تقلبات 2022 مستمرة

لم يشهد العالم سنة صعبة بل خطرة كما 2022. يمكن وصفها بالمؤسسة لعقود طويلة قادمة يتغير خلالها العالم بعمق وربما تحدث خلالها مواجهات خطرة بين الكبار. لم تعد قواعد اللعبة بين الكبار نفسها، وربما تتغير هوية الكبار مستقبلا أيضا بسبب التكنولوجيا والعلوم كما تبعا لتطور العلاقات الدولية والاقليمية. خلال العقود الماضية، تطور الاقتصاد الدولي كثيرا لكن فجوة الدخل والثروة توسعت بين الدول كما داخلها. انتقلت رؤوس الأموال كما السلع والخدمات لتساهم في توزع الانتاج بين الدول تبعا للأفضليات المقارنة ووفورات الحجم. أحدثت هذه المبادئ الصحيحة خللا في الاقتصاد الدولي اذ أصبحت دول قوية على حساب أخرى. الصين استفادت كثيرا في الانتاج والنمو وأفادت دول أخرى استوردت السلع بأسعار أدنى بكثير من التكلفة الداخلية. لكن مع الوقت أحدث هذا الخلل خوفا من انتشار قوة الصين عالميا ليس فقط في الانتاج العادي وانما خاصة في العسكري، أي في القدرة على السيطرة وتوسيع النفوذ.

واقع الاقتصاد الصيني ليس جيدا، أهم مؤشراته انحدار النمو الى النصف وانهيار القطاع العقاري كما الاغلاق الطويل في مواجهة الكورونا. بين سنتي 1980 و2019، تفوّقت الصين في نموها على كل الاقتصادات الغربية. تتغيّر السياسات الصينية تدريجيا بعيدا عن الأسواق الحرة الى الموجهة، كما تقوية السلطة المركزية على حساب الأطراف كلها تؤشر الى تغيير كبير مستمر يقوى سياسيا ونفوذا لكنه لن ينعكس ايجابا على الاقتصاد. تجربة الاتحاد السوفياتي ربما تصلح، اذ تقوية السلطة المركزية على مدى عقود في موسكو أضر بالنمو والتجديد والبحث والتطوير. «الاقتصاد أولا والعقيدة السياسية ثانيا» كما كان الحال في الصين منذ ماو تحول الى العكس اليوم أي السياسة أولا. هنالك وقائع داخلية تشير الى تغيير سلبي لطريقة التعاطي مع القطاع الخاص والشركات الكبيرة وهذا لا بد وأن ينعكس سلبا على مستوى النمو مستقبلا. تتحوّل الصين تدريجيا من ارتكاز نموها على الطلب الخارجي أي صادراتها الى الطلب الداخلي أي الاستهلاك المحلي.

هنالك تغيير كبير في تعاطي الولايات المتحدة مع الصين.  بدأ ذلك منذ دخول الصين الى منظمة التجارة العالمية حيث لم تفتح الصين قطاعها العام أمام الشركات الغربية، وبالتالي لم تستفد أميركا من انضمام الصين الى المنظمة كما اعتقدت. وضع الرئيس ترامب تعريفات جمركية مرتفعة على الاستيراد الصيني، لكن الضحية لم تكن الصين التي وجدت أسواقا بديلة بل المستهلك الأميركي الذي يدفع أسعارا أعلى. هنالك من يقول أن الرئيس ترامب لم يكن الرئيس المناسب لأميركا بل للصين. في كل حال عندما يشعر 17% من سكان العالم بالقلق نتيجة العلاقات السياسية الخارجية والداخلية، لا بد وأن نشعر جميعا بالقلق نفسه. حجم الصين يكبر وتأثيره يزداد بسرعة وبخطى ثابتة مما يشير بوضوح الى القوة والنفوذ.

هنالك 4 معالم أساسية بدأت أو تطورت خلال 2022 يمكن أن تسبب الفوضى في ادارة الدول كما في العلاقات الدولية نذكرها كما يلي:

أولا: العولمة المتراجعة حيث تشير كل الوقائع الى عودة الحدود بين الدول بسبب الأمن والهجرة غير الشرعية وانخفاض النمو وارتفاع مؤشرات الفقر. كل ما بناه العالم منذ الحرب العالمية الثانية يزول تدريجيا بسبب الخوف الذي انتج فوزا لأقصى اليمين في بعض الدول ولأقصى اليسار في دول أخرى. الاعتدال أصبح غير مرغوب به والمطلوب من السياسيين من قبل المواطنين اتخاذ المواقف الحادة غير القابلة للنقاش والتي تفرض بالقوة. نتائج الانتخابات في أهم الدول الديموقراطية تشير الى هذا الواقع المستجد.

ثانيا:  الكورونا التي أثرت على الأوضاع الصحية للمواطنين وللشبكات العامة وعلى موازنات كل الدول، اثرت على توزع الانفاق العام وعلى الايرادات كما على طرق العمل عن قرب وبعد، وبالتالي لم تعد الانتاجية كما كانت سابقا. أقفلت اقتصادات العالم لفترات غير قصيرة كما تأثرت معظم القطاعات أهمها السياحة والطيران بالكورونا، وها هو العالم بدأ يتنفس من جديد. لم نبدأ نشعر بالراحة حتى ظهرت الكوليرا التي تخيف المواطنين وتسيء الى نوعية الحياة.

ثالثا:  الحرب الأوكرانية التي بدأت في شباط الماضي وتتطور، وهنالك الخطر النووي الذي يقلق العالم. أثرت الحرب سلبا على حياة كل المواطنين معيشيا بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والمواد الأولية خاصة النفط والغاز. انتشر التضخم عالميا وارتفعت الفوائد وتأثر المواطنون في كل مكان من ارتفاع خدمة الديون حتى تكلفة السلة الاستهلاكية. هنالك خوف اليوم من حدوث ركود كبير بدأ من هذه السنة ينعكس سلبا على مؤشرات البطالة في كل مكان. هنالك صراع حول امدادات الطاقة من روسيا الى أوروبا تخيف المواطنين الذين يقلقون على مستوى معيشتهم ونوعيتها خاصة في الشتاء.

رابعا: دور الصين الذي تغير كثيرا ليس فقط مع بدء الولاية الثالثة للرئيس شي لكن قبل ذلك. الصين القوية تخيف الجميع في الشرق والغرب وهنالك قلق حول دورها المستقبلي الذي يمكن أن يغير طبيعة العلاقات الدولية. أصبحت الصين المصنع الأول عالميا لأهم السلع بدءا من الطاقة الشمسية الى الأسمنت كما أصبحت الشريك التجاري الأول والمقرض الأساسي لأكثرية الدول النامية. الصين هي المستهلكة الأولى عالميا للسيارات الكهربائية. عدد السيارت الكهربائية التي تباع في الصين هي أعلى من المجموع العالمي، وهذا يشير الى مجتمع واع قادر يطور استهلاكه ويحدثه. بنت الصين بنية تحتية كبيرة ومتطورة ونظام عسكري حديث وقوي لم يجرب بعد لكن يعتقد أنه فاعل جدا. التقارب مع روسيا اليوم يقلق الغرب وليست هنالك أسلحة فاعلة للمواجهة اذ أظهرت العقوبات أنها لم تؤد النتيجة المطلوبة. نفوذ اقتصادي ومالي كبير لدولة طموحة لا بد وأن ينعكس سياسيا.

/ اللواء /

اترك رد إلغاء الرد