معادلة “حزب الله”: مرشحنا أو الحرب الأهلية

شواغل “حزب الله ” تتخطى ما يشغل اللبنانيين من هموم واهتمامات، لا فقط بالنسبة إلى المهام الإقليمية المكلف القيام بها عسكرياً وأمنياً ولوجيستياً، بل أيضاً بسبب رؤيته لمستقبل لبنان ، ولا فقط حيال الدوران حول رئاسة الجمهورية الشاغرة حالياً، بل أيضاً حيال مسألة الجمهورية ودورها في هذه المرحلة التي يراها “انتقالية”، فمن حيث يريد اللبناني العادي انتخاب “رئيس دولة” على حد تعبير مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، يصر أمين عام الحزب حسن نصر الله، الذي يمارس ما يشبه دور “مرشد الجمهورية” على “رئيس مقاومة” يسير على خط “المقاومة الإسلامية”. ومن حيث ينص الدستور على أن “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”، وهو نص جرى تداوله قبل اتفاق الطائف بسنوات، وكان في طليعة مقترحيه رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الإمام موسى الصدر، يتصرف “حزب الله” على أساس أن الثابت هو “المقاومة الإسلامية”، والمتغير هو لبنان، والأخطر هو أن هذا الحزب لا يستطيع أن يحكم لبنان رسمياً ولو انهار نهائياً، ولا يريد تخفيف الهيمنة عليه، وليس لديه حتى مشروع لوقف التعاظم في الأزمات السياسية  والمالية والاقتصادية والاجتماعية الخطيرة.

“كيان خاص”

ذلك أن “المقاومة الإسلامية” بالنسبة إلى قيادة “حزب الله”، هي نوع من “كيان خاص” منفصل عن لبنان، لكنه يتحكم به ويجره إلى “محور الممانعة” بقيادة النظام الإيراني، ومن المفارقات أن حسن نصر الله الذي يعترف بأن طهران أسست حزبه وأن “سلاحه وماله ومأكله ومشربه” منها، يقول إن إيران لا تتدخل في شؤون لبنان، وهو يدعو إلى حوار وتوافق في الداخل من دون رهان وهمي على صفقات خارجية تأتي برئيس للجمهورية، لكن مفهومه للتوافق هو موافقة الجميع على المرشح الذي اختاره سلفاً، أما هدوء اللهجة في خطابه الأخير، فإنه جاء على طريقة الرئيس الأميركي تيدي روزفلت القائل، “تكلم بصوت ناعم واحمل عصا غليظة”، الصوت الناعم كان الدعوة إلى رئيس “لا يطعن المقاومة في ظهرها” لأن الحاجة انتفت إلى حمايته ومظلته، والعصا الغليظة هي التلويح بالحرب الأهلية عبر القول إن مجيء رئيس يطعن المقاومة يعني “الحرب الأهلية”.

مثال واضح

واللعبة تتكرر في كل مأزق يقع فيه انتخاب رئيس، عام 1988 جاء المسؤول عن الشرق الأوسط في الخارجية الأميركية ريتشارد مورفي من دمشق، حاملاً اسماً واحداً بالاتفاق مع الرئيس السابق حافظ الأسد، وقال: “مخايل ضاهر أو الفوضى”، وكان الخيار هو الفوضى، وعام 2014، رفع “حزب الله” شعار: ميشال عون أو الفراغ، وكان الخيار هو الفراغ الذي دام سنتين ونصف السنة حتى تعب كثيرون وسلموا بانتخاب العماد عون رئيساً. والشعار اليوم هو “مرشحنا أو الحرب الأهلية”، ومن الصعب الموافقة على مرشحه، ولا أحد يريد الذهاب من جديد إلى حرب أهلية يخسر فيها القوي والضعيف.

عام 2006، شنت إسرائيل اعتداء على لبنان لضرب “المقاومة الإسلامية”، ودعت الكويت بالتنسيق مع الأمين العام للجامعة عمرو موسى إلى اجتماع عاجل لوزراء الخارجية العرب، ويروي موسى في مذكراته بالاعتماد على محاضر الجلسة، تفاصيل سجال بين وزير الخارجية السوري وليد المعلم ونظيره السعودي الأمير سعود الفيصل، المعلم تحدث عن “أحلام مجنونة وتصور الاجتماع في غزة أو في الجنوب اللبناني”، ثم قال “كل كلمة تخرج من هنا باسم العقلانية تفيد إسرائيل في عدوانها”، رد الفيصل بالقول “لم أكن أعلم عن الأخ وليد أن سياسته تسير بالأحلام واكتشف في حلمه أن بعض ما قيل من مواقف عربية ساعدت إسرائيل في هجومها على لبنان. وهذا أولاً كلام غير مسؤول، وثانياً غير صحيح”.

وقال الأمين العام إنه بقي صامتاً، “حيث من الصعب تغيير قناعات دول في الجامعة العربية بأن ما يقوم به حزب الله ليس مقاومة للاحتلال الإسرائيلي بقدر ما هو جزء من لعبة سياسية تقودها إيران، تأكيداً لدورها الإقليمي المناهض للدور العربي والمصالح العربية”.

اليوم صار المثال واضحاً في العراق وسوريا ولبنان واليمن أمام الجميع.

/ رفيق خوري / إندبندنت /

اترك رد إلغاء الرد