتخطيط، لا بدّ وأن يعكس أملاً حقيقيًا، وهذا ما شعر به الناس وكان جبّارًا. فأين هم ثوار الأمس وأصحاب هذه الرغبة والإرادة من كل ما يتخبط به المجتمع اللبناني وناسه؟ إذا كان الإتكال على النواب الذين أوصلتهم أصوات الثوار إلى البرلمان، فالنتيجة وبشهادة الثوار “مخيبة للآمال”. عدا ذلك لا طاقة أمل إلا بانتخاب رئيس جديد للجمهورية.وهل ثمة استراتيجية  لتحريك إرادة ورغبة الشعب القابع في ظلمة الإنهيار الإقتصادي والمالي والإجتماعي من خارج الشارع؟

من غير الموضوعي اعتبار انتفاضة 17 تشرين الأول انكفأت” بهذه العبارات يستهل المدير التنفيذي ل”ملتقى التأثير المدني” زياد الصائغ حديثه لـ”المركزية” موضحا “أن هذه الإنتفاضة تأخذ في مسار تراكمي أشكالاً متعددة غير الشارع ،منها تنسيق جهود هيئات المجتمع المدني المتخصصة بإرساء الحوكمة الرشيدة ، والضغط باتجاه إنفاذ آليات المحاسبة ومنها، تعميق تشخيص مسببات الأزمة التي نواجهها في ما يُعنى بالخطر على الهوية اللبنانية أكثر منه قصرُها على الإنهيار المالي والإقتصادي والإجتماعي، وتدمير سيادة الدولة واستباحة مرافقها من قبل تحالف المافيا – الميليشيا، ومنها أيضاً التعاون مع أصدقاء لبنان في العالم العربي والمجتمع الدولي من خلال فاعلية الإغتراب في إبقاء جذوة القضية اللبنانية مضيئة في حين ثمة من يريد الإنقضاض عليها بالكامل إما من خلال فرض حالةٍ شمولية، أو حالة تفتيتية، وفي تقديرنا أن حلفاً موضوعياً يجمع بين الحالتين لضرب الصيغة اللبنانيّة الحضارية بالانقلاب على الدستور”.

بالتوازي يضيف الصائغ ” ولو أن تدويل القضية اللبنانية قائم في القرارات الدولية 1701 و1559 و1680 ،كما في المبادرة الكويتية التي تبنّاها مجلس دول التعاون الخليجي، وباتت تحت مظلة مجموعة الدعم الدولية الخاصة بلبنان التي أنشأها مجلس الأمن الدولي في العام 2013، إلا إن الدينامية الداخلية للقوى المجتمعية الحيّة، كما القوى السياديُة الإصلاحية االتغييرية في مجلس النواب معنيّين بالتفكير المعمّق في مواجهة حالة التعطيل والمراوحة التي يفرضها أمرٌ واقع بات القاصي والداني يعلم خلفياته ومآلاته”.

في ذروة الانتفاضة، سمحت اللحظة بالإحساس بموجة عارمة من الأمل. لكن إذا ما نظرنا إلى الواقع- وهو الأهم – نلتمس أن الثورة المضادة التي قادتها منظومة السلطة كانت ولا تزال شرسة للغاية لدرجة أنها تجعلنا نتساءل عما إذا كنا قد حققنا أي شيء على الإطلاق من خلال الانتفاضة.

بالتوازي، يؤشر الواقع أيضاً إلى أن ثورة 17 تشرين لم تحرِّك أي شيء ملموس على مستوى السياسات المؤسسية والسياسة العامة. وباستثناء الخطاب والوعي الجماعي، لا إنجازات، حتى نواب التغيير الذين وصلوا إلى البرلمان بأصوات الثوار شكلوا صدمة وخيبة أمل جديدة. فهل ثمة استراتيجية أو خطة “ب” لثورة من خارج حركة الشارع؟

يقول الصائغ:” لنعد إلى حقيقة أن الإنتفاضة تعرّضت لحالة قمع مُمنهج مباشر وغير مباشر من السلطة وممّن هم فوق السلطة، وبالتالي فإن توقيت أي تحرك وعناوينه مع تقييم فاعليته يجب أن يأخذ في الإعتبار التجارب السابقة، وإلا نستعيد حالة الخيبة. من هنا، فإن إعادة الحياة لدينامية 17 تشرين قيد البحث إنما بعيداً من الإرتجال والشعبوية، والتغيير الراديكالي حتمي بعيداً من التسويق بأن المنظومة ما زالت أقوى، وهذا تسويق واهم وموهوم. المهم الصبر والمثابرة ولبنان القضية الحضارية سينتصر” يختم الصائغ.

/ المركزية /

اترك رد إلغاء الرد