“التحقيق الأوروبي” والملفات المعيشية تشدّ الخناق

يقطع الوفد القضائي الأوروبي رتابة المشهد السياسي العام ليحلّ في المرتبة الأولى من حيث المتابعة والإهتمام. فالوفد يبدأ اليوم في بيروت تحقيقاته مع عدد من الشخصيات المالية والاقتصادية. ورغم أن التحقيقات تسمح بها اتفاقيات دولية لبنان موقّع عليها، إلا أنها تثير بعض اعتراضات سياسية تعتبرها خرقا للسيادة اللبنانية، وتعرضاً للقضاء.

وبين مرحّب لهذا التعاون القضائي القائم ضمن معاهدة دولية وبين من يعتبره انتهاكا لهيبة القضاء اللبناني، أوضحت مصادر قضائية في اتصال “الأنباء” الإلكترونية أن تحرك الوفد القضائي الأوروبي باتجاه لبنان “يأتي ضمن اتفاق دولي مع الحكومة اللبنانية، وقد كان حصل سابقاً أكثر من تعاون في السنوات الماضية من بينها التحقيق في قضية رجل الأعمال اللبناني كارلوس غصن”.

في هذا السياق استبعدت الوزيرة السابقة القاضية أليس شبطيني التحقيق مع حاكم المركزي لأن اسمه غير وارد في لائحة الأسماء التي ينوي الوفد التحقيق معها التي تشمل حتى الساعة 15 شخصاً.

شبطيني وفي معرض تعليقها على اعتبار زيارة الوفد القضائي انتهاكا لسلطة القضاء اللبناني، سألت عبر الانباء الالكترونية: “هل فقط من هذه الناحية تنتهك سلطة اللبنانيين وكأن في البلد رئيس للجمهورية وسلطات ومؤسسات فاعلة؟”، وأشارت إلى أن “السلطة شيء والدولة شيء آخر، وكل واحد فاتح على حسابه وبما يملك من سطوة وقوة. فالوضع في لبنان ميؤس منه ويبعث على القلق”.

ومع الإجتهادات المتعلقة بالزيارة سألت “الأنباء” الإلكترونية رئيس مؤسسة جوستيسيا المحامي بول مرقص عما يقوله القانون، فأشار إلى أنه “رغم إقرارنا المطلق بضرورة مكافحة الفساد وتفعيل التحقيقات القضائية عموماً بسبب الفساد المتفشي، إلا أنه ثمّة تعاوناً لإجراء التحقيقات القضائية عندما يكون الأمر بين دولتين أو أكثر، مع مراعاة المرتكزات الأساسية لسيادة الدولة في القانون المحلي التي يجب احترامها. وهذا ما يتوافق مع أحكام المادة /49/ من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003، والموقّعة من قبل لبنان عام 2009، التي تحثّ الدول الأطراف على توقيع اتفاقيات ثنائية ومراعاة مبدأ السيادة المحليّة”. 

وأضاف مرقص: “رغم التشجيع على توقيع ما تقدّم من اتفاقيات، ففي حال رغبت دولة أجنبية طرف في الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد بإجراء تحقيقات أو استجوابات في لبنان، يتوجّب عليها أن تطلب ذلك عبر السلطات اللبنانية المختصّة وفق آلية الطلب المحددة في المادة /46/ من الاتفاقية عينها، أي عبر النيابة العامة التمييزية. ومن السوابق على ذلك قضية رجل الأعمال كارلوس غصن الذي استجوبه القضاء الفرنسي في لبنان، وسواها من القضايا كقضية ساركوزي والأموال الافريقية وغيرها من القضايا”.

تابع: “يبقى للدولة متلقية الطلب حق رفض تقديم المساعدة القانونية المتبادلة إذا لم يقدّم الطلب وفقاً للأصول المفروضة أو إذا رأت الدولة الطرف متلقية الطلب أن تنفيذ هذا الطلب قد يمس بسيادتها أو أمنها أو نظامها العام أو مصالحها الأساسية الأخرى، وغيرها من الحالات المحددة حصراً في الفقرة 21 من المادة 46 عينها. مع الإشارة إلى أنه لو تعلّق الأمر بدول داخل الاتحاد الأوروبي، لكان جاز للقضاة الأوروبيين التحقيق مباشرة في دول الاتحاد وفقًا للأحكام التوجيهية الصادرة عن الاتحاد الأوروبي عام 2014 في ما خص التحقيق الأوروبي في المسائل الجنائية، ذلك دون اتباع هذه الإجراءات المسبقة حسب الاتفاقية الدولية المذكورة”.

ولفت مرقص إلى أن الدستور اللبناني يكرّس في مقدمته مبدأ سيادة الدولة اللبنانية “Principe de souverainte de l’etat” وكذلك قانون العقوبات اللبناني بحيث لا تخضع الدولة لأي سلطان إلا في ما تتّفق عليه من تعاون قضائي مع دولة أو دول أخرى كما بالنسبة لإتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي وقعت عليها /186/ دولة منها /20/ دولة عربية والتي رغم أنها تنص على مبدأ احترام السيادة القانونية لكل دولة إلّا انها في موادها الأخيرة تنص على إجراءات تعاون قضائي برضى الدول الموقعة من شأنها أن تجيز الاستجواب. علماً أن لبنان كان قد وافق على مباشرة التعاون هذا منذ بضعة سنين قبل أن تبلغ الوفود القضائية الأوروبية عزمها المجيء بذاتها إلى لبنان.

وفي مطلق الاحوال، وأياً تكن حقيقة الاعتبار الذي يحكم ما يحصل في كل هذا الملف، فإن الواقع المحلي يبقى مأساوياً في شتى المستويات، تحديداً لجهة تخلف المسؤولين المعنيين عن القيام بواجباتهم في الملفات التي تضغط على معيشة الناس وتزيد من أزماتهم، وهو ما وصفه النائب تيمور جنبلاط في موقفه أول من أمس بالاحتباس السياسي الذي يمعن في انهيار المؤسسات.  

/ الأنباء /

اترك رد إلغاء الرد